تتابعون جميعاً انتخابات الكنيست الإسرائيلي، والتي يبدي خلالها عرب إسرائيل عزيمة قوية، إذ تحصّلت قوائمهم -حتى وقت كتابة هذا المقال- على 19 مقعداً في تقدم لافت عن انتخابات 2022، والتي اكتفوا خلالها بـ10 مقاعد.

ملهم هو صمود عرب إسرائيل، لأنه لا ينتهي بوصول نوابهم إلى الكنيست، ولا حتى عند اعتلاء نوابهم للمنصة ليمثّلوا قضاياهم ويدافعوا عن مصالحهم، بل ويمتد حتى إلى اللغة التي يصدح بها نوابهم في الميكروفونات.

 

نضال بحرف الضاد

منذ سنوات، يتعرض أعضاء الكنيست العرب إلى الهجوم اللفظي والشتائم والصراخ، ومحاولات الإسكات القسرية، عندما يصرون على إلقاء خطاباتهم باللغة العربية. إيمان خطيب ياسين، عايدة توما سليمان، وليد الهواشلة، جمال زحالقة؛ هي مجرد بعض الأسماء التي اتخذت هذا الموقف المشرف في الكنيست، ولم تعبأ بالتشنج الذي قوبلت به.

وبينما بإمكاننا أن "ننهار" ضحكاً -مثلاً- على مشادات النائب أحمد الطيبي مع النائبة الإسرائيلية تالي جوتليب حينما تعترض على خطابه باللغة العربية في الكنيست، فيرجمها بالمثل العربي "كل ساحة فيها ردّاحة"، وبإمكاننا أن "نفطس" ضحكاً أكثر على النائب سمير بن سعيد حينما يستهزئ بجوتليب ذاتها قائلاً بلهجته البدوية الجميلة "كل قبيلة فيها هبيلة" لأنها تحتج -أيضاً- على تحدّثه بالعربية، فثمة "حكم" أهم يجب ألا تفوتنا من هذه الصراعات.

يتمسك العرب الإسرائيليون بديار أجدادهم، ويتشبثون بجذورهم التاريخية، ويحافظون على استمراريتها. وقد رأيتم كيف هرعوا إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم حينما أصبح الصوت يعني دحر الفاشية والعنصرية المهددة لهم. إلا أنهم يدركون كذلك بأن وجودهم المادي ببيوتهم وقراهم وقلاعهم ومساجدهم وكنائسهم وأشجار زيتونهم وإبلهم وخيولهم الأصيلة، لن تعني شيئاً من دون لغتهم، ولهذا كانوا ينطقون بالعربية تمرداً وعصياناً في الكنيست على الرغم من زعيق جوتليب وزملائها المتطرفين. اللغة، اللغة لا غير، صارت في حناجر النواب حجر انتفاضة.

 

إهمال لغة الضاد


وجدتني لاشعورياً أقارن تلك المشاهد الناضحة بالعزّة والكرامة من قلب الكنيست الإسرائيلي بمشاهد العرب من حولي، أولئك الذين يعيشون بحرية على تراب دولهم العربية، وتصادق على أسمائهم قبائل وعشائر عربية عريقة، وما من قيود تمنع أو تضيّق عليهم النطق بلغتهم العربية، ولكنهم يختارون -وبملء إرادتهم- التفريط بلغتهم الأم، والتخاطب في ما بينهم، ومع أطفالهم على وجه الخصوص، باللغة الإنكليزية وغيرها.

إنهم موجودون على أراضيهم بأجسادهم؛ لا يستطيع أحد اقتلاعهم منها، ولا ينكر أحد مواطنتهم، ولا يكذّب أحد تعاقب أسلافهم عليها. ولكنهم محتلون أكثر من الطيبي وزحالقة وتوما سليمان، فالمُحتل يعشش داخل عقولهم، ويسكن ضمائرهم، ويتحكم بأفكارهم، ويخطف منهم صغارهم. إنهم لم يستوعبوا ما استوعبه عرب إسرائيل، فعبّر عنه نوابهم في الكنيست، وهو أن الوجود دون لغة يبقى منقوصاً مشلولاً أبتر.

عموماً، قررت الاقتداء بالطيبي وبن سعيد لأدع مثلاً فلسطينياً مناسباً يلخّص تعاطينا المستهتر مع لغتنا:

نام يا غنم، والحارس الله.