في رد قوي على مندوب الجزائر بالأمم المتحدة الذي حضر في جلسة تصويت مجلس الأمن على مشروع قرار حول الصحراء رغم عدم عضوية بلاده في المجلس، مساء الجمعة، أكد عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى هذه الهيئة الأممية، أن “قرارات مجلس الأمن كانت تتم لسنوات طويلة دون حضور الطرفين: المغرب والجزائر. واليوم، تم خرق هذا العرف، لكنني ممتن جدا لسفير الجزائر على قراره بالتدخل؛ لأن ذلك يتيح، على الأقل، لمجلس الأمن وللعالم بأسره أن يعرف من هو المسؤول، وقبل كل شيء أن يُدرك زيف ادعاء الجزائر بأنها ليست طرفا ولا ناقة لها ولا جمل، وأنها غير معنية، ومجرد مراقب فقط”.
ووجه هلال كلامه إلى مندوب الجزائر قائلا: ”بأي صفة تعطي دروسا لمجلس الأمن؟ تعظ أعضاء المجلس، وتتحدث عن القانون الدولي، وتقرير المصير، والوضع الإنساني.. بأي حق؟ ففي منظومة الأمم المتحدة، هناك 193 دولة عضوا، ومن بين أعضاء مجلس الأمن هناك عضو واحد فقط يكلّف نفسه عناء التدخل، واتخاذ موقف، والمطالبة بالتصويت ضد قرار ما، وتوجيه النقاش، بل ولعب دور الضحية تارة أو الحديث باسم الآخرين تارة أخرى”.
وأوضح الدبلوماسي المغربي ذاته أن “مداخلة ممثل الجزائر تنطوي على مرافعة اتهامية حقيقية؛ فهي ليست مرافعة للدفاع عن موقف بلاده، بل هي لائحة اتهام ضد مجلس الأمن، وضد حامل القلم وصائغ مسودة القرار (الولايات المتحدة الأمريكية) وضد كل من قرر دعم القرار. إنه يعطي الانطباع بأن القانون يقف إلى جانب الجزائر، وأن كل من يخالفها أو يتبنى موقفا مغايرا لها فهو في منطقة الخروج عن القانون”، مشددا على أن “المجتمع الدولي سئم من دروس الجزائر في التاريخ وفي القانون لأن خطابها رنان وطنان، لكنه يفتقر إلى أي سند قانوني متماسك”.
وتابع: “منذ خمسين عاما والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تطالب بتسجيل قاطني مخيمات تندوف، هذه المخيمات التي أصبحت المنطقة الوحيدة في العالم التي يرفض فيه البلد المضيف إجراء التسجيل، رسميا وبشكل كتابي. والسبب في ذلك يعود إلى أن هذه المخيمات تضم لاجئين من دول في منطقة الساحل، بل وجزائريين أيضا”.
وزاد موجها كلامه لممثل الجزائر: “نحن نقول، وأكررها هنا أمام هذا المجلس الموقر: دعوا المفوضية السامية تقوم بعمليات التسجيل وتحديد الهوية. وإذا كان هناك مليون شخص، فالمغرب سيقبل هذا الرقم. لكن لا يمكنكم أن تدافعوا عمن تسمونهم ‘لاجئين’ وفي الوقت عينه تمنعون الاعتراف بهم بهذه الصفة وتحديد هوياتهم من قبل المفوضية السامية”.
وأبرز هلال أن “مخيمات تندوف هي المخيمات الوحيدة في العالم التي تخلت فيها الدولة المضيفة عن سيادتها وسلطتها لصالح جماعة انفصالية مسلحة. فداخل المخيمات، لا وجود لأي سلطة جزائرية، ولا وجود للسيادة؛ وذلك فقط لإطلاق العنان للبوليساريو لتفعل ما تشاء، أي لتجنيد الأطفال، وإقحامهم في التدريبات العسكرية، وإرسالهم لتنفيذ عمليات عسكرية. لذا، فلا يمكن للجزائر اليوم أن تدعي بأنها محامي اللاجئين والمدافع عنهم، وهي في الوقت نفسه تحرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية”.
وشرح قائلا: ”علاوة على ذلك، لا يمكن للاجئين في مخيمات تندوف مغادرة المخيمات؛ فهم لا يتمتعون بحق حرية التنقل، وليس لهم الحق في الاستقرار في مكان آخر، ولا في العودة إلى الصحراء المغربية. ورغم ذلك، فإن المغرب، منذ سنوات، بل منذ عقود، يطالب بتمكين كل من يرغب في العودة من القيام بذلك تحت ضمانات دولية وبمساعدة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. لكن ذلك غير ممكن؛ ببساطة لأن الجزائر تقول: ‘لا يمكنهم العودة إلا بشرط التوصل إلى حل سياسي’… ففي حين يُشجع اللاجئون في سائر أنحاء العالم على العودة إلى أوطانه، ترهن الجزائر عودتهم بوجود حل سياسي. وفي الوقت ذاته، تعتبر أن هذا الحل السياسي لا يمكن أن يكون عبر الحكم الذاتي”.
وفي معقل رده على محاولة ممثل “قصر المرادية” عقد مقارنة بين قضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية، ذكر المتحدث ذاته أن “المغرب على الأقل يشهد وما يزال مظاهرات أسبوعية تضامنا مع الشعب الفلسطيني، بينما هذه المظاهرات محظورة في الجزائر. ثم تأتون إلى هنا لتعطونا دروسا حول فلسطين وتنسون السماح لشعبكم بالتعبير عن رأيه”.
وشدد على أن “هذه المقارنة المشينة بين الوضع في فلسطين وبين الوضع في الصحراء المغربية هي مقارنة مخزية. فمن الذي أرسل المساعدات الإنسانية؟ ومن الذي أرسل المستشفيات الميدانية؟ ومن الذي يعمل بجد من أجل التسوية السلمية والتفاوض، وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف؟ أكيد أنهم ليسوا أولئك الذين يلقون الخطابات حول فلسطين، بل هم من يعملون في صمت، وباحترام، ودون أجندات خفية”.
وخلص هلال إلى أن “وضع اللاجئين في أي مخيم كان وفي أي ظرف ليس وضعا مقدرا له الاستمرار، بل هو وضع وُجد لينتهي يوما ما، حتى تتمكن النساء والأطفال من العودة إلى عائلاتهم وقراهم. وهذا تحديدا ما تسعى المفاوضات إلى تحقيقه، أي تمكين هؤلاء السكان من العودة إلى ديارهم، وألا يظلوا رهائن للأجندة السياسية للجزائر ورهائن لجماعة مسلحة انفصالية لها صلات بالإرهاب الدولي”.
وتقدم ممثل الدبلوماسية المغربية في الأمم المتحدة، في ختام حديثه، بالشكر إلى الولايات المتحدة بصفتها حامل القلم، وكذا جميع الدول التي صوتت لصالح مشروع القرار الأمريكي، الذي قال عنه إنه “كان ثمرة ساعات طوال من المفاوضات، وقد قدم المغرب تنازلات هائلة للوصول إلى نص كان يأمل أن يكون مقبولا من الجميع، ويأسف لكون الأمر لم يكن كذلك”.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر