فجوة الثقة: هل يملك التيار التقدمي في إسرائيل مفتاح الخروج من نفق الصراع؟

في ظل أجواء مشحونة بالتوتر السياسي والاجتماعي، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل التعايش في الداخل الإسرائيلي، خاصة مع تزايد الأصوات التي تنادي بضرورة بناء تحالفات عابرة للهوية العرقية. وفي هذا السياق، استضافت إيرين أوجونكايا في حوارها الأخير، إبراهيم أبو أحمد، الكاتب والناشط السياسي في قضايا السلام، والذي يشغل حالياً منصب رئيس قسم التواصل الاجتماعي في حزب "الديمقراطيين" اليساري الإسرائيلي، لتقديم قراءة نقدية للمشهد الراهن الذي تعيشه المنطقة.

حالة من القلق الوجودي تهيمن على الشارع

يؤكد أبو أحمد، الذي يعد صوتاً بارزاً في الأوساط السياسية التقدمية، أن المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي يعاني من حالة استثنائية من "الخوف والصدمة الجماعية". ويوضح أن هذه المشاعر ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي حالة مستقرة تشكلت بفعل الأحداث المتسارعة والضغوط الأمنية، مما ألقى بظلاله على كل مفاصل الحياة اليومية. ويرى أبو أحمد أن هذا الشعور بالخوف هو المحرك الأساسي للتوجهات السياسية الحالية، حيث يميل الجمهور إلى تبني مواقف دفاعية تبتعد عن الطروحات التي تدعو إلى الانفتاح أو الحوار.

وفي تحليل لافت، يشير أبو أحمد إلى وجود فجوة عميقة ومتناقضة بين ما يتطلع إليه قطاع واسع من الجمهور وبين الخطاب الرسمي للقيادات السياسية. فبينما يرى الكثير من المواطنين، من عرب ويهود، أن مصلحتهم الحقيقية تكمن في التقارب وبناء تحالفات مشتركة لضمان استقرار طويل الأمد، تأتي القيادات السياسية لتعزز حالة الانقسام. وبحسب تعبيره، فإن "الخوف الحقيقي ليس في الشارع بقدر ما هو في أروقة صنع القرار، حيث تخشى النخب السياسية الجهر بضرورة الشراكة العربية-اليهودية خوفاً من فقدان قواعدها الانتخابية التقليدية".

الشراكة كضرورة لبقاء الديمقراطية

لا ينظر أبو أحمد إلى الدعوة للشراكة العربية-اليهودية من منظور انتخابي ضيق أو مكاسب سياسية آنية، بل يضعها في إطار "البقاء الديمقراطي". ويجادل بأن استمرار السياسات القائمة على الإقصاء أو تهميش الدور العربي في المعادلة السياسية لن يؤدي إلا إلى تأكل المؤسسات الديمقراطية ذاتها. بالنسبة له، فإن إسرائيل تقف عند مفترق طرق؛ فإما المضي قدماً في تعزيز هوية الدولة كحاضنة لجميع مكوناتها، أو الانزلاق نحو مزيد من التفتيت الاجتماعي الذي قد يهدد أسس النظام السياسي برمته.

ويأتي هذا الطرح في وقت حساس، حيث شهد يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026، تصاعداً في وتيرة النقاشات داخل الأحزاب اليسارية حول كيفية إعادة صياغة خطابها ليتجاوز حدود الأيديولوجيا التقليدية. ويشدد أبو أحمد على أن التحدي القادم لا يكمن في إقناع الناس بجدوى السلام فحسب، بل في كسر حاجز الخوف الذي تفرضه القيادة السياسية على القاعدة الشعبية، وتحويل التوافقات الضمنية بين الناس إلى برنامج عمل سياسي ملموس.

ختاماً، يظل الرهان معلقاً على قدرة التيارات التقدمية على الصمود أمام ضغوط الاستقطاب. إن رؤية إبراهيم أبو أحمد تقدم خارطة طريق صعبة، لكنها تبدو ضرورية في نظر الكثيرين للخروج من دائرة الصراع، حيث تظل الشراكة بين العرب واليهود هي الضمانة الوحيدة لمستقبل لا يُبنى على الخوف، بل على الاعتراف المتبادل والعدالة الاجتماعية التي تضمن حقوق الجميع.