خلال مشاركتي في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب شاهدت فيلم التحريك القصير «كان من الممكن أن أكون أنا» (It Could Have Been Me) الذي تبلغ مدته نحو 12 دقيقة وهو من تأليف وإنتاج الكاتبة الفلسطينية الأمريكية لينا عبد الكريم وإخراج وتحريك محمد المشهراوي والمقتبس عن كتاب للأطفال يحمل العنوان نفسه. يطرح الفيلم سؤالا إنسانيا مؤثرا. هل يمكن لطفل يعيش في أمان أن يدرك معنى أن يفقد طفل آخر منزله وأحلامه وطفولته؟ وهل تستطيع السينما أن تنقل مأساة الحرب إلى الأطفال دون أن تسلبهم براءتهم؟
يتناول الفيلم مأساة أطفال غزة من خلال حكاية ياسمين الطفلة الفلسطينية الأمريكية التي تعيش حياة آمنة وتقودها صداقتها مع صمود الطفلة اللاجئة من غزة إلى اكتشاف عالم مختلف تماما عن عالمها. ومن خلال الحلم تجد ياسمين نفسها أمام تجربة تدفعها إلى التساؤل. ماذا لو كنت أنا مكانها؟ وهنا تتجاوز الحكاية حدود التعاطف التقليدي لتضع المشاهد أمام فكرة أن الاختلاف بين طفولتين قد لا يكون سوى اختلاف في المكان والظروف.
بصريا يعتمد الفيلم على أسلوب تحريك ثنائي الأبعاد يستلهم رسوم كتب الأطفال حيث الخطوط الناعمة والألوان الهادئة والتكوينات البسيطة التي تمنح الصورة إحساسا بالبراءة في تناقض واضح مع قسوة الموضوع. وتكمن جمالية هذا الاختيار في قدرة الصورة على الاقتراب من مأساة الحرب دون اللجوء إلى المشاهد الصادمة لتصبح الألوان والتفاصيل اليومية وسيلة للتعبير عن عالمين متناقضين أحدهما يعيش الأمان والآخر يفتقد أبسط مقومات الحياة.
ويعتمد البناء الدرامي على الحلم باعتباره وسيلة للانتقال من المعرفة إلى التجربة. فأن تسمع طفلة عن معاناة الآخرين يختلف تماما عن أن تتخيل نفسها تعيش المعاناة ذاتها. ومن أجمل مفارقات الفيلم انطلاقه من تفاصيل يومية بسيطة مثل رغبة طفلة في الذهاب إلى السينما مع أصدقائها وهي رغبة تبدو عادية في عالم آمن لكنها تتحول إلى حلم بعيد المنال بالنسبة إلى أطفال يعيشون تحت وطأة الحرب. وهنا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى رموز لفقدان الحياة الطبيعية ويصبح الحرمان من أبسط الأشياء أكثر تعبيرا عن المأساة من مشاهد الدمار نفسها.
ورغم قوة الفكرة الإنسانية فإن الفيلم لا يخلو من بعض المباشرة في طرح رسالته إذ تتقدم أحيانا الرغبة في التوعية على حساب العمق النفسي للشخصيات وكان من الممكن منح الصورة والصمت مساحة أكبر للتعبير دون الحاجة إلى تأكيد المعنى بالكلمات. ومع ذلك يظل هذا الاختيار مفهوما في عمل يخاطب الأطفال ويحاول تقديم قضية إنسانية شديدة التعقيد بلغة بسيطة وقريبة من وجدانهم.
وتكتسب التجربة أهمية إضافية من مشاركة فنانين فلسطينيين في إنجاز العمل لتصبح الصورة السينمائية وسيلة للحفاظ على الذاكرة الإنسانية وليس مجرد إعادة إنتاج لمشاهد المعاناة. كما تحمل النهاية دلالة مؤثرة من خلال إهداء الفيلم إلى الشعب الفلسطيني وخصوصا أهل غزة تقديرا لصمودهم وشجاعتهم قبل أن يتسع الإهداء ليشمل اللاجئين حول العالم في رسالة تؤكد أن الحق في الأمان والحرية والحياة الكريمة لا يرتبط بجنسية أو حدود جغرافية.
في النهاية ينجح «كان من الممكن أن أكون أنا» في تقديم تجربة إنسانية تعتمد على بساطة الحكاية وجماليات التحريك ويؤكد أن السينما الموجهة للأطفال قادرة على مناقشة أكثر القضايا قسوة دون التخلي عن لغتها البصرية الرقيقة. وربما تكمن قوة الفيلم الحقيقية في السؤال الذي يتركه داخل المشاهد. فالحرب لا تسرق البيوت وحدها وإنما تسرق أيضا التفاصيل الصغيرة التي تصنع طفولة الإنسان من اللعب مع الأصدقاء إلى الذهاب إلى المدرسة أو مشاهدة فيلم في السينما. وبين طفلة تعيش أحلامها وأخرى تحلم فقط بأن تعيش يظل السؤال الأكثر إيلاما. ماذا لو كنت أنا ذلك الطفل؟
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر