قال المحاضر والمؤرخ جوني منصور من حيفا، إن ردود الفعل الإسرائيلية على نتائج الانتخابات الأمريكية تعكس حالة من القلق إزاء مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تراجع صورة إسرائيل ومكانتها داخل الولايات المتحدة، وتصاعد الأصوات الأمريكية المطالبة بمراجعة طبيعة الدعم المقدم لها، ولا سيما بعد الحرب على قطاع غزة.

وأوضح منصور في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن الصدمة الإسرائيلية لا ترتبط فقط بهوية الرئيس أو الإدارة الأمريكية المقبلة، وإنما بالرسائل السياسية التي حملتها نتائج الانتخابات، وما كشفته من تحولات في المزاج الشعبي والسياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، إلى جانب تراجع قدرة الحكومة الإسرائيلية على التأثير في توجهات واشنطن.

تراجع وهم الدعم الأمريكي غير المشروط

وأشار منصور إلى أن أحد أبرز أسباب القلق الإسرائيلي يتمثل في تراجع الاعتقاد بأن الدعم الأمريكي لإسرائيل مضمون وثابت، بصرف النظر عن السياسات التي تنتهجها حكومتها.

وقال إن حكومة بنيامين نتنياهو ساهمت في ترسيخ صورة لدى الإسرائيليين والعالم مفادها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل داعماً دائماً لإسرائيل، وأن هذا الدعم سيظل قائماً دون حدود، إلا أن التطورات السياسية والانتخابية الأخيرة أظهرت أن العلاقة بين الطرفين تتأثر أيضاً بالمصالح والأولويات الأمريكية الداخلية والخارجية.

وأضاف أن هناك قطاعات من الناخبين الأمريكيين باتت تنظر بانتقاد إلى التوجهات الإسرائيلية، خصوصاً ما يتعلق بدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مفتوحة مع إيران، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية، ولا سيما في قطاع الطاقة.

ولفت إلى أن أصواتاً أمريكية متزايدة باتت تطالب بمراجعة العلاقة مع إسرائيل، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما أثارته من انتقادات داخل المجتمع الأمريكي.

مراجعة الدعم لا تعني قطع المساعدات فوراً

وشدد منصور على أن التحولات في المزاج السياسي الأمريكي لا تعني أن واشنطن ستوقف مساعداتها المالية والعسكرية لإسرائيل بصورة فورية، أو أن قطيعة ستحدث بين الجانبين في المدى القريب.

وأوضح أن الولايات المتحدة استثمرت في إسرائيل باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط، ترتبط بأهدافها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ولذلك فإن العلاقة بين الطرفين تتجاوز طبيعة الإدارات المتعاقبة.

لكنه أشار إلى أن الضغوط الداخلية والتحولات السياسية في الولايات المتحدة قد تدفع باتجاه تغيير مستوى الدعم وشروطه، بما يشمل المساعدات المالية والعسكرية، وفرض مراجعة أكبر للسياسات الإسرائيلية.

وأكد أن الفارق الأساسي يكمن في أن الدعم الأمريكي لم يعد بالضرورة أمراً مضموناً بالصيغة نفسها التي اعتادت عليها الحكومات الإسرائيلية، حتى وإن لم يكن هناك توجه فوري لإنهائه.

نتنياهو ألحق أضراراً بصورة إسرائيل ومكانتها

واعتبر منصور أن تراجع صورة إسرائيل في الولايات المتحدة والعالم يمثل إحدى النتائج التي ترتبت على سياسات حكومة نتنياهو، مشيراً إلى أن أصواتاً سياسية إسرائيلية باتت تدرك حجم الضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل، وتسعى إلى ترميم صورتها وعلاقاتها الدولية.

وقال إن نتائج الانتخابات الأمريكية تشكل مؤشراً سلبياً بالنسبة لإسرائيل، وينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن مستقبل المشهد السياسي الداخلي، وإمكانية تشكيل حكومة بديلة تنهي حكم نتنياهو وما وصفه بنهج "البيبيزم".

وأضاف أن هناك أصواتاً إسرائيلية ترى أن استمرار نتنياهو في الحكم، وتبنيه خطاباً يقوم على أن لا أحد غيره قادر على إنقاذ إسرائيل وتحقيق ما يسميه "النصر المطلق"، ساهم في تعميق الأزمة السياسية والدبلوماسية التي تواجهها البلاد.

تحولات واشنطن قد تفتح الطريق أمام تفاهمات مع إيران

وفي ما يتعلق بتداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية على الحرب في قطاع غزة والملف الإيراني، رأى منصور أن التحولات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل قد تهيئ الظروف للتوصل إلى تفاهمات مع إيران، بما يساهم في إنهاء المواجهة العسكرية أو خفض التصعيد في المنطقة.

وأوضح أن الولايات المتحدة، حتى في ظل إدارة ترامب، تسعى إلى التوصل إلى تفاهمات وتسويات، إلا أن هذه المساعي، بحسب تقديره، تواجه عراقيل متكررة عندما تلوح حكومة نتنياهو بخطاب التهديد والترهيب، وتطرح المواجهات باعتبارها معارك وجودية مرتبطة بمصير إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة.

وأضاف أن هذا النهج يعيد التوتر إلى الواجهة كلما اقتربت الأطراف من تفاهمات، ويحول دون الوصول إلى تسويات سياسية تنهي الحروب المفتوحة.

وأعرب عن اعتقاده بأن التحولات الجارية قد تدفع نحو اتفاق أو تفاهم مع إيران، بالتوازي مع فتح مسارات لإنهاء الحروب، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة.

جيل الشباب والجامعات يعيد تشكيل المزاج الأمريكي

وأكد منصور أن القلق الإسرائيلي لا يقتصر على تغير أولويات الإدارة الأمريكية المقبلة، بل يرتبط أيضاً بتحولات أعمق داخل المجتمع الأمريكي، خصوصاً في أوساط الشباب وطلاب الجامعات والمهاجرين والأمريكيين من أصول مهاجرة.

وقال إنه يتابع الحراك الشعبي والطلابي في الولايات المتحدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، مشيراً إلى أن هذه الفئات باتت أكثر حضوراً في النقاش العام بشأن القضية الفلسطينية والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.

واعتبر أن هذه التحولات قد يكون لها تأثير متزايد في الانتخابات الرئاسية المقبلة والانتخابات التي تليها، متوقعاً أن تشهد الولايات المتحدة تغيرات كبيرة في طبيعة القيادة السياسية وتوجهاتها، بما قد ينعكس على شكل العلاقة مع إسرائيل.

وأضاف أن ما يثير القلق لدى الإسرائيليين هو أن هذه الفئات تمثل شريحة مؤثرة من جيل المستقبل، وأن مواقفها قد تتحول تدريجياً إلى سياسات ومواقف رسمية داخل المؤسسات الأمريكية.

تراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي في الانتخابات

وتطرق منصور إلى دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن نتائج عدد من السباقات الانتخابية كشفت، بحسب تقديره، عن تراجع قدرة هذه الجماعات على التأثير في خيارات الناخبين.

وأوضح أن هذه الجهات أنفقت ملايين الدولارات، وتحدثت تقارير عن عشرات الملايين، لدعم مرشحين بعينهم، إلا أن هذه الاستثمارات لم تحقق النتائج التي كانت تسعى إليها في عدد من المنافسات الانتخابية.

وأشار إلى فوز مرشحين يتبنون مواقف مؤيدة لقضايا العدالة، ويناصرون قضايا عربية وفلسطينية، معتبراً أن ذلك يعكس تغيراً في اتجاهات قطاعات من الناخبين الأمريكيين، ويبعث برسائل سياسية إلى إسرائيل بشأن حدود نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها.

وختم منصور بالقول إن التحولات داخل المجتمع الأمريكي، إلى جانب تراجع صورة إسرائيل بسبب الحرب على غزة وسياسات حكومة نتنياهو، تضع العلاقة بين الطرفين أمام مرحلة مختلفة، قد تشهد مراجعة تدريجية لطبيعة الدعم الأمريكي وحدوده، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث قطيعة أو توقف فوري للمساعدات.