تصدع الهوية السياسية في إسرائيل: إلى أين تتجه بوصلة الحكم؟

في مشهد سياسي يزداد تعقيداً، تواجه إسرائيل أزمة بنيوية عميقة تتجاوز مجرد الصراع على مقاعد الكنيست، لتصل إلى جوهر التماسك الاجتماعي والسياسي للدولة. وفي حوار معمق استضافته إيرين أوجونكايا، قدمت الدكتورة شيرا إفرون، رئيسة كرسي سياسات إسرائيل في مؤسسة "راند" البحثية، قراءة نقدية للواقع الراهن، مؤكدة أن الكثير من المراقبين، بمن فيهم هي شخصياً، قد أخطأوا في تقدير حجم التصدع الذي أصاب النسيج الاجتماعي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة.

استقطاب أيديولوجي يغلق نوافذ الحلول

تشير الدكتورة إفرون إلى أن النظام السياسي الإسرائيلي بات أسيراً لحالة من الاستقطاب الأيديولوجي الحاد، وهو واقع أفرزته تحولات ديموغرافية وسياسية متسارعة. فقد أدى الانزياح الواضح للناخبين اليهود نحو اليمين إلى تغيير قواعد اللعبة التقليدية، بالتوازي مع استمرار الجدل حول شرعية المشاركة السياسية للأحزاب العربية. هذا المزيج المتفجر أدى إلى تضييق الخناق على فرص تشكيل الائتلافات الحكومية، وحوّل عملية بناء التحالفات من ممارسة سياسية مرنة إلى معضلة وجودية تهدد استقرار الحكومات.

تؤكد التحليلات أن هذا الانسداد ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من الخطاب السياسي الذي ركز على الهوية والانقسام بدلاً من التوافق الوطني. وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت القدرة على تشكيل حكومة مستقرة حلماً بعيد المنال في ظل نظام انتخابي يمنح الأطراف الصغيرة قدرة غير متناسبة على التأثير في توجيه دفة السياسات الكبرى.

نتنياهو والأوراق السياسية: رهان البقاء في السلطة

على الرغم من تراجع شعبية التكتل الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ترى الدكتورة إفرون أن الأخير لا يزال يحتفظ بـ "أوراق قوية" في جعبته السياسية. فنتنياهو، المعروف ببراعته في المناورة داخل دهاليز السياسة، يمتلك خيارات متعددة لاستعادة زمام المبادرة، سواء عبر التلويح بالذهاب إلى انتخابات جديدة قد تعيد رسم الخارطة السياسية، أو محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حتى السعي الدؤوب لاختراق صفوف المعارضة وجذب بعض أطرافها إلى فلك تحالفاته.

هذا التكتيك، الذي يعتمد على استغلال نقاط ضعف الخصوم وتفكيك تكتلاتهم، يظل السمة البارزة في أسلوب نتنياهو لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن هذه الأوراق قد لا تكون كافية دائماً لضمان الاستقرار طويل الأمد، خاصة في ظل ضغوط الشارع الإسرائيلي والمطالب المتزايدة بالتغيير الجذري في أسلوب الحكم.

نظرة مستقبلية: هل يخرج النظام من نفق الأزمة؟

في ختام هذه القراءة، يبدو أن النظام السياسي الإسرائيلي أمام مفترق طرق حاسم. فالتصدعات التي أشارت إليها الدكتورة إفرون ليست مجرد خلافات عابرة، بل هي مؤشر على حاجة ملحة لإعادة تعريف الهوية السياسية للدولة. إن مستقبل الاستقرار في إسرائيل مرهون بمدى قدرة النخب السياسية على تجاوز الانقسامات الأيديولوجية الحادة، والبحث عن قواسم مشتركة تخرج البلاد من حالة الشلل السياسي المزمن.

ومع حلول يوم الأربعاء، 28 أكتوبر 2026، تظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كان النظام السياسي قادراً على تجديد نفسه، أم أن الأيام القادمة ستشهد فصولاً جديدة من الاضطراب التي قد تعيد تشكيل وجه إسرائيل السياسي لعقود قادمة. إن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة الأطراف الفاعلة على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة، وهو تحدٍ يبدو في الوقت الراهن أصعب من أي وقت مضى.