في باحة قلعة سفورزيسكو التاريخية بمدينة ميلانو الإيطالية، حيث اجتمع مسؤولو ميلان وإنتر مساء الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 للكشف عن التصميم الجديد لملعبهما، اخترقت الهتافات أجواء الاحتفال، بعدما دخلت مجموعة من مشجعي إنتر، رافعة لافتة كتب عليها "لن تطفئوا أنوار سان سيرو أبدا".
كان المشهد يحمل مفارقة يصعب تجاهلها، ففي الداخل وقف المهندس المعماري البريطاني نورمان فوستر، البالغ من العمر 91 عاما، يتحدث عن الروح الاستثنائية التي تسكن مدرجات سان سيرو، فيما كان المحتجون في الخارج يرفضون المصير الذي ينتظر الملعب التاريخي على أيدي الرجل نفسه وشريكه الأمريكي ديفيد مانيكا.
قصص مقترحة
لكن الاحتجاجات لم تمنع الناديين من تقديم تصورهما لمستقبل المنطقة، عبر إنشاء ملعب جديد يتسع لـ71 ألفا و500 متفرج، يحمل اسم شركة التأمين الإيطالية "جنرالي"، ويُنتظر افتتاحه خلال موسم 2031-2032، قبل هدم معظم أجزاء سان سيرو الذي احتضن مباريات الفريقين على مدى عقود.
وبينما يرى المشجعون المعترضون في القرار تفريطا بإرث رياضي ومعماري يمتد إلى قرن كامل، يقدم مالكو الناديين المشروع بوصفه ضرورة اقتصادية لمجاراة التحولات في صناعة كرة القدم الأوروبية، التي أصبحت فيها الملاعب أحد أهم مصادر الإيرادات التجارية.
غير أن قصة سان سيرو تتجاوز الصراع المألوف بين الماضي والمستقبل، إذ تكشف عن مصالح اقتصادية متشابكة تجمع صندوقين استثماريين أمريكيين، وشركة تأمين إيطالية، ومؤسسات مالية ومصرفية، وبلدية تسعى إلى إعادة تطوير إحدى مناطق المدينة، وسط تساؤلات عن الثمن الذي سيدفعه التراث الرياضي والجمهور والمصلحة العامة في مقابل العوائد المنتظرة.
لماذا أصبح سان سيرو عبئا على عملاقي ميلانو؟
عندما افتُتح سان سيرو عام 1926، لم تكن كرة القدم تعرف نموذج الأعمال الذي يحكم اقتصادها اليوم. فقد شُيد الملعب ليكون موطنا لميلان، قبل أن ينتقل إلى ملكية البلدية عام 1935، ويصبح لاحقا مقرا مشتركا مع إنتر منذ عام 1947، ثم شهد توسعات وتحديثات متعاقبة، كان أبرزها التحول المعماري الكبير استعدادا لكأس العالم 1990.
وعلى الرغم من مكانته الاستثنائية، فإن مرافقه لم تواكب التطور المتسارع في الملاعب الأوروبية الحديثة، خصوصا في خدمات الضيافة التجارية والمقاعد الفاخرة والمطاعم والمساحات المخصصة للشركات والأنشطة الترفيهية.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة التي تواجه الناديين. فبحسب تقرير نشرته صحيفة "لا غازيتا ديلو سبورت" في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بلغت إيرادات الملعب لدى إنتر نحو 90 مليون يورو في السنة المالية المنتهية في يونيو/حزيران الماضي، مقابل 50 مليونا لميلان، بينما وصلت إيرادات ريال مدريد من ملعبه سانتياغو برنابيو إلى نحو 363 مليون يورو، وفقا للأرقام التي أوردتها الصحيفة.
وتعكس هذه الفجوة اختلاف القدرة على استغلال المنشآت الرياضية تجاريا، إذ لم يعد التفوق المالي مرتبطا بعدد المتفرجين وحده، بل بما يمكن إنفاقه داخل الملعب وخارجه، وما يدره من حقوق تسمية ورعاية وضيافة وفعاليات طوال العام.
ولذلك يرى رئيس إنتر جوزيبي ماروتا، في تصريحات نقلتها صحيفة "ذا أثلتيك"، أن سان سيرو أصبح غير قادر على تلبية متطلبات الناديين، مؤكدا أن اتساع الفجوة في إيرادات الملاعب مع المنافسين الأوروبيين يضع الأندية الإيطالية أمام تحديات تنافسية متزايدة.
وتجد هذه الحجة ما يدعمها في واقع الكرة الإيطالية عموما. فقد كشفت "رويترز" في يوليو/تموز 2025 أن إيطاليا شهدت بناء أو إعادة تطوير 6 ملاعب فقط بين عامي 2007 و2024، في حين بلغت إيرادات أيام المباريات في الدوري الإيطالي 440 مليون يورو خلال موسم 2023-2024، أي أقل من نصف الإيرادات المقابلة للدوري الإنجليزي الممتاز.
وهكذا، فإن الحاجة إلى تحديث البنية التحتية الرياضية تبدو قائمة على أسس اقتصادية فعلية، لكن الاعتراف بهذه الحاجة يفتح سؤالا آخر بشأن ما إذا كان هدم سان سيرو شرطا ضروريا لتلبيتها.
لماذا اختار الناديان الهدم بدلا من التجديد؟
لم يولد المشروع الحالي فجأة، بل جاء بعد سلسلة طويلة من المحاولات التي بدأت تتبلور عام 2019، عندما طرح الناديان فكرة بناء ملعب جديد، قبل اختيار تصميم حمل اسم "الكاتدرائية" عام 2021، وتعثر لاحقا بفعل العقبات الإدارية والخلافات المرتبطة بحماية التراث والتغيرات التي طرأت على الظروف المالية للناديين.
وخلال تلك السنوات، درس ميلان وإنتر خيارات أخرى، شملت بناء ملعبين منفصلين خارج المدينة، قبل العودة إلى فكرة البقاء في منطقة سان سيرو واستبدال الملعب التاريخي بمنشأة حديثة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، نقلت "رويترز" عن رئيس بلدية ميلانو جوزيبي سالا أن الناديين استبعدا خيار تجديد الملعب القائم بعدما توصلا إلى أنه غير مجد من الناحية المالية.
وتستند هذه الرؤية إلى صعوبة تنفيذ أعمال إنشائية واسعة في ملعب يستضيف مباريات ناديين كبيرين، فضلا عن القيود التي يفرضها المبنى الحالي على تصميم المرافق التجارية الجديدة، واحتمال فقدان جزء من إيرادات المباريات أثناء التجديد.
لكن صحيفة "فايننشال تايمز" عرضت في تحقيق نشرته خلال مايو/أيار 2026 وجهة نظر معمارية معارضة، يرى أصحابها أن بالإمكان تحديث المنشأة وإضافة مرافق تجارية دون التضحية بمعظم هيكلها الأصلي، مع تجنب الأضرار البيئية الناجمة عن الهدم والبناء من جديد.
ويعني ذلك أن الخلاف لا يتعلق بضرورة التطوير نفسها، بل بالجدوى الاقتصادية والبيئية لكل بديل، وبالجهة التي تحدد معيار الجدوى. فما قد يبدو أقل ربحية بالنسبة إلى الناديين ليس بالضرورة أقل فائدة للمدينة، كما أن الحفاظ على المبنى التاريخي لا يضمن وحده تلبية احتياجات النشاط الرياضي الحديث.
وتظل المقارنة الحاسمة هي تلك التي تجمع التكلفة الكاملة للتجديد، بما فيها خسائر التشغيل والصيانة، بتكلفة المشروع الجديد وعوائده وأثره البيئي والعمراني على مدى عقود، بدلا من الاكتفاء بالمقارنة بين تكلفة الإنشاء والإيرادات التجارية المتوقعة.
الفكر الأمريكي في ميلانو
لفهم الدوافع التي تحرك المشروع، ينبغي النظر إلى طبيعة المالكين، وليس إلى قرارات إدارات الناديين الرياضية وحدها.
فميلان يخضع لسيطرة شركة "ريد بيرد كابيتال بارتنرز" الأمريكية، التي استحوذت عليه عام 2022 مقابل نحو 1.2 مليار يورو، بقيادة المستثمر جيري كاردينالي، بينما انتقلت السيطرة على إنتر إلى صندوق "أوكتري كابيتال" الأمريكي عام 2024، بعد عجز مجموعة "سونينغ" الصينية عن سداد التزامات قرض بلغت قيمتها المستحقة نحو 395 مليون يورو.
وعلى الرغم من اختلاف ظروف استحواذ المؤسستين على الناديين، فإنهما تلتقيان في التعامل مع المؤسسات الرياضية بوصفها أصولا استثمارية يمكن تطوير إيراداتها وتعزيز قيمتها.
وتوضح "ريد بيرد" في تعريفها الرسمي باستثماراتها أنها تنظر إلى ميلان باعتباره أكثر من مجرد فريق لكرة القدم، بل نشاطا ترفيهيا حيا يقوم على استثمار علامة تجارية عالمية وحقوقها التجارية وجمهورها.
وهذا التصور ليس غريبا عن خبرة كاردينالي السابقة في قطاع الترفيه الرياضي الأمريكي، حيث شارك في تأسيس شركة "ليجندز هوسبيتاليتي"، المرتبطة بنشاطات الضيافة التجارية في منشآت رياضية كبرى، من بينها تلك الخاصة بنيويورك يانكيز ودالاس كاوبويز.
وبحسب "ذا أثلتيك"، يريد كاردينالي أن يتحول الملعب الجديد إلى وجهة يقصدها المشجع قبل المباراة بأربع ساعات، ويظل فيها أربع ساعات بعدها، على أن تستمر أنشطته في الأيام التي لا تشهد مباريات.
ولهذا يتضمن المشروع تصورا لاستضافة الحفلات الموسيقية ومباريات كرة القدم الأمريكية والرجبي والفعاليات التجارية وعروض الأزياء، والاستفادة من موقع ميلانو بوصفها مركزا عالميا للموضة والمال والأعمال.
وتمثل هذه المقاربة إحدى أبرز سمات الاستثمار الرياضي الأمريكي الحديث، حيث يسعى المالك إلى زيادة العائد من المنشأة طوال العام، بدلا من حصر نشاطها في المباريات، مع توسيع مصادر الإيرادات من الضيافة والرعاية والإعلان وحقوق التسمية.
لكن خصوصية المشروع تكمن في أن المستثمرين الأمريكيين يحاولون تطبيق هذا النموذج داخل مدينة أوروبية ترتبط فيها الأندية والملاعب بتاريخ اجتماعي وثقافي مختلف، وتظل فيها مسألة الوصول إلى المدرجات بأسعار معقولة جزءا من العلاقة التقليدية بين النادي وجماهيره.
كما أن تعزيز قيمة النادي الاستثمارية لا يساوي تلقائيا تعزيز قدرته الرياضية. فقد يؤدي نمو الإيرادات إلى زيادة الموارد المتاحة لتطوير الفريق، لكنه قد يتزامن أيضا مع أعباء تمويلية مرتفعة، أو مع سياسات تجارية تمنح الأولوية للعوائد المالية على حساب بعض احتياجات الجمهور.
مليارا يورو.. من المستفيد من المشروع؟
يكشف حجم الاستثمار عن شبكة المصالح التي تتجاوز حدود الناديين.
فقد قدرت "ذا أثلتيك" التكلفة العامة للمشروع بنحو ملياري يورو، بينما رفعت "لا غازيتا ديلو سبورت" التقدير الشامل إلى 2.3 مليار يورو، وهو مبلغ يتضمن إنشاء الملعب وتطوير المنطقة المحيطة والمرافق التجارية والأعمال الهندسية والإدارية والهدم.
وبحسب الصحيفة الإيطالية، ستتراوح تكلفة هدم أجزاء سان سيرو القديم بين 115 و130 مليون يورو، إضافة إلى نحو 60 مليونا لإعادة إنشاء نفق باتروكلو القريب، فيما يعتمد التمويل المتوقع على مزيج من رؤوس الأموال والقروض المصرفية.
وكان الناديان قد أكملا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 شراء سان سيرو والأراضي المحيطة من بلدية ميلانو، عبر شركة مشتركة تحمل اسم "ستاديو سان سيرو"، في صفقة بلغت قيمتها الاسمية نحو 197 مليون يورو.
وكشف البيان الرسمي لميلان أن العملية حظيت بدعم تمويلي من مؤسسات مصرفية بينها "غولدمان ساكس" و"جيه بي مورغان" وبنكان إيطاليان، فيما أوردت "لا غازيتا" أن الشركة المشتركة حصلت على تمويل بقيمة 354 مليون يورو خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
أما أحد أبرز المستفيدين التجاريين فهو شركة التأمين الإيطالية "جنرالي"، التي حصلت على حقوق تسمية الملعب الجديد في اتفاق قدرت "ذا أثلتيك" قيمته بنحو 650 مليون يورو على مدار 20 عاما.
ويعادل ذلك 32.5 مليون يورو سنويا في المتوسط، أو نحو 16.25 مليون يورو لكل ناد، إذا وزعت العوائد بالتساوي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المدفوعات ستجري بصورة سنوية متساوية.
ولا يقتصر المستفيدون المحتملون على الناديين وشركة التأمين، إذ تتيح المنشأة الجديدة فرصا للمصارف الممولة وشركات البناء والتشغيل والضيافة والرعاية، فضلا عن الأنشطة التجارية المرتبطة بإعادة تطوير المنطقة.
أما بلدية ميلانو، فتقدم المشروع من منظور مختلف، يقوم على جذب استثمار خاص ضخم وتطوير المنطقة وإنشاء مساحات عامة وخضراء جديدة، مع الاحتفاظ بنشاط الناديين داخل المدينة.
وتشير وثائق البلدية إلى تخصيص نحو نصف مساحة المشروع للمناطق الخضراء، وإعادة أجزاء منها إلى الملكية العامة، وهو ما يمثل منفعة محتملة للمدينة، شريطة تنفيذ الالتزامات العمرانية وصيانتها وإتاحتها فعليا للسكان.
غير أن هذه المكاسب لا تلغي الحاجة إلى معرفة صافي العائد العام من الصفقة، ولا كيفية توزيع تكاليف البنية التحتية والأعباء البيئية بين البلدية والمستثمرين، أو أثر المشروع في الأنشطة الاقتصادية القائمة بالمنطقة.
بيع سان سيرو.. صفقة تجارية أم تنازل عن مرفق عام؟
أصبحت ملكية الأرض أحد أكثر ملفات المشروع إثارة للجدل، بعدما انتقل ملعب تاريخي كان تابعا للبلدية إلى شركة يسيطر عليها الناديان.
وبينما حددت الجهات المختصة القيمة الاسمية للصفقة بنحو 197 مليون يورو، كشفت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيطالية "راي" في سبتمبر/أيلول 2025 عن خصومات وتكاليف معترف بها تقارب 22 مليون يورو تتعلق بأعمال تهيئة ومعالجة الموقع، ما يخفض المقابل المالي الصافي المتوقع وفق ترتيبات الصفقة.
وقد اتخذ الخلاف بعدا قضائيا في مارس/آذار 2026، عندما فتحت النيابة العامة في ميلانو تحقيقا بشأن إجراءات البيع، شمل مسؤولين سابقين في البلدية ومستشارين ومديرين مرتبطين بالناديين، للاشتباه في التلاعب بإجراءات اختيار المشتري وتسريب معلومات رسمية.
وذكرت "رويترز" أن الشرطة المالية الإيطالية فتشت مكاتب البلدية ومواقع أخرى، في إطار التحقيق في احتمال توجيه الإجراءات بما يخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.
وقدمت صحيفة "كورييري ديلا سيرا" تفاصيل عن فرضية المحققين التي تتعلق بإمكانية تصميم إجراءات البيع وشروط المنافسة بما يناسب الناديين ويثني جهات أخرى عن تقديم عروض.
وفي المقابل، رفضت المحكمة الإدارية في لومبارديا يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 خمسة طعون رفعتها جهات معارضة ضد عملية البيع، وهو حكم يعزز موقف المشروع في المسار الإداري، لكنه لا يحسم التحقيق الجنائي المنفصل، ولا يمثل إدانة للأشخاص الذين شملتهم التحقيقات.
وهذه التفرقة ضرورية، لأن الشبهات القضائية لا تثبت وحدها وقوع مخالفات، كما أن سلامة الإجراءات الإدارية، حتى لو تأكدت نهائيا، لا تكفي للإجابة عن سؤال الجدوى العامة لبيع منشأة تاريخية وأراضيها.
ملعب أفضل.. لكن لمن؟
يتباهى القائمون على المشروع بأن الملعب الجديد سيضع المشجعين على مسافة أقرب إلى أرضية اللعب، مع مدرجات يبلغ انحدارها 37 درجة، وتصميم صوتي يسعى إلى استعادة الأجواء الاستثنائية التي ميزت سان سيرو.
ووفقا للإعلان الرسمي للناديين، يشمل المشروع مساحة عمرانية تبلغ نحو 281 ألف متر مربع، ويضم مناطق ترفيهية وتجارية ومساحات خضراء ومرافق مخصصة لخدمة الجمهور.
لكن تطوير تجربة المشجع لا يقاس بسهولة الوصول إلى المقاعد ووضوح الرؤية وحدهما، وإنما كذلك بالقدرة على شراء التذاكر والاستمرار في حضور المباريات.
وفي تقرير نشرته "بي بي سي" في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدر رئيس ميلان باولو سكاروني أن مقاعد الضيافة المخصصة للشركات ستشكل نحو سُبع مقاعد الملعب الجديد، في مؤشر إلى المكانة التي ستحتلها الفئات التجارية مرتفعة العائد ضمن نموذج التشغيل.
ويدافع كاردينالي عن هذه السياسة باعتبارها وسيلة لزيادة الإيرادات دون تحميل المشجع العادي التكلفة كاملة، مؤكدا في حديثه إلى "ذا أثلتيك" إدراكه أن اعتماد مستويات الأسعار المرتفعة السائدة في بعض الملاعب الأمريكية سيواجه رفضا جماهيريا.
ويستند تصوره إلى استخدام عوائد الضيافة الفاخرة للمساعدة في إبقاء التذاكر العادية بأسعار مقبولة، غير أن هذه الفكرة تظل رهينة السياسة السعرية التي سيعتمدها الناديان مستقبلا، ومدى التزامهما بإتاحة المقاعد لجمهورهما التقليدي.
وتزداد أهمية المسألة في ميلانو، حيث يمتلك ميلان جذورا تاريخية مرتبطة بالطبقة العاملة، بينما تشهد المدينة تحولات اقتصادية وارتفاعا في تكاليف المعيشة، ما يجعل العلاقة بين الاستثمارات التجارية وإمكانية وصول السكان إلى الخدمات والمرافق العامة موضع نقاش متزايد.
ولهذا فإن نجاح المشروع في جذب السياح والشركات وأصحاب الدخول المرتفعة لا يثبت وحده نجاحه اجتماعيا، مثلما أن الاعتراض على توسيع الخدمات التجارية لا يقدم بديلا عمليا لمشكلة تمويل الأندية وتحديث ملاعبها.
هل تنقذ الملاعب الجديدة الكرة الإيطالية؟
تمنح كأس أوروبا 2032، التي تستضيفها إيطاليا بالاشتراك مع تركيا، المشروع بعدا إضافيا، إذ تحتاج إيطاليا إلى تحديث منشآتها الرياضية حتى تضمن استضافة حصتها من مباريات البطولة وفق متطلبات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
ولهذا يتزامن مشروع ميلان وإنتر مع خطط تطوير ملاعب أخرى، منها مشروع روما الجديد في منطقة بيترالاتا وتجديد ملعب أرتيميو فرانكي في فلورنسا.
وتعزز هذه المشروعات الانطباع بأن رأس المال الخاص، ومنه الأمريكي، يؤدي دورا متزايدا في تطوير البنية التحتية للكرة الإيطالية، بعد سنوات طويلة من تعثر المشروعات بسبب القيود المالية والتعقيدات الإدارية والخلافات السياسية.
لكن تفسير الأزمة الإيطالية من خلال الملاعب وحدها يتجاهل بقية العوامل التي تحدد القدرة التنافسية، بما فيها توزيع إيرادات البث التلفزيوني والتسويق الدولي والإدارة الرياضية وتطوير المواهب.
كما أن الوعود الاقتصادية المصاحبة لمشروعات الملاعب تستدعي قدرا من الحذر، حتى عندما تستند إلى خطط مالية مفصلة.
فقد خلصت مراجعة أكاديمية نشرها الباحثون جون تشارلز برادبري ودينيس كوتس وبراد همفريز عام 2024، في دورية "تحليل السياسات والإدارة"، إلى أن الأدلة الاقتصادية الأمريكية لا تدعم بصورة عامة تصوير الملاعب الرياضية بوصفها محركات قوية للتنمية المحلية، وأن الإعانات العامة المقدمة لها كثيرا ما تتجاوز المنافع الاقتصادية المثبتة.
ولا يمكن إسقاط نتائج تلك الدراسات بصورة آلية على مشروع سان سيرو، الذي يقوم على استثمار خاص وبيع أرض عامة، لا على النموذج الأمريكي التقليدي لتمويل الملاعب من الموازنات الحكومية. لكنها تبرز ضرورة الفصل بين الأرباح التي قد تحققها الأندية والمستثمرون، والعوائد الاقتصادية الصافية التي تعود على المدينة وسكانها.
فالأموال التي ينفقها المشجع داخل الملعب الجديد قد تمثل إيرادات إضافية للنادي، لكن بعضها ربما كان سينفق أصلا في مطاعم ومتاجر ومرافق أخرى داخل ميلانو، وهو ما يجعل حساب الأثر الاقتصادي الأشمل أكثر تعقيدا من جمع عوائد التذاكر والرعاية والضيافة.
بين التراث والأرباح.. من يملك الحق في تقرير مصير سان سيرو؟
رغم انتقال ملكية الملعب وإعلان تصميم بديله، لم تنته المعارضة السياسية والشعبية للمشروع.
ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نقلت صحيفة "لا ريبوبليكا" اعتراض عدد من السياسيين والناشطين على إقامة احتفال الكشف عن التصميم بينما لا يزال التقييم البيئي الاستراتيجي للمشروع قيد الإجراء، وسط مطالبات بدراسة مستقلة لآثاره الصحية والبيئية.
وتؤكد وثائق بلدية ميلانو أن التقرير البيئي ووثائق التخطيط أتيحت للمراجعة العامة خلال الفترة الممتدة من 18 سبتمبر/أيلول إلى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ما يعني أن تقديم التصميم الجديد سبق اكتمال هذه المرحلة من المشاورات.
ويخطط الناديان لبدء البناء عام 2028، على أرض مجاورة للملعب القائم، مع استمرار استقبال المباريات في سان سيرو حتى الانتقال إلى المنشأة الجديدة، ثم هدم معظم المبنى القديم والاحتفاظ بأجزاء محدودة منه وإعادة توظيفها.
وقد تبدو هذه التسوية كافية من منظور المستثمرين الذين يريدون تطوير الأصل العقاري دون الانقطاع عن النشاط الرياضي، لكنها لا تستجيب بالكامل لمطالب من يعتبرون سان سيرو وحدة معمارية وتاريخية لا يمكن اختزال قيمتها في أجزاء محفوظة للذكرى.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الاستاد لمجرد ارتباطه بالماضي لا يقدم إجابة عن تكاليف صيانته وتطويره، أو عن قدرة الناديين على تمويل احتياجاتهما المستقبلية في سوق رياضية تتزايد فيها الفوارق الاقتصادية.
وتكمن المعضلة الحقيقية في تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه، وما يمكن تغييره، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار حين تتعارض المصالح الخاصة مع التراث والوظيفة العامة للمنشأة.
فإذا كان سان سيرو يحتاج إلى تطوير جذري، فإن المستثمرين مطالبون بإثبات أن البناء الجديد يقدم عوائد تتناسب مع تكلفته، وأن نموذج التمويل لا يهدد الاستقرار المالي للناديين، وأن الوعود المتعلقة بأسعار التذاكر والمرافق العامة والاستدامة البيئية يمكن تحويلها إلى التزامات قابلة للقياس والمحاسبة.
أما البلدية، فتقع عليها مسؤولية إظهار أن التصرف في الأصل العام يحقق منفعة للمدينة، مع ضمان سلامة الإجراءات وشفافية التقييمات ومشاركة السكان في القرارات التي تغير طبيعة أحيائهم ومرافقهم.
وبذلك، فإن مستقبل سان سيرو لا ينبغي أن يُحسم بالحنين وحده، ولا بالوعود التسويقية التي تربط تلقائيا بين زيادة الإيرادات واستعادة المجد الرياضي، بل بموازنة واضحة بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وربما تكشف المفارقة الأعمق في القصة عن نفسها في تصريحات المهندسين الذين كلفوا ببناء الملعب البديل، إذ يتحدث فوستر ومانيكا عن نقل روح سان سيرو إلى منشأة جديدة، بينما يصر المعترضون على أن هذه الروح ارتبطت بالمكان الذي صنعت فيه الأجيال المتعاقبة ذكرياتها.
وبين الموقفين، يظل مستقبل سان سيرو اختبارا لقدرة كرة القدم الحديثة على التوفيق بين حاجتها إلى رأس المال ومسؤوليتها تجاه المدن والجماهير التي منحت الأندية قيمتها التاريخية والتجارية.
فالناديان اللذان يريدان هدم ملعبهما لاستعادة قوتهما الأوروبية، يستمدان جانبا كبيرا من جاذبيتهما الاستثمارية من تاريخ صنعه ذلك الملعب نفسه، وهي مفارقة تجعل السؤال يتجاوز مصير المدرجات الخرسانية إلى مصير العلاقة بين كرة القدم وجمهورها، وبين حق المستثمر في تطوير أعماله وحق المدينة في حماية ما تعتبره جزءا من هويتها.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر