كيفن تي. فرايزر،
مدير برنامج الابتكار والقانون في الذكاء الاصطناعي بجامعة تكساس الأميركية.
لا تكفي كلمة "اندفاع" لوصف حجم ما شهدته الانتخابات الأميركية. وربما لا يكون "تسونامي" تشبيهاً دقيقاً أيضاً، بالنظر إلى قصر مدته. ولعل "موجة كلفن" هي أقرب الظواهر المحيطية إلى ما حدث. فقد خسر الجمهوريون مقاعد احتفظوا بها طويلاً، كما ينقلب قارب صغير وسط موجة عاتية. واكتسح الديموقراطيون ولايات كانت، قبل عامين فقط، من أشد المؤيدين للرئيس دونالد ترامب. وأوضح الناخبون أنهم لم يعودوا يدعمون أجندة لا تنطلق من هموم الأميركيين اليومية، ولا تستند، في كثير من الحالات، إلى الواقع المثبت بالأدلة.
ومع ذلك، قد لا تُترجم هذه الموجة الديموقراطية إلى تغييرات جوهرية في سياسات الذكاء الاصطناعي، على الأقل على المستوى الاتحادي. فإقرار التشريعات يتطلب الحصول على الأصوات اللازمة في مجلسي الكونغرس. ويبدو أن مجلس النواب، الذي بات يميل بقوة إلى الديموقراطيين، مستعد لإقرار عدد من مشروعات القوانين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وقضايا أخرى. وقد تعهد ديموقراطيون بارزون قائلين: "الفرج قادم".
تسويات بين الحزبين
لكن مشروعات القوانين تحتاج عادةً إلى 60 صوتاً في مجلس الشيوخ، وهو عدد يقارب ما سيسيطر عليه الديموقراطيون بعد اكتمال فرز الأصوات. وهذا يعني أن ديموقراطيي مجلس الشيوخ والجمهوريين سيضطرون إلى التوصل إلى تسويات بشأن القضايا الخلافية، حتى يتمكنوا من إحالة مشروعات القوانين إلى البيت الأبيض. وحتى إذا نجحوا في ذلك، فقد لا تتحول تلك المشروعات إلى قوانين بسبب استخدام الرئيس حق النقض.
ومهما كان انتصار الديموقراطيين لافتاً، فإنهم لا يزالون بعيدين عن امتلاك الأغلبية الكافية لتجاوز الفيتو الرئاسي. وتبقى هناك إمكانية لأن يؤيد الرئيس ترامب بعض المقترحات التشريعية للكونغرس، وهو احتمال أقر به بنفسه خلال ليلة انتخابية حملت مفاجآت كبيرة. لكن فرص تكرار ذلك بانتظام تبدو ضئيلة.
وهذا يضع الكونغرس في موقع مناسب لإحياء إحدى أهم صلاحياته، التي تعرضت للإهمال في الآونة الأخيرة، وهي سلطة التحقيق والرقابة.
فقد حذّر الفائزون في انتخابات الثلاثاء بالفعل من يُحتمل تورطهم في الاحتيال أو الفساد أو غير ذلك من الأنشطة التي قد تكون غير قانونية، داعين إياهم إلى "توكيل محامين". ويعكس هذا التحذير قدرة الكونغرس على تسليط الضوء على جهات وممارسات محددة تستحق مزيداً من اهتمام الرأي العام.

شركات الذكاء الاصطناعي تحت الضغط
وقبل أيام قليلة من الانتخابات، أبدى قادة اللجان الديموقراطيون في مجلس النواب اهتماماً باستخدام الوسائل القانونية لإلزام الشركات المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بتقديم مزيد من المعلومات. وهم الآن في موقع أقوى بكثير للمضي في هذا الاتجاه واتخاذ خطوات إضافية.
ويكمن التحدي الأساسي في ضمان ألا تتحول هذه التقارير وجلسات الاستماع والدراسات إلى مجرد مادة للصراع الانتخابي المقبل، بل أن تُفضي إلى تحليل شامل ودقيق وصارم لصناعة الذكاء الاصطناعي.
وفي المجالات التي يعجز الكونغرس عن إقرار تشريعات بشأنها، يُتوقع أن تتدخل الولايات لسد كثير من الثغرات التنظيمية، ضمن الحدود الدستورية التي تقيد سلطاتها في تنظيم التجارة بين الولايات والمسائل المتعلقة بالأمن القومي.
ويستعد حكام الولايات الذين خاضوا حملاتهم الانتخابية على أساس معارضة مشروعات مراكز البيانات التي تجاوزت الإجراءات المطلوبة، وممارسات الذكاء الاصطناعي التي تجاهلت ضمانات السلامة التقنية، لتنفيذ هذه الأجندة. وسيجدون كثيراً من المشرعين المحليين المستعدين لمساندتهم.
ولا شك أن معارضة تطوير الذكاء الاصطناعي، ومعارضة شركات التكنولوجيا الكبرى عموماً، كانتا من العوامل المؤثرة في الانتخابات. وسيسعى المسؤولون المنتخبون إلى الاستجابة لهذا التفويض الشعبي عاجلاً لا آجلاً، لإظهار أنهم أصغوا إلى ناخبيهم.
لكن الواقعية مطلوبة هنا أيضاً. فمهما بلغت مخاوف الناس من الذكاء الاصطناعي وإحباطهم إزاءه، تظل الحقيقة أنه ينطوي على فرص ومخاطر معاً.
ومن الحكمة أن يتبنى المشرعون قوانين قائمة على معايير الأداء، تتضمن بنوداً تحدد تاريخ انتهاء سريانها، بما يتيح مراجعة آثارها ويحد من احتمال تكرار المآزق الإجرائية التي وقع فيها الديموقراطيون في المجال البيئي.
لقد تشكل مشهد سياسي جديد، وأصبحت تسويات جديدة وأفكار وأطر تنظيمية مختلفة كلها ممكنة.
لكن المفتاح لا يكمن في الحكم بطريقة مختلفة فحسب، بل في الحكم بصورة أفضل. أما كيف ستنعكس هذه التوصية على سياسات الذكاء الاصطناعي، فهو أمر لم يتضح بعد.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر