كشفت ورقة سياسات جديدة أن نحو 60 في المائة من التعهدات التي قدمتها الحكومة خلال جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، في الولاية التشريعية 2021–2026، لم تتوفر بشأنها أجوبة منشورة توضح مآلها، رغم تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الأسئلة والتدخلات البرلمانية مقارنة بالولاية السابقة، ما يطرح تساؤلات بشأن فعالية الرقابة البرلمانية وقدرتها على تجاوز مرحلة مساءلة الوزراء إلى تتبع الالتزامات التي يعلنون عنها أمام ممثلي الأمة.
وأظهرت الورقة، التي نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، تحت عنوان « المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب »، أن المنظومة الحالية للرقابة البرلمانية، رغم التطور الكمي الذي شهدته، لا تزال تعاني اختلالات تتعلق بشفافية توزيع فرص المشاركة بين النواب، وتركيز الاهتمام الرقابي في قطاعات حكومية محددة، ومحدودية الآليات المتاحة لتتبع مآل التعهدات الحكومية والتحقق من تنفيذها.
واستندت الورقة، التي أعدها الباحث والصحافي المتخصص في صحافة البيانات والشأن البرلماني، ياسر المختوم، إلى تحليل قاعدة بيانات أصلية شملت محاضر 125 جلسة أسبوعية للأسئلة الشفهية خلال الولاية التشريعية المنتهية، جرى خلالها رصد وتصنيف 10 آلاف و354 تدخلا برلمانيا، وربطها بأسماء النواب وانتماءاتهم السياسية والقطاعات الحكومية المعنية.
وخلصت الدراسة إلى أن ارتفاع حجم النشاط الرقابي لا يعكس بالضرورة تحسنا مماثلا في فعاليته، إذ انتقل عدد الأسئلة الشفهية من 2473 سؤالا في الولاية السابقة إلى 3997 سؤالا خلال الفترة 2021–2026، بزيادة تقارب 62 في المائة، دون أن يواكب هذا التوسع تطور كاف في آليات تدبير الجلسات ونشر بيانات المشاركة وتتبع نتائج المساءلة الحكومية.
واعتبرت الورقة أن التحدي الرئيسي لا يكمن في محدودية الأسئلة المطروحة على الحكومة، وإنما في قدرة المؤسسة التشريعية على تحويل هذا النشاط إلى عملية رقابية متكاملة، تبدأ بتوجيه السؤال وتلقي الجواب، ولا تنتهي إلا بتتبع الالتزامات المعلنة والتحقق من مستوى إنجازها.
805 تعهدات حكومية دون جواب منشور عن مآلها
خصصت الورقة جانبا أساسيا من تحليلها لاختلالات تتبع التعهدات الحكومية التي يقدمها الوزراء خلال أجوبتهم عن أسئلة البرلمانيين، معتبرة أن هذه الحلقة تشكل أحد أبرز مواطن الضعف في دورة المساءلة البرلمانية.
وأظهرت المعطيات المستخرجة من قاعدة تتبع التعهدات الحكومية المنشورة على الموقع الرسمي للوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، تسجيل 1339 تعهدا حكوميا خلال الولاية التشريعية 2021–2026، لم يظهر جواب عن مآل سوى 534 تعهدا منها، أي ما يقارب 40 في المائة.
في المقابل، لم يظهر جواب منشور يوضح مصير 805 تعهدات، تمثل نحو 60 في المائة من المجموع، وهو ما يحد، وفق الدراسة، من إمكانية معرفة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بشأن الالتزامات المعلنة خلال جلسات المساءلة، ومدى تقدم تنفيذها.
وشددت الورقة على ضرورة التمييز بين غياب الجواب عن مآل التعهد وعدم تنفيذه، موضحة أن عدم توفر جواب منشور لا يعني بالضرورة أن الحكومة لم تف بالتزامها، كما أن تقديم جواب بشأن تعهد معين لا يشكل في حد ذاته دليلا على تنفيذه فعليا.
وبحسب الدراسة، فإن دورة المساءلة تقتضي التمييز بين مرحلتين أساسيتين؛ تتعلق الأولى بتحديد مآل التعهد الحكومي من خلال معلومات رسمية منشورة، بينما تتصل الثانية بالتحقق من مستوى تنفيذه والنتائج المترتبة عنه.
وربطت الدراسة هذا الوضع بطبيعة الإطار التنظيمي المؤطر للتعهدات، إذ تنص المواد من 299 إلى 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب على جرد الالتزامات الحكومية وتصنيفها بحسب القطاعات ونشرها وإحالتها إلى رئيس الحكومة، مع تداول مكتب المجلس في وضعيتها عند نهاية كل دورة.
غير أن المادة 301 تنص على أنه « يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات »، وهي صياغة تجعل الإجابة ممكنة دون أن تقرر إلزاما صريحا بتقديمها، كما أن المقتضيات التنظيمية لا تحدد أجلا ملزما للكشف عن مآل كل تعهد.
وأكدت الورقة أن الإشكال لا يتمثل في غياب آلية رسمية للتتبع، بالنظر إلى وجود قاعدة حكومية منشورة لجرد التعهدات، وإنما في عدم اكتمال هذه الآلية، بما يسمح بالانتقال من مجرد تسجيل الالتزامات إلى تتبع مراحل تنفيذها وتحديد نتائجها.
من تدبير زمن الجلسة إلى إدارة الرقابة
خلصت الورقة إلى أن تطور النشاط الرقابي بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية السابقة ظل تطورا كميا بالأساس، في ظل استمرار فجوات تتعلق بتوزيع المشاركة البرلمانية، ورصد الأجندة الرقابية، وتتبع الالتزامات الحكومية المعلنة.
واعتبرت أن الإشكال الأساسي لم يعد مرتبطا فقط بعدد الأسئلة التي يوجهها النواب إلى الوزراء، وإنما بمدى توفر معطيات منظمة تتيح تقييم كيفية إدارة الرقابة ومتابعة مخرجاتها.
وفي هذا السياق، قدمت الدراسة ثلاث توصيات رئيسية لتطوير آليات المساءلة البرلمانية، تتصدرها مراجعة نظام تتبع التعهدات الحكومية، من خلال تحديث وضعية كل تعهد بصورة دورية، وتحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآله.
واقترحت اعتماد تصنيف موحد للتعهدات الحكومية يميز بين الالتزامات المنفذة، والمنفذة جزئيا، وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ، وغير المنفذة، إضافة إلى التعهدات التي يتعذر التحقق من مآلها، بما يسمح بتجاوز الاقتصار على بيان وجود جواب من عدمه.
ودعت الورقة إلى مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب، إذا أريد جعل الإجابة عن مآل التعهدات الحكومية إلزامية، بدلا من الإبقاء على الصياغة الحالية التي تترك للحكومة إمكانية تقديم الجواب دون إلزام صريح.
أما التوصية الثانية، فتتعلق بتعزيز شفافية بيانات المشاركة البرلمانية، من خلال نشر معطيات مفتوحة وقابلة للمعالجة الآلية، تتضمن عدد الأسئلة والتعقيبات ونقط النظام والإحاطات بموضوع طارئ التي يسجلها كل نائب، وتطور مشاركته على امتداد الولاية التشريعية.
ونبهت الدراسة إلى أن الغاية من إتاحة هذه البيانات لا تتمثل في إعداد ترتيب عام للنواب بحسب عدد تدخلاتهم، لأن الأداء البرلماني يشمل مجالات أخرى، من بينها التشريع والعمل داخل اللجان والأسئلة الكتابية، وإنما تمكين المواطنين والباحثين من تتبع توزيع المشاركة داخل الجلسات بصورة أكثر شفافية.
وفي توصيتها الثالثة، دعت الورقة إلى إحداث لوحة بيانات دورية تسمح برصد توزيع الأسئلة والتعقيبات بحسب القطاعات الحكومية والموضوعات المطروحة، وتطور الاهتمام الرقابي بها عبر الزمن.
41 نائبا دون أي تدخل خلال 125 جلسة
وفي محور آخر، رصدت الورقة تفاوتا ملحوظا في توزيع المشاركة داخل جلسات الأسئلة الشفهية، بعدما أظهرت قاعدة البيانات أن 41 نائبا ونائبة لم يسجلوا أي تدخل خلال 125 جلسة أسبوعية شملتها الدراسة.
وبحسب النتائج، فإن هؤلاء النواب، الذين يمثلون 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ عدد مقاعده 395، لم يطرحوا أي سؤال شفهي، ولم يقدموا تعقيبات، كما لم يستعملوا نقط النظام أو الإحاطات بموضوع طارئ خلال الجلسات المدروسة.
وكشفت الدراسة أن 23 نائبا ونائبة من أصل هؤلاء الـ41 ترشحوا مجددا للانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، أي ما يمثل 56 في المائة من هذه الفئة، وهو ما يطرح مسألة إتاحة معطيات دقيقة للناخبين بشأن مشاركة ممثليهم داخل المؤسسة التشريعية.
وفي المقابل، أظهرت المعطيات تركز جزء مهم من التدخلات لدى عدد محدود من أعضاء المجلس، إذ استحوذ عشرة نواب على نحو 10 في المائة من مجموع التدخلات المسجلة، بينما بلغت حصة النواب العشرين الأكثر تدخلا 17.5 في المائة.
كما لم تتجاوز مساهمة نصف أعضاء المجلس الأقل نشاطا 22 في المائة من مجموع التدخلات، فيما سجل 87 نائبا ونائبة عشرة تدخلات أو أقل لكل واحد منهم طوال الفترة المدروسة.
أربعة قطاعات تستحوذ على 29 في المائة من التدخلات
وفي ما يتعلق بتوزيع الاهتمام الرقابي بين القطاعات الحكومية، كشفت الورقة أن نحو ثلاثة من كل عشرة تدخلات مرتبطة بالأسئلة والتعقيبات تركزت في أربعة قطاعات حكومية فقط.
وأظهر تحليل 9609 تدخلات قطاعية أن قطاعات التجهيز والماء، والفلاحة والتنمية القروية، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والصحة والحماية الاجتماعية، استقطبت مجتمعة 2812 تدخلا، أي ما يعادل 29 في المائة من مجموع التدخلات المصنفة بحسب القطاع الحكومي.
وتصدر قطاع التجهيز والماء قائمة القطاعات الأكثر استقطابا للتدخلات بـ798 تدخلا، متبوعا بالفلاحة والتنمية القروية بـ704 تدخلات، ثم التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ677 تدخلا، والصحة والحماية الاجتماعية بـ633 تدخلا.
وفي المقابل، سجلت قطاعات أخرى حضورا محدودا نسبيا في جلسات المساءلة، من بينها الشؤون الخارجية، والصيد البحري، والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والعلاقات مع البرلمان، والأوقاف والشؤون الإسلامية، إذ تراوح عدد التدخلات في كل منها بين 51 و192 تدخلا.
وأوضحت الدراسة أن هذا التفاوت لا يعني بالضرورة خضوع القطاعات الأقل استقطابا للأسئلة لرقابة برلمانية أضعف، لأن طبيعة اختصاصات الوزارات ومدى ارتباطها المباشر بالخدمات المقدمة للمواطنين يؤثران في حجم الأسئلة الموجهة إليها.
ارتفاع النشاط الرقابي لا يعني بالضرورة تحسن فعاليته
وعلى مستوى المقارنة بين الولايتين التشريعيتين، أظهرت الدراسة ارتفاع عدد الجلسات الأسبوعية للأسئلة الشفهية من 110 جلسات إلى 125 جلسة، فيما انتقل مجموع التدخلات من 7124 إلى 10354 تدخلا.
وارتفع عدد الأسئلة الشفهية من 2473 إلى 3997 سؤالا، بزيادة تقارب 62 في المائة، بينما انتقل عدد التعقيبات من 4159 إلى 5612 تعقيبا، بارتفاع بلغ نحو 35 في المائة.
واعتبرت الورقة أن هذه المعطيات تعكس توسعا واضحا في حجم النشاط البرلماني، لكنها لا تقدم، بمفردها، مؤشرا كافيا على تطور فعالية المساءلة الحكومية.
وأوضحت أن قياس جودة الرقابة يقتضي الانتقال من الاكتفاء بإحصاء الأسئلة والتعقيبات إلى تحليل كيفية توزيع فرص المشاركة، ومدى اتساق استعمال أدوات الجلسة مع القواعد المنظمة لها، وتوزيع الاهتمام بين القطاعات الحكومية، والقدرة على تتبع مخرجات المساءلة.
وانتهت الورقة إلى أن تطوير الرقابة البرلمانية لا يرتبط فقط بتكثيف مساءلة أعضاء الحكومة، بل يتطلب بناء منظومة مؤسساتية تسمح بتتبع مسار المساءلة من السؤال إلى الجواب، ثم إلى التعهد الحكومي ومآله ومدى تنفيذه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر