زلزال سياسي في بلغراد: هل تطوي صربيا صفحة حقبة فوتشيتش؟

في تحول دراماتيكي غير مسبوق، تشهد الساحة السياسية في صربيا لحظة تاريخية فارقة قد تعيد رسم خريطة البلاد الاستراتيجية. فبعد أربعة عشر عاماً من الهيمنة المطلقة التي فرضها الرئيس ألكسندر فوتشيتش على مفاصل الدولة، أظهرت نتائج الانتخابات التي جرت يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026، تقدماً لافتاً لحركة طلابية شبابية، في مؤشر يعكس تآكل القاعدة الشعبية للنظام القائم وتطلع الشارع الصربي نحو تغيير جوهري في بنية الحكم.

نهاية حقبة "الرجل القوي"

تصف هيلينا إيفانوف، الزميلة البحثية في "جمعية هنري جاكسون" بلندن، هذا المشهد الانتخابي بأنه ليس مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل هو زلزال سياسي يضرب حصون المؤسسة الحاكمة التي ظن الجميع أنها عصية على التغيير. وخلال حوارها مع فرانسوا بيكار، أكدت إيفانوف أن ما حدث في صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء يمثل صرخة احتجاجية من جيل جديد يرفض استمرار نهج "الرجل القوي" الذي ميز حقبة فوتشيتش، والذي اتسم في نظر المعارضين بتركيز السلطات وتقليص مساحات العمل الديمقراطي.

إن صعود هذه الحركة الطلابية، التي نجحت في حشد طاقات الشباب وتوجيه غضبهم نحو صناديق الاقتراع، يضع صربيا أمام مفترق طرق. فالمتغيرات التي سجلها يوم الثلاثاء تتجاوز الصراع الحزبي التقليدي؛ إنها مواجهة بين رؤيتين للوطن: واحدة متمسكة بإرث السلطة المركزية، وأخرى تطمح لدمج صربيا بشكل أكثر فاعلية في المنظومة الديمقراطية الغربية، وتعزيز المؤسسات الوطنية بعيداً عن سياسة الفرد الواحد.

التداعيات على المسار الأوروبي لصربيا

تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة بالنظر إلى التوجهات السياسية لـ "جمعية هنري جاكسون"، التي تعد من أبرز مراكز التفكير في لندن والمدافعة الشرسة عن التحالفات العابرة للأطلسي والديمقراطيات الليبرالية. وترى إيفانوف أن نجاح هذه الحركة قد يفتح الباب أمام تحول في سياسة بلغراد الخارجية، خاصة فيما يتعلق بتعزيز القدرات الدفاعية والتحالفات الأمنية مع الغرب، وهو التوجه الذي لطالما كان محل جدل واسع في الأوساط السياسية الصربية.

لقد أظهرت نتائج الثلاثاء أن الناخب الصربي، الذي اتسم بالصبر طوال العقد الماضي، قد قرر أخيراً استعادة زمام المبادرة. ورغم أن الطريق نحو تشكيل حكومة جديدة قد يكون محفوفاً بالعقبات القانونية والسياسية، إلا أن "كسر حاجز الخوف" لدى الناخبين يمثل مكسباً ديمقراطياً يصعب التراجع عنه.

آفاق المرحلة المقبلة

بينما تترقب العواصم الأوروبية والدوائر الدولية مآلات هذا التحول، يبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكن الحركة الطلابية الصاعدة من تحويل هذا الزخم الانتخابي إلى سياسات عملية قادرة على انتشال البلاد من أزماتها الهيكلية؟ إن الأيام القادمة ستكشف عن مدى قدرة هذه القوى الشابة على التفاوض مع تركة ثقيلة من المؤسسات الراسخة. وفي كل الأحوال، فقد أثبتت أحداث يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026، أن صربيا قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة، حيث لم يعد بقاء النظام القديم أمراً مضموناً، وبات التغيير، مهما كان مساره، حقيقة واقعة تفرض نفسها على طاولة السياسة في البلقان.