مستقبل إسرائيل على المحك: أزمة الهوية والانقسام السياسي

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة منذ السابع من أكتوبر من العام الماضي، وتفاقم الانقسامات الداخلية التي تنهش جسد المجتمع الإسرائيلي، يجد الداخل السياسي في تل أبيب نفسه أمام مفترق طرق وجودي. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي، ومدى قدرة المؤسسات على الصمود أمام رياح التغيير التي قد تعيد تشكيل وجه الدولة في ظل تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.

مخاوف من الانزلاق نحو السلطوية

يرى البروفيسور آلان غريلسامر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، أن الانتخابات القادمة لن تكون مجرد سباق تقليدي على المقاعد البرلمانية، بل ستكون استفتاءً على جوهر الدولة ومبادئها الديمقراطية. ويشير غريلسامر إلى أن السياسات التي ينتهجها بنيامين نتنياهو قد وضعت إسرائيل على مسار محفوف بالمخاطر، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يحول البلاد فعلياً إلى ما يشبه الدولة السلطوية أو غير الديمقراطية. ويستند هذا التحليل إلى تآكل استقلالية القضاء، وتراجع مفهوم المساءلة الديمقراطية، وهي أعمدة يرى الخبراء أنها باتت مهددة بفعل التوجهات السياسية الحالية.

ويشير غريلسامر، في حوار أُجري يوم الثلاثاء الموافق السابع والعشرين من أكتوبر 2026، إلى أن التوترات مع إيران لا تشكل التحدي الخارجي الوحيد، بل إنها تتغذى على انعدام الثقة في الداخل. إن الجدل المحتدم حول التوزيع غير العادل للالتزامات المدنية – وتحديداً مسألة الخدمة العسكرية التي تثير انقساماً حاداً بين التيارات العلمانية والمتشددة – يعمق الفجوة الاجتماعية ويجعل من الصعب على أي حكومة قادمة تحقيق الاستقرار السياسي المطلوب.

دور الأحزاب العربية في ميزان القوى

وسط هذا المشهد الضبابي، تبرز الأحزاب السياسية العربية كلاعب محوري قد يمتلك "مفتاح الحل" في تحديد مسار الانتخابات المقبلة. وعلى الرغم من التهميش السياسي الذي طالما عانت منه هذه القوى، إلا أن غريلسامر يؤكد أن دورها في هذا الاستحقاق قد يكون حاسماً؛ حيث يمكنها التأثير في موازين القوى داخل الكنيست، خاصة في ظل تقارب حظوظ المعسكرات المتنافسة. إن قدرة هذه الأحزاب على حشد الناخبين أو فرض أجندتها قد تغير من قواعد اللعبة السياسية التي اعتاد عليها المجتمع الإسرائيلي لعقود.

إن المشهد السياسي في إسرائيل، كما يصفه المراقبون، يعيش حالة من "السيولة" التي لا يمكن التنبؤ بمساراتها النهائية. وبينما تظل المخاوف من تآكل الديمقراطية قائمة، يظل الرهان على صناديق الاقتراع وسيلة لاختبار مدى مرونة المؤسسات الإسرائيلية في مواجهة الأزمات المركبة. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح إسرائيل في ترميم انقساماتها الداخلية، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة من الاضطراب السياسي الذي قد يعيد تعريف هويتها الوطنية لسنوات طويلة قادمة؟