أثار إعلان صفقة سلاح روسية متطورة لـإثيوبيا، بالتزامن مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لموسكو، تساؤلات في مصر بشأن دلالات الصفقة وتأثيراتها العسكرية، وما إذا كانت مؤشراً إلى تحوّل غير معلن في حسابات روسيا تجاه القاهرة، رغم العلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين.
وجاء الإعلان، الأربعاء، بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية - الأفريقية الثالثة في موسكو، بمشاركة السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فيما حظي الرئيس المصري باستقبال حافل من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في أجواء عكست استمرار "الصداقة" المعهودة بينهما.
وأعلن آبي أحمد تسلّم مقاتلات من طراز "سوخوي سو-35" من الجيل "4++"، ضمن صفقة تشمل 12 طائرة، إلى جانب أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي "إس-400" يُفترض تسليمها لاحقاً.
وتكتسب الصفقة حساسية خاصة في ظل تصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة، ومخاوف مصر من تأثيره على حصتها من مياه نهر النيل، فضلاً عن اعتراضها على مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري وإقامة قاعدة عسكرية في البحر الأحمر.
وقد برز ملفا الأمن المائي والقرن الأفريقي في محادثات السيسي مع بوتين، وفي كلمة الرئيس المصري أمام القمة.
فرصة للقاهرة؟
فتح تزامن زيارة السيسي وإعلان الصفقة الباب أمام قراءات متباينة، خصوصاً أن اكتمالها قد يمنح إثيوبيا قدرات جوية ودفاعية متقدمة.
ويرى رئيس جهاز الاستطلاع العسكري الأسبق بالقوات المسلحة المصرية، اللواء الدكتور نصر سالم، أن الصفقة ستعزز القوة العسكرية الإثيوبية، لكنه يعتبر أن التأثير الأكبر سيأتي من منظومات "إس-400"، وليس من المقاتلات وحدها.
وتُعدّ "سو-35" مقاتلة متعددة المهام، ثنائية المحرك، مخصصة للتفوق الجوي وضرب الأهداف الأرضية والبحرية. وتبلغ سرعتها القصوى 2.25 ضعف سرعة الصوت، وتصل حمولتها التسليحية إلى ثمانية أطنان، وتتميز بمحركات مزودة بتقنية توجيه الدفع لتعزيز المناورة.
أما منظومة "إس-400"، فهي مصممة لاعتراض الطائرات والصواريخ الجوالة وبعض الصواريخ الباليستية، ويصل مداها الأقصى ضد الطائرات، وفق البيانات الروسية، إلى نحو 380 كيلومتراً، بحسب نوع الصاروخ وظروف الاشتباك.
ويؤكد سالم، وهو أستاذ العلوم الاستراتيجية ومستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا، لـ"النهار" أن "هذه الصفقة يجب فهمها في إطارها الصحيح، فإن روسيا ترغب في الوجود بأفريقيا، لا سيما مع الحضور الأميركي الكبير هناك".
ويعتبر أن "للصفقة تأثيراتها الدفاعية ودلالاتها السياسية، من دون شك، ولكن بها جانب إيجابي يمكن للقاهرة أن تستفيد منه، وهو أن تطلب من موسكو منظومة "إس-400"، خصوصاً أن روسيا حريصة على قوة علاقاتها مع القاهرة، وقد تستجيب لطلبها الآن، ترضية لها".
سياسة واقعية باردة
أما سياسياً، فتثير الصفقة تساؤلات بشأن كيفية التوفيق بين العلاقات الوثيقة التي تربط بوتين بالسيسي، وقرار موسكو تعزيز القدرات العسكرية الإثيوبية بأسلحة متطورة.
وتصف أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، الدكتورة نهى بكر، هذه المفارقة لـ"النهار" بقولها إن "ما يبدو تناقضاً هو في الحقيقة سياسة واقعية باردة".
وتشرح أن "روسيا تلعب على الضفتين، فهي تحافظ على مكاسبها الاقتصادية بمصر، في الطاقة النووية والمنطقة الصناعية، والمكاسب السياسية المكتسبة من آلية الاتزان الاستراتيجي التي تتبعها السياسة الخارجية المصرية".
وتضيف أن موسكو "تعزز في الوقت ذاته وجودها العسكري في إثيوبيا لضمان مصالحها في القرن الأفريقي. وتالياً، فإن الهدية العسكرية لإثيوبيا ليست موجهة ضد مصر بشكل مباشر، بل هي أداة لضمان أن تظل موسكو لاعباً رئيسياً وطرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيب إقليمي مستقبلي".
تضارب حول الصفقة
ورغم الإعلان الإثيوبي، لا تزال المعلومات المتعلقة بحجم الصفقة وما سُلّم منها فعلياً متضاربة.
فبينما أعلن آبي أحمد تسلّم 12 مقاتلة "سو-35"، نقلت وكالة "إنترفاكس" الروسية الأربعاء تصريحات لرئيس شركة "روس أوبورون إكسبورت"، ألكسندر ميخييف، تفيد بأن الدفعة المسلّمة تضم طائرتين فقط.
كذلك، لم يُعلن موعد تسليم بطاريات "إس-400" الأربع، ولا تفاصيل التعاقد عليها، ما يترك تساؤلات بشأن الجدول الزمني لاستكمال الصفقة.
وتداولت تقارير احتمال أن تكون الطائرات المتجهة إلى إثيوبيا من مقاتلات سبق تصنيعها لمصر، قبل تعثر صفقتها مع موسكو. وذهبت روايات إلى أن القاهرة رفضتها بسبب عيوب فنية، لكن سالم يستبعد صحة هذه المعلومات.
ويرجّح أن تكون الضغوط الأميركية وراء تراجع القاهرة عن شراء المقاتلات الروسية، معتبراً أن "موسكو تفهمت أسباب تراجع القاهرة عن الصفقة، وحرصها على علاقات متوازنة مع القوى الدولية".
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر