فجّرت صحيفة "بيلد" الألمانية نقاشا سياسيا إثر نشرها بيانات رسمية صادرة عن الوكالة الاتحادية للعمل، كُشف عنها بناء على استفسار برلماني تقدّم به "تحالف سارة فاغنكنشت".
وتُظهر هذه البيانات أن جمهورية ألمانيا الاتحادية كانت تدفع بنهاية عام 2025 إعانات أطفال لما مجموعه 291.292 طفلاً يقيمون خارج الحدود.
ورغم أن هذا الرقم يعكس تراجعا تدريجيا بنسبة تقارب 12% منذ عام 2020، إلا أن المقارنة طويلة الأمد تبرز أمرا لافتا، فالعدد تضاعف بنحو ثلاثة أضعاف خلال 14 عاما، حيث كان يقف في حدود 103.559 طفلا في عام 2011، قبل أن يسجل 158.169 طفلا في عام 2015، ليواصل صعوده التدريجي وصولا إلى مستوياته الراهنة.
ووفقا للأرقام التفصيلية التي وثّقتها صحيفة "ميركور" الألمانية، فإن إعانات الأطفال العابرة للحدود تذهب بشكل خاص لأطفال آباء يحملون الجنسية البولندية، والذين تصدروا القائمة بـ 112.384 طفلا يقيمون في الخارج. وجاء في المرتبة الثانية مواطنو جمهورية التشيك بما مجموعه 33.872 طفلا، تليهم رومانيا بـ 32,459 طفلا.
وإلى جانب الأطفال الأجانب، تشير البيانات إلى أن هناك 36.727 طفلا يحملون الجنسية الألمانية يعيشون في الخارج ويتقاضون هذه الإعانات، ومن بينهم أبناء العائلات التي انتقل أحد معيليها للعمل خارج البلاد لأسباب وظيفية ومهنية. وتعتمد هذه الإحصائيات في تصنيفها بالأساس على جنسية ولي الأمر المستحق، وليس بالضرورة على دولة الإقامة الفعلية للطفل.
وفي موازاة الارتفاع المسجل في أعداد الأطفال، شهدت التحويلات المالية الخارجية قفزة غير مسبوقة، إذ صعد إجمالي المبالغ المحولة إلى حسابات مصرفية أجنبية من 45.7 مليون يورو فقط في عام 2011 إلى نحو 528 مليون يورو في عام 2025، ما يعادل زيادة تجاوزت أحد عشر ضعفا.
غير أن صحيفة "ميركور" الألمانية لفتت إلى ضرورة قراءة هذه المؤشرات المالية بحذر وموضوعية، فالتحويل إلى حساب مصرفي في الخارج لا يتطابق بالضرورة مع موقع إقامة الطفل، حيث يمكن لعائلات تقيم في ألمانيا تحويل أموالها لحسابات خارجية، والعكس صحيح. كما أن ارتفاع قيمة بدل الأطفال بحد ذاته أسهم في رفع حجم المبالغ.
والأهم من ذلك، أن هذه التحويلات الخارجية (528 مليون يورو) لا تشكل سوى 0.95 بالمئة تقريبا من إجمالي فاتورة إعانات الأطفال في ألمانيا، والتي بلغت 55.32 مليار يورو في عام 2025.
تستند هذه الاستحقاقات إلى اللوائح الأوروبية المعنية بتنسيق نظم الضمان الاجتماعي، والتي تلزم ألمانيا بتقديم الإعانات العائلية حتى لو كانت أسرة العامل تقيم في دولة أخرى عضو داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي الحالات التي تتوزع فيها المسؤولية بين أكثر من دولة، تُطبّق قواعد الأولوية الأوروبية التي تأخذ في الحسبان مكان العمل ومحل الإقامة؛ وبالتالي لا تدفع ألمانيا في كثير من الأحيان المبلغ كاملا، بل تكتفي بصرف الفارق المالي إذا كانت الدولة الأم تقدم إعانة أسرية أقل قيمة.
ومن الناحية القانونية، تُجمع الدوائر المختصة على أن إقامة الطفل في دولة أوروبية أخرى لا تعني تلقائياً وجود مخالفة أو احتيال، كما يتعذر على برلين إلغاء هذا النظام أحادياً دون تعديل تشريعي جماعي على مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ضغوط تشريعية ومطالب جادة
أمام هذا المعطى، سارعت القوى السياسية لتوظيف الأرقام في سجالات حادة. فقد طالبت سارة فاغنكنشت بوقف فوري وشامل لدفع إعانات الأطفال لمن لا يعيشون فعلياً داخل ألمانيا، منتقدة قيام الدولة بتحويل أموال طائلة إلى الخارج في وقت تتزايد فيه حاجة فئات هشة داخل المجتمع الألماني للمساعدات الغذائية التي توفرها الجمعيات الخيرية وبنوك الطعام.
وشددت فاغنكنشت في تصريحاتها على ضرورة حصر الاستحقاق في الأطفال المقيمين داخل الحدود الوطنية، متجاهلة التعقيدات القانونية المترتبة على الالتزامات الأوروبية المشتركة.
من جانبه، قاد فرع الحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية شمال الراين-وستفاليا تحركاً منظماً لمواجهة ما وصفه بإساءة استغلال الإعانات الاجتماعية. وصرّح الأمين العام للحزب، كارستن لينيمان، بأن الاحتيال في ملف إعانات الأطفال بات يتحول إلى أسلوب تعتمده شبكات وعصابات إجرامية منظمة.
وطرح الحزب مقترحا رسميا يدعو إلى إدخال تعديلات جوهرية على تشريعات الاتحاد الأوروبي، بحيث يتم ربط قيمة بدل الطفل بتكلفة المعيشة الفعلية في دولة إقامته؛ إذ يرى الحزب أنه من غير المنطقي صرف المبلغ الألماني كاملاً لأطفال يعيشون في رومانيا أو بلغاريا مع أجدادهم في ظل التباين الحاد في الأسعار.
ولم تتوقف مقترحات الحزب الديمقراطي المسيحي عند هذا الحد، بل شملت تعديل شروط الحصول على "إعانة المواطن" لمواطني الاتحاد الأوروبي عبر اشتراط عملهم المسبق وخضوعهم للتأمين الاجتماعي لمدة لا تقل عن 36 شهراً خلال السنوات الأخيرة.
كما نادى الحزب بتكثيف المداهمات الأمنية للعقارات السكنية المتدهورة التي يستغلها بعض القادمين من دول في شرق أوروبا وتسهيل إجراءات ترحيل المدانين بجرائم الاحتيال وحظر عودتهم، إلى جانب فرض ربط رقمي مباشر بين سجلات النفوس وصناديق دعم الأسرة ودوائر الرعاية الاجتماعية.
ثغرات الميدان وتحديات البيروقراطية
على المستوى الميداني والتنفيذي، كشف تحقيق تحليلي موسع أجراه موقع قناة "في دي إر" (WDR) الألمانية عن تحديات جسيمة تواجه البلديات والجهات الأمنية في ولاية شمال الراين-وستفاليا.
ورغم غياب إحصائيات مركزية دقيقة لدى وزارة الداخلية ومكتب الشرطة الجنائية حول الحجم الكلي للمخالفات، فإن العمليات التفتيشية الميدانية في ما يُعرف بـ "العقارات المتهالكة" أثبتت وجود تجاوزات ملموسة، حيث أفضت مداهمة مجمع "العملاق الأبيض" في مدينة دويسبورغ إلى ضبط 59 حالة مشتبه بها لأطفال مسجلين دون إقامة فعلية، مما مكّن صندوق إعانات الأسرة من شطبهم وتجنيب الخزينة العامة مدفوعات مستقبلية غير مستحقة تُقدر بنحو 1.2 مليون يورو.
كما سلّط تقرير موقع القناة الألمانية الضوء على معضلة التنسيق الإداري التي اشتكت منها مدن رئيسية في منطقة الرور مثل إيسن وغيلسنكيرشن؛ حيث برزت حيل احتيالية معقدة، من بينها قيام بعض المستفيدين بالقدوم إلى ألمانيا فقط لتقديم الطلبات أو تجديدها ثم المغادرة فوراً، أو إخفاء وجود الأب وادعاء إقامته في دولة ثالثة لمنع إدراج دخله ضمن الحسابات، إضافة إلى رصد حالات "طلاب وهميين".
وأكد المسؤولون المحليون أن محاولات التصدي لهذه الظواهر تصطدم بعقبات بيروقراطية كبرى؛ إذ تقف قيود حماية البيانات حائلاً دون مطابقة السجلات، فضلاً عن نشوب تنازع مزمن في الاختصاصات بين مكاتب الجمارك والنيابات العامة ومراكز التوظيف وهو ما يعطل مسار القضايا ويحد من قدرة برامج التنسيق الشرطية مثل "ميسيمو" على استكمال التحقيقات ومشاركة مخرجاتها كاملة.
وفي المقابل، حملت المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية بالولاية أبعاداً تصحيحية مهمة للجدل الدائر؛ إذ أوضحت الوزارة أن ثلثي قضايا الاحتيال في المساعدات الاجتماعية المسجلة تتعلق بمواطنين يحملون الجنسية الألمانية، يليهم متهمون من جنسيات تركية وسورية، بينما لم تتجاوز نسبة المشتبه بهم من مواطني رومانيا وبلغاريا 5.6% فقط.
وتبعاً لذلك، حذرت منظمات الإغاثة والرعاية الاجتماعية، وعلى رأسها منظمة "كاريتاس" واتحادات البلديات والمدن، من الانزلاق إلى التعميم ووصم جاليات كاملة؛ مؤكدة أن الأسر المهاجرة الوافدة من شرق وجنوب أوروبا غالباً ما تكون هي نفسها ضحية استغلال من قِبل عصابات منظمة مستفيدة من جهل هذه العائلات بالإجراءات والقوانين الألمانية المعقدة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر