هل تكفي الرسالة الإنسانية النبيلة لصناعة فيلم سينمائي جيد؟ أم أن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى لغة بصرية تمتلك جمالياتها وقدرتها على التأثير؟ هذا السؤال يفرض نفسه أمام الفيلم الهندي القصير «أحلام صغيرة كبيرة» (Little Big Dreams) للمخرجين راكيش ناير وشويتا باراك والذي عرض ضمن فعاليات مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب. حيث يقدم تجربة تتقاطع فيها الطفولة مع الإبداع وتتحول فيها الكاميرا إلى وسيلة لاكتشاف الذات والتعبير عن العالم.
ينطلق الفيلم الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب من فكرة بسيطة لكنها تحمل أبعادا إنسانية وفنية متعددة. فالأطفال هنا لا يشكلون مجرد موضوع للكاميرا وإنما يصبحون جزءا من عملية صناعة الصورة نفسها. وهو اختيار يمنح العمل خصوصيته ويطرح تساؤلا مهما حول العلاقة بين السينما ومن تصورهم. وهل يظل الأطفال مجرد شخصيات داخل الحكاية أم يمكن أن يتحولوا إلى شركاء في صياغتها؟
يبدو المخرجان راكيش ناير وشويتا باراك واعيين بأهمية المسافة بين التوثيق والتعبير السينمائي. فهما لا يكتفيان بتقديم تجربة إنسانية تستحق الاهتمام وإنما يسعيان إلى بناء عالم بصري يمنح الحكاية أبعادا تتجاوز مضمونها المباشر.
وتحتل الصورة السينمائية موقعا مركزيا في بناء الفيلم. فالتكوينات البصرية تتحول إلى عنصر تعبيري مستقل. بعض الكادرات أقرب إلى لوحات تشكيلية تتوزع داخلها الألوان والكتل والضوء بعناية واضحة. بينما تأتي اللقطات القريبة في هيئة بورتريهات فنية تلتقط ملامح الشخصيات وتمنح الوجوه حضورا إنسانيا يتجاوز وظيفتها السردية.
وتكشف هذه المعالجة عن حس تشكيلي واضح في الرؤية الإخراجية. فالألوان لا تؤدي وظيفة زخرفية وإنما تسهم في تشكيل الحالة الشعورية للمشاهد. كما تمنح الإضاءة الصورة طابعا شاعريا ينسجم مع عالم الطفولة. ويصبح الكادر في بعض اللحظات أشبه بلوحة فنية قائمة بذاتها دون أن يفقد ارتباطه بالحكاية.
ومن الناحية النقدية يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره محاولة لتجاوز المعالجة التقليدية لقضايا الإعاقة في السينما. فالكثير من الأعمال التي تتناول هذا الموضوع تقع في فخ استدرار التعاطف أو تقديم الشخصيات من خلال معاناتها فقط. أما هنا فإن التركيز ينتقل إلى القدرات والأحلام وإمكانية المشاركة والإبداع. وهو تحول مهم يعيد تعريف الشخصية الإنسانية بعيدا عن اختزالها في إعاقتها.
والأهم أن الفيلم لا يتعامل مع الأطفال باعتبارهم مجرد شخصيات تحتاج إلى المساعدة وإنما يقدمهم بوصفهم أصحاب خيال وقدرة على الإبداع. وهنا تبرز فكرة الانتقال من صناعة أفلام عن الأطفال إلى صناعة أفلام معهم ومنحهم الأدوات التي تسمح لهم بصناعة أفلامهم بأنفسهم.
ومن الناحية الفنية تبدو اللغة البصرية أكثر عناصر العمل تميزا. بينما تظل البساطة السردية سلاحا ذا حدين. فهي تمنح الفيلم صدقه وعفويته لكنها تضعه أمام تحد يتمثل في الحفاظ على التوتر الدرامي وعدم الاكتفاء بجمال الصورة أو وضوح الرسالة. وربما كان من الممكن تعميق بعض اللحظات الدرامية ومنحها مساحة أكبر للتطور.
ويحسب للمخرجين اهتمامهما بالتكوين داخل الكادر وبالعلاقة بين الألوان والإضاءة وحركة الكاميرا. وهي عناصر تمنح الفيلم هوية بصرية واضحة وتؤكد أن جماليات الصورة ليست ترفا فنيا وإنما جزء من المعنى الذي يسعى العمل إلى تقديمه.
إن عرض «أحلام صغيرة كبيرة» في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب يفتح مساحة مهمة للنقاش حول دور السينما في إعادة تقديم صورة الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة بعيدا عن القوالب التقليدية. كما يؤكد قدرة الفن على تجاوز مجرد التوعية إلى خلق تجارب جمالية تمنح أصحابها صوتا وحضورا حقيقيا.
في النهاية لا يقدم الفيلم حكاية عن الإعاقة بقدر ما يقدم تأملا في معنى الحلم والقدرة على التعبير. ويذكرنا بأن السينما لا تصبح أكثر إنسانية عندما تكتفي بإظهار معاناة الشخصيات وإنما عندما تمنحها مساحة للحياة والاختيار والإبداع.
«أحلام صغيرة كبيرة» تجربة سينمائية يؤكد من خلالها راكيش ناير وشويتا باراك أن أجمل ما يمكن أن تقدمه السينما ليس فقط أن تروي حكايات الآخرين وإنما أن تمنحهم القدرة على صناعة حكاياتهم بأنفسهم.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر