إسرائيل أمام منعطف تاريخي: صناديق الاقتراع تحسم هوية الدولة بعد عام من الاضطراب

شهدت إسرائيل، يوم الأربعاء الموافق 28 أكتوبر 2026، إقبالاً انتخابياً هو الأضخم من نوعه منذ عقود، في مشهد يعكس حالة من الاستقطاب الحاد والرغبة الشعبية في إعادة رسم ملامح المستقبل السياسي. وتأتي هذه الانتخابات العامة، وهي الأولى منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، لتتحول في جوهرها إلى استفتاء وطني حول هوية الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية، في ظل تداعيات أمنية واجتماعية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد العام.

استفتاء على "اليوم الأكثر دموية" ومستقبل المؤسسة

لم تكن الطوابير الطويلة أمام مراكز الاقتراع التي امتدت منذ ساعات الصباح الأولى مجرد ممارسة ديمقراطية روتينية، بل كانت تعبيراً عن حالة من "الغليان السياسي" الذي أعقب أحداث العام الماضي. لقد نظر الناخبون إلى هذه الانتخابات باعتبارها محاكمة سياسية لنهج القيادة التي أدارت البلاد خلال الفترة التي تلت السابع من أكتوبر. بالنسبة للكثيرين، كان التصويت وسيلة لمحاسبة النخبة السياسية على الإخفاقات الأمنية الكبرى، بينما اعتبره آخرون فرصة لترسيخ رؤية أمنية أكثر تشدداً لضمان عدم تكرار تلك السيناريوهات.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن نسبة المشاركة تجاوزت التوقعات، وهو ما يفسره المحللون برغبة الناخب الإسرائيلي في حسم الجدل حول "أي إسرائيل يريد؟". فبينما يطالب تيار واسع بضرورة التغيير والبحث عن مسارات جديدة لاستعادة الاستقرار الداخلي، يصر تيار آخر على التمسك بالسياسات القائمة، معتبراً أن أمن الدولة يتطلب تماسكاً داخلياً لا يقبل القسمة على اثنين.

تحديات ما بعد التصويت: البحث عن بوصلة جديدة

بعيداً عن الأرقام ونسب الاقتراع، يواجه النظام السياسي في إسرائيل اختباراً حقيقياً في تشكيل ائتلاف حكومي قادر على الصمود. فنتائج يوم الأربعاء تشير إلى خريطة سياسية مشتتة، مما يضع القوى السياسية أمام تحدي تشكيل حكومة مستقرة في ظل انقسام مجتمعي عميق. إن التساؤل الذي يطرحه الشارع اليوم لا يتعلق فقط بهوية الفائز، بل بقدرة الحكومة القادمة على معالجة الجروح التي خلفتها أحداث أكتوبر وما تلاها من حروب وأزمات اقتصادية واجتماعية.

وعلى الرغم من أن النتائج الرسمية ستستغرق وقتاً لفرزها، إلا أن الرسالة التي بعث بها الناخبون باتت واضحة؛ فالاستقرار لم يعد ترفاً، والبحث عن عقد اجتماعي جديد بات ضرورة ملحة. إن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستتجه نحو ترميم مؤسساتها والبحث عن تسويات، أم أنها ستغرق في مزيد من الانقسامات التي قد تهدد نسيجها الداخلي لسنوات طويلة. في نهاية المطاف، سيبقى السابع من أكتوبر 2023 هو "الندبة" التي تسبق كل قرار سياسي، والمقياس الذي سيحكم به الإسرائيليون على مستقبل حكومتهم الجديدة.