هزيمة الجمهوريين الساحقة في الانتخابات النصفية الأمريكية، تضع دونالد ترامب تحت ضغط هائل على الصعيد الداخلي. ولكن ماذا تعني هذه الهزيمة بالنسبة للسياسة الخارجية؟ وهل سيستطيع العالم ومعه أوروبا التنبؤ بتصرفات قاطن البيت الأبيض، أم سيتفاقم الوضع بسبب التحذيرات مما يسميه المراقبون "البطة الغاضبة"، أي حينما يفقد الرئيس الأمريكي أغلبيته في الكونغرسويظل مع ذلك يمارس جميع صلاحياته بكل شراسة. لذلك استقبلت برلين ومعها باقي العواصم الأوروبية هذه التطورات، بمشاعر مختلطة تجمع بين الارتياح والأمل، ولكن أيضا الكثير من الشكوك، ففي أوساط البرلمانيين الألمان، تبدو المخاوف هي الغالبة. وبهذا الصدد صرح أرمين لاشيت رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني (بوندستاغ)، لقناة "فيلت"  قائلاً "إن ترامب يواجه ضغوطا داخلية، وهذا بحد ذاته قد يجعل الوضع خطيرا على صعيد السياسة الخارجية، إذ قد يسعى لإثبات وجوده وتأكيد أنه لا يزال لاعبا مؤثراً".

ودأب قادة ألمانيا وأوروبا على انتقاد ترامب بسبب سياسته الجمركية، وموقفه النقدي تجاه حلف الناتو، وإعلانه عن سحب القوات الأمريكية من أوروبا. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما يمكن للجمهوريين تحقيقه بفضل أغلبيتهم في الكونغرس، فمن ناحية، لا يستطيعون تمرير العديد من القوانين، كتلك المتعلقة بالرسوم الجمركية في مجلس الشيوخ إلا بالحصول على ستين صوتا، مما يجعلهم بحاجة إلى دعم بعض الجمهوريين. ومن ناحية أخرى، يملك ترامب صلاحية استخدام حق النقض  لعرقلة القوانين، وهو إجراء لا يمكن تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في كلا مجلسي البرلمان. كما يهتم الأوروبيون بسياسة واشنطن تجاه أوكرانيا وروسيا ولكن أيضا بتأثير "الترامبية" على اليمين الشعبوي في أوروبا.

اليمين المتطرف في أوروبا وهزيمة ترامب!

شكلت هزيمة ترامب المدوية صدمة لليمين المتطرف في أوروبا، لدرجة أن بعض قادته بدأوا ينأون بأنفسهم عن الرئيس الأمريكي. وكان الكثير من هؤلاء الزعماء كانوا يحتفون بروابطهم الأيديولوجية مع ترامب عقب فوزه في عام 2024، كما أن بعضهم كانوا يزورون واشنطن منذ ذلك الحين، ويحصلون على دعم من حليفه الملياردير إيلون ماسك. ففي ألمانيا، عزت أليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد، الخسارة أيضا إلى حرب إيران. وقالت لموقع "تي-أونلاين" الألماني"كان ترامب قد وعد ناخبيه بعدم اتباع سياسة خارجية قائمة على التدخل... هذا الوعد الذي نكث به عاد الآن ليطارد الجمهوريين". وذهب جوردان بارديلا، الزعيم في حزب "التجمع الوطني" الفرنسي في نفس الاتجاه، واعتبر أن "التدخل الأمريكي بشأن إيران ينطوي على عواقب وخيمة للغاية" على الاقتصادات في جميع أنحاء العالم، دون أن يذكر ترامب صراحة باعتباره المسؤول عن هذا التدخل. أما ماتيو سالفيني، زعيم حزب "الرابطة" اليميني المتطرف، الذي يشكل جزءا ​من الائتلاف الحاكم  فقال "تأثرت النتيجة في الولايات المتحدة قبل كل شيء بالحروب والتوترات الدولية وارتفاع تكاليف المعيشة، التي تتجرع مرارتها الأسر".

وبهذا الشأن كتبت صحيفة "نياتكاريغا ريتا أفيزي" اللاتفية معلقة "كيف ستؤثر إخفاقات المرشحين المدعومين من ترامب على السياسة في لاتفيا وأوروبا؟ إن الدرس الأهم المستخلص من هذه الانتخابات هو أن الشعبوية، أيا كان المفهوم الذي يربطه بها كل فرد، سرعان ما تتبدد وتفقد زخمها. فإذا كانت تفتقر إلى سياسة حقيقية، وعمل ملموس، ومبادئ أخلاقية ومعيارية متفق عليها، فقد تنجح الفكرة الساذجة القائمة على "تقديم حلول بسيطة لمشكلات معقدة" لفترة قصيرة، لكنها ستؤول حتما، عاجلاً  أم آجلا، إلى إفلاس سياسي. وبالتالي فإن هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية بمثابة إشارة لكل الأحزاب الأوروبية التي كيّفت سياساتها وفقاً للأفكار "الترامبية" (..) وبشكل عام، يمكن القول إن السياسة العالمية بدأت تستعيد تدريجياً طابعها الطبيعي المعهود. ومع ذلك، ربما يتعين على كل دولة تقريباً أن تمر، ولو لمرة واحدة، بمرحلة من "الترامبية".

ميرتس: ستتواصل قوة ترامب السياسية رغم الهزيمة

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يتمتع بموقع قوي رغم هزيمته في انتخابات التجديد النصفي التي اكتسحها الديمقراطيون. وخلال منتدى اقتصادي نظمه الحزب الاشتراكي الديمقراطي في برلين، قال ميرتس إن ترامب حكم إلى حد كبير خلال العامين الماضيين أيضا متجاوزا الكونغرس، واعتمد معظم الوقت على إصدار "أوامر تنفيذية". وأضاف أن ترامب سيواصل اتباع هذا النهج. وأشار رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني إلى أن الرئيس الأمريكي يتمتع، وفقا للدستور، بصلاحيات واسعة، ويمكنه اتخاذ قرارات بشكل مستقل عن الكونغرس. وأوضح ميرتس أن التغيير سيطال تخطيط الموازنة، ومن ثم التخطيط للقوات المسلحة، غير أنه نوه إلى أن إحداث هذا التغيير سيستغرق وقتا.

موقع إذاعة "إس.في.إير" الألماني (الرابع من نوفمبر) كتب بهذا الصدد معلقا "ماذا تعني نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بالنسبة لألمانيا؟ صحيح أن الوضع الجديد ينطوي على بعض التغييرات، إذ أصبحنا الآن أمام رئيس فقد حزبه الأغلبية في البرلمان، كما تعد هزيمة الجمهوريين بمثابة تصويت بحجب الثقة عن ترامب من قِبل الناخبين الأمريكيين. ومع ذلك، فقد دأب ترامب حتى الآن على الحكم غالبا عبر المراسيم، أي بشكل فردي عمليا. ومن جانبه، لا يتوقع متين هاكفيردي، منسق الحكومة الألمانية للتعاون عبر الأطلسي، حدوث تغيير جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية. أما فيما يتعلق بالسياسة التجارية، فقد أبدى هاكفيردي، تفاؤلاً  حذراً، إذ لا يتوقع خفضا سريعا للرسوم الجمركية الحالية، لكنه يرى أن ظروف التفاوض قد تصبح أفضل مستقبلا من وجهة نظر ألمانيا".

مستقبل موقف واشنطن من حرب أوكرانيا؟

سيتولى الديمقراطيون رئاسة اللجان في مجلس الشيوخ، وسيكون لهم القول الفصل في المصادقة على مرشحي ترامب، وذلك عندما يبدأ الكونغرس الجديد أعماله في يناير/ كانون الثاني. كما يسعى الكثير منهم إلى تخصيص أموال جديدة لأوكرانيا. وبهذا الصدد كتبت نيفادا جوان لي، وهي باحثة في مجال السياسات لدى "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، "من الناحية العملية، يعني هذا أن الكونغرس، حتى وإن كان تحت قيادة ديمقراطية، قد يدرج في القوانين مخصصات مالية لأوكرانيا أو للمساعدات التنموية، لكن الرئيس قد يمتنع عن إنفاقها". ونصحت الخبيرة الحكومات الأوروبية في ألا تعول إلا على الأموال التي تصل بالفعل.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة "رزيكسبوسبوليتا" البولندية (الخامس من نوفمبر) "قد تبدو سياسة ترامب تجاه روسيا وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، من منظور أوروبي، قصيرة النظر أو حتى غير أخلاقية، لكنها في الوقت ذاته تحقق للولايات المتحدة مكاسب ملموسة، فهي تتيح لها جني الأرباح من الحرب في أوكرانيا، وإلزام الحلفاء بالانضباط، وتجنب توريط الجنود الأمريكيين في مشكلات بعيدة كل البعد عن الهموم اليومية للناخبين في ولايتي فلوريدا أو تكساس. لذا، وبدلا من التذمر بشأن ترامب، ينبغي على أوروبا أخيرا تحمل مسؤولية مصيرها بنفسها. فهي بحاجة إلى وحدة سياسية، وتحديث لاقتصادها، وقدرات دفاعية حقيقية؛ لأن التهديد الأكبر ليس ترامب، بل القومية، والركود التكنولوجي، وتآكل الديمقراطية، وبالطبع... بوتين".

التهديد بفرض رسوم جمركية جديدة على أوروبا؟

يبدو أن فرضالرسوم الجمركية من قبل الرئيس ترامب لم يعد يعتمد على موافقة الكونغرس. فبعد أن أبطلت المحكمة العليا الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها سابقاً في فبراير/ شباط، أعادت الإدارة تصنيفها بموجب "المادة 301" من قانون التجارة الأمريكي. ويتيح هذا المسار للرئيس اتخاذ إجراءات دون الحاجة إلى العودة إلى الكونغرس. وبإمكان الديمقراطيين الدعوة إلى جلسات استماع أو عرقلة تعيينات المسؤولين التي يقترحها الرئيس، لكنهم لا يستطيعون بسهولة تجريده من هذه الصلاحية. وعلى غرار السياسة الخارجية، تعد التجارة مجالا آخر يمكن للرئيس ممارسة سلطته فيه بشكلٍ أحادي، دون الرجوع إلى المشرعين الأمريكيين. ونظريا لا شيء يمنع ترامب من فرض رسوم جمركية جديدة على أوروبا.

وبهذا الصدد نقلت صحيفة "فرانكفوراته روندشاو" الألمانية (الرابع من نوفمبر) عن الخبير الاقتصادي يورغن ماتيس قوله بأن فوز الديموقراطيين بالانتخابات النصفية الأمريكية "قد يبدو للوهلة الأولى خبرا إيجابيا بالنسبة للاقتصاد الألماني، لكن من السابق لأوانه القول بأن خطر النزاع الجمركي مع واشنطن قد زال كليا". وفي تصريحات لمجموعة "إبن.ميديا" حذر ماتيس، وهو متخصص في التجارة الخارجية في "معهد الاقتصاد الألماني"(IW) ، صراحة من احتمال فرض رسوم جمركية عقابية جديدة تستهدف الشركات الأوروبية. وهناك قطاعان على وجه الخصوص قد يقعان في دائرة استهداف إدارة ترامب: نظام تسعير الأدوية في ألمانيا، والهيئات الأوروبية التي تستهدف شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة. ويرى ماتيس أن فرض رسوم جمركية عقابية إضافية من جانب واشنطن أمر وارد في كلا النزاعين. وختم ماتيس قائلا "حتى وإن تراجع خطر التصعيد، فإنه لا يمكن القول بأنه قد تم تجاوز مرحلة الخطر".