لا تكمن قيمة كلمات الوداع الأخيرة في بلاغتها أو طولها، بل في كونها تُقال عند تخوم الحياة، حيث تسقط الأقنعة، وتخفّ الحسابات، ويظهر الإنسان على حقيقته، عاريا من التصنّع إلا من صدق اللحظة.
تحمل الكلمات الأخيرة للمحتضرين قوة فريدة؛ فهي تتجرّد عادة من التصنّع، وتكشف أعماقا إنسانية طفولية في الغالب. بعض هذه الكلمات يحمل دلالات عميقة، وبعضها يتسم بالطرافة، بينما يفيض الكثير منها بمشاعر مؤثرة للغاية. لهذا يُروى عن عظماء ومفكرين وفنانين وسياسيين عبارات أخيرة ظلّت عالقة في الذاكرة، ليس لأنها صيغت بعناية، بل لأنها جاءت في لحظة لا مجال فيها للتمثيل والتصنع.
كانت الكلمات الأخيرة لجورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، بسيطة وعفوية وتحمل قدرا كبيرا من البساطة: "كل شيء على ما يرام"، وقد يكون ذلك تعبيرا عن تقبّله بطريقة هادئة لمصيره بعد إصابته بعدوى في الحلق.
بالمقابل، جاءت كلمات الإمبراطور نابليون بونابرت الأخيرة في صورة قائمة مقتضبة جامعة لكل ما كان يحبه ويقدّره أكثر من أي شيء آخر: "فرنسا، الجيش، قائد الجيش، جوزفين". إنها ليست خطبة ولا حكمة فلسفية، بل خلاصة وجدانية لرجل وضعته الحياة أمام مرآة النهاية، فاختصر ما يعنيه له العالم في كلمات قليلة.
من المواقف الأخيرة المؤثرة أيضا أن ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا، حين كانت تصعد إلى منصة الإعدام، داست بالصدفة على قدم الجلاد، لكنها على الرغم من أنها كانت على بعد خطوة من الموت وجدت في نفسها القوة لتتوقف وتقول له: "اعذرني يا سيدي، لم أقصد ذلك". هي عبارة صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف عن أدب ووعي إنساني لم تهزمهما قسوة المشهد.
أما الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر، فقد التفت أثناء احتضاره إلى رفيقة عمره سيمون دي بوفوار وهمس لها: "أحبك كثيرا يا عزيزتي كاستور"، وهي كلمة محبّبة وتلاعب لفظي يقصد به "القندس"، وهو من القوارض. يحمل هذا اللقب الحنون، الذي استخدمه في لحظاته الأخيرة، قدرا كبيرا من الرقة، ويُبرز مدى تقديره العميق لعلاقته بهذه السيدة.
بالمثل، خاطب الكاتب إرنست همنغواي زوجته وهو يحتضر قائلا: "طابت ليلتكِ يا قطتي الصغيرة". تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها بمثابة وداع رقيق للحياة، صيغ في قالب من المودة الطفولية.
في مقابل الرقة، تأتي كلمات تحمل شيئا من الضجر والسخرية. فقد قال وينستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، وهو على فراش الموت: "لقد سئمتُ من كل هذا". بالنسبة لسياسي، يُعد هذا اعترافا جريئا وصادقا بشكل لافت؛ فحتى في ذروة النجاح وفي شيخوخة متقدمة، قد يشعر المرء بالضجر وخيبة الأمل.
بالمقابل، عبّرت الملكة البريطانية إليزابيث الأولى في لحظاتها الأخيرة عن تمسكها بالحياة ورغبتها في العيش أكثر، فقالت في تلك اللحظات القاسية: "كل ما لدي من ممتلكات مقابل لحظة واحدة من الزمن!".
من جهته، جمع الكاتب المسرحي البريطاني سومرست موم الكثير من المعاني في كلمته الأخيرة التي حملت نصيحة مليئة بالمرارة: "الموت أمرٌ مملّ وكئيب للغاية، ونصيحتي لكم هي ألا تقتربوا منه بأي شكل من الأشكال".
قال الكاتب والشاعر الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، صاحب الحكايات الخرافية الشهير، قبل وفاته: "لا تطرحوا عليّ أي أسئلة. لم أعد أفهم شيئا". تعكس هذه الكلمات شعورا بالحيرة والعجز، وتُظهر أن هذا الحكواتي العظيم قد فقد في لحظاته الأخيرة قدرته على إدراك ما يدور حوله.
أما فلاديمير نابوكوف، الكاتب والشاعر وعالم الحشرات الروسي، فقد كانت كلمته الأخيرة: "ثمة فراشة ما قد بدأت تحلّق بالفعل". بالنظر إلى اهتمام نابوكوف العميق بعلم الحشرات، تكتسب هذه العبارة دلالة خاصة؛ فهي بمثابة رثاء يشير إلى أن جزءا منه، "فراشته" الخاصة، قد غادر هذا العالم بالفعل.
قال الكاتب الروسي أنطون تشيخوف في لحظة الوداع بطريقة متهكمة: "أنا أموت! لقد مر وقت طويل منذ أن شربت الشمبانيا!"، وقد قال ذلك وهو يهمّ بتناول كأس قدّمها له طبيبه، فيما عبّر الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين في رسالة أخيرة عن امتنانه بقوله: "أخبروهم بأنني عشتُ حياة رائعة".
بين السخرية والامتنان والحيرة والحب، تتشكّل لوحة إنسانية واسعة من الكلمات الأخيرة، تذكّرنا بأن العظماء ليسوا إلا بشرا تواجههم النهاية بمشاعرهم الأولى.
تكمن قوة مثل هذه العبارات الأخيرة في صدقها وفي عفويتها أيضا؛ ففي تلك اللحظات الأخيرة، يتخلى المرء عن كل مظاهر التصنّع، من شهرة ومكانة وحتى بلاغة لفظية. لهذا السبب تحديدا تلامسنا هذه الكلمات بعمق.
تظل هذه العبارات الأخيرة، سواء كانت مزحة أو اعترافا أو مجرد تعبير عن الحب، مؤثرة بطريقة خاصة؛ فهي تمثل الأصداء الأخيرة الصادقة وغير المتكلفة لحياة إنسان.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
89 عاما من الضوء.. نجوم الكرملين التي أُطفئت مرتين فقط
أُضيئت النجوم التي تعلو أبراج الكرملين الخمسة لأول مرة في 2 نوفمبر 1937. تتكون كل نجمة من طبقتين من الزجاج: طبقة داخلية من الزجاج الأبيض، وطبقة خارجية من الزجاج الأحمر الياقوتي.
88 عاما من الرفقة.. أسرار الزواج الذي لا ينتهي
قد يندهش البعض إذا علم أن الزواج قد يدوم أكثر من 88 عاما، وأن في العالم أزواجا تمكنوا من تحمل المصاعب والأزمات والظروف الصعبة والبقاء معا لعشرات السنين وحتى النهاية.
السبت الأسود: يوم وقفت البشرية على حافة الهاوية النووية
بلغت الحرب الباردة ذروتها في 27 أكتوبر 1962، حين وجد الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة نفسيهما على بعد خطوة واحدة من حرب نووية.
أولورو.. ممرات إلى عالم الأرواح!
أعادت الحكومة الأسترالية في 26 أكتوبر 1985 ملكية موقع "أولورو" المقدس إلى أصحابه الأصليين من قبيلة "بيتجانتجاتجارا"، إحدى المجموعات المنتمية إلى مجتمع "أنانغو".
مونتغمري في مواجهة رومل
شكّلت معركة العلمين الثانية التي دارت في الفترة من 23 أكتوبر إلى 11 نوفمبر 1942 نقطة تحول حاسمة في حملة شمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر