لا تزال أصداء اتفاقية الشراكة الاقتصادية الموقعة بين الإمارات وكندا في العاصمة أوتاوا، في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، تلقي بظلالها على المشهد السياسي، وسط تساؤلات متزايدة بشأن التحولات التي طرأت على المقاربة الكندية إزاء سجل حقوق الإنسان في الدولة الخليجية، ومدى انعكاس المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على أولويات السياسة الخارجية الكندية.
تُعد هذه الاتفاقية الأسرع من حيث مدة التفاوض بشأن الاتفاقيات الثنائية بين البلدين، إذ لم تستغرق المفاوضات بشأنها سوى 47 يومًا، بعدما أعلن الجانبان في يوليو/تموز الماضي عزمهما الدخول في مفاوضات للتوصل إليها، فيما يُتوقع دخولها حيز التنفيذ خلال عام 2027، عقب استكمال الإجراءات القانونية والتصديقات اللازمة.
لا يمكن اختزال دلالات هذه الاتفاقية في كونها مجرد خطوة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، إذ تعكس تحولًا أعمق في توجهات السياسة الخارجية الكندية نحو تبني مقاربة أكثر براغماتية، تتقدم فيها الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية على الاعتبارات الحقوقية، في سياق توجه أوسع بات يطبع سياسات عدد من القوى الغربية، التي أخذت تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية وفقًا لموازين المصالح والمكاسب الاستراتيجية.
وفي ظل توظيف الإمارات ثقلها المالي والاستثماري لتعزيز نفوذها وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، بالتوازي مع مساعي الدول الغربية لتعظيم عوائدها الاقتصادية واستقطاب رؤوس الأموال الخليجية، يبدو أن الملف الحقوقي بات يتراجع تدريجيًا في سلم الأولويات، بعدما شكّل لعقود إحدى أدوات الضغط السياسي في علاقات الغرب مع الدول العربية.
وهو ما يثير تساؤلًا جوهريًا: لماذا اختارت أوتاوا تغليب مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في علاقتها مع أبوظبي، رغم استمرار الانتقادات الداخلية والدولية الموجهة إلى سجل الإمارات الحقوقي؟ وإلى أي مدى يعكس هذا التحول إعادة صياغة كندية لمعادلة التوازن بين المصالح والقيم؟
ولي عهد أبوظبي ورئيس وزراء كندا يشهدان توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين
#وام
https://t.co/LVO0ocJczl https://t.co/C9pE6M4sRj
— وكالة أنباء الإمارات (@wamnews) October 28, 2026
شراكة استراتيجية شاملة
لم تكن الاتفاقيات الموقعة بين البلدين مجرد تفاهمات تقليدية لتعزيز التعاون الثنائي، بل حملت أبعادًا اقتصادية واستراتيجية غير مسبوقة، تجعل من الممكن وصفها بالتاريخية، إذ تضمنت تعهدًا إماراتيًا بضخ استثمارات تصل إلى نحو 50 مليار دولار أميركي في كندا، بالتزامن مع إعلان إحدى الشركات الإماراتية الدخول في مفاوضات بشأن صفقات تجارية واستثمارية تُقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار أميركي، تشمل قطاعات التعدين والخدمات اللوجستية والطاقة واستثمارات الصناديق السيادية.
كما وقّعت شركة موانئ دبي العالمية مذكرة تفاهم مع شركتين كنديتين لتطوير ممر متكامل للنقل، فيما أبرمت شركة “مصدر” ووزارة الموارد الطبيعية الكندية ترتيبًا للتعاون في قطاع الطاقة.
لم تقتصر أبعاد هذا التقارب على المصالح الاقتصادية والاستثمارية، بل امتدت إلى المجالات الدفاعية والأمنية، في مؤشر على توجه البلدين نحو بناء شراكة استراتيجية أكثر شمولًا؛ إذ شملت التفاهمات مذكرة للتعاون الدفاعي تتضمن التعليم والتدريب العسكري، وإجراء التدريبات المشتركة، وتعزيز التعاون في الأمن السيبراني والصناعات الدفاعية، إلى جانب إنشاء لجنة عسكرية مشتركة لتنسيق أوجه التعاون بين الجانبين.
في ضوء هذه التفاهمات، يُتوقع أن تسهم الاتفاقية في مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العقد المقبل، ليرتفع من نحو 2.45 مليار دولار إلى 5.04 مليارات دولار أميركي، فضلًا عن إتاحة فرص أوسع أمام الشركات الكندية للنفاذ إلى السوق الإماراتية، التي يُقدّر حجم اقتصادها بنحو 700 مليار دولار أميركي، وفقًا لتصريحات وزير التجارة الكندي.
لماذا تجاهلت أوتاوا المعيار القيمي؟
تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن هذا الاتفاق جاء في توقيت تسعى فيه كندا إلى تقليص اعتمادها الاقتصادي والتجاري على السوق الأمريكية، لا سيما في أعقاب الرسوم الجمركية المتصاعدة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي، وتعثر المساعي الرامية إلى التوصل إلى تفاهمات تجارية مع واشنطن.
وعليه كان قد تعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بمضاعفة حجم تجارة بلاده مع الأسواق غير الأمريكية خلال العقد المقبل، متجهًا نحو توسيع شبكة الشراكات الاقتصادية وإبرام اتفاقيات تجارية مع دول في آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا والشرق الأوسط.
في ظل هذه المعطيات، وجدت أوتاوا نفسها أمام تحديات اقتصادية متزايدة، فرضت عليها إعادة النظر في أولويات سياستها التجارية، والبحث عن شركاء جدد يتيحون لها تنويع أسواقها ومصادر استثماراتها، والحد من ارتهان اقتصادها للشريك الأمريكي.
ثم، يمكن قراءة التقارب مع أبوظبي باعتباره ترجمة عملية لهذا التحول في المقاربة الكندية، وانعكاسًا لتوجه أكثر براغماتية تتقدم فيه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على الاعتبارات السياسية الأخرى.
من هذا المنطلق، يبدو أن أوتاوا اختارت غض الطرف عن الانتقادات الحقوقية المتصاعدة الموجهة إلى الإمارات، وهو ما وثقته تقارير المنظمات الدولية، حيث التدهور المستمر في أوضاع الحقوق والحريات خلال السنوات الماضية.
لعل أبرزها تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» لعام 2025، الذي كشف بالأدلة سجل الانتهاكات الإماراتية بحق المعارضين والوافدين والنساء في الداخل، فضلا عن الانتهاكات جراء سياستها الخارجية إزاء بعض الملفات مثل دعم ميلشيا الدعم السريع في السودان.
علاوة عل الانتقادات البيئية المرتبطة بالسياسات الإماراتية في قطاع الطاقة، والتوسع في إنتاج الوقود الأحفوري وما يترتب عليه من تداعيات مناخية، وهي الملفات التي غابت عن الحكومة الكندية أثناء توقيع تلك الاتفاقيات.
التجربة السعودية.. ارتفاع كلفة المواجهة الحقوقية
يبدو أن تجربة كندا السابقة مع السعودية عام 2018 لا تزال تلقي بظلالها على حسابات أوتاوا السياسية، بوصفها تجربة قاسية كشفت عن الكلفة الاقتصادية والدبلوماسية التي قد تترتب على تغليب الاعتبارات الحقوقية والقيمية على المصالح الاستراتيجية، وهو درس يبدو أن صانع القرار الكندي بات أكثر حرصًا على استيعابه، وتجنب تكرار تداعياته في علاقاته مع شركائه الخليجيين.
تعود فصول تلك الأزمة إلى أغسطس/آب 2018، حين أعربت وزيرة الخارجية الكندية آنذاك، كريستيا فريلاند، عن قلقها إزاء اعتقال عدد من الناشطات الحقوقيات في السعودية، من بينهن سمر بدوي، مطالبةً بالإفراج الفوري عنهن، وهو ما اعتبرته الرياض تدخلًا غير مقبول في شؤونها الداخلية، لتدخل العلاقات بين البلدين على إثر ذلك مرحلة من التوتر الدبلوماسي الحاد.
تزامن الحملة #السعودية ضد كندا مع توتر علاقات الأخيرة مع #أمريكا .. هل من علاقة؟#السعودية_تطرد_السفير_الكندي
https://t.co/n8KAasDo7f
رابط بديل https://t.co/QIVCCnqeeM https://t.co/5nfBmoNIrv— نون بوست (@NoonPost) August 7, 2018
في الخامس من الشهر ذاته، ردّت المملكة بسلسلة من الإجراءات التصعيدية التي ألقت بظلالها على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، شملت تجميد التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة، وتعليق برامج الابتعاث السعودي إلى كندا، التي كانت تمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات بالنسبة إلى عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية الكندية، فضلًا عن تقارير تحدثت عن توجيهات ببيع أصول مالية كندية مملوكة لجهات سعودية.
ماذا تريد كندا؟
في إطار مساعيها للبحث عن بدائل اقتصادية وتجارية تقلص اعتمادها على واشنطن، تنظر أوتاوا إلى أبوظبي باعتبارها فرصة استثمارية واستراتيجية يصعب التفريط فيها، بالنظر إلى ما تمتلكه الإمارات من مقومات اقتصادية ومالية يمكن أن تساعد كندا على مواجهة التحديات المتزايدة التي تعترض اقتصادها، سواء تلك الناجمة عن الرسوم الجمركية الأمريكية، أو التداعيات المرتبطة باضطراب أسواق الطاقة والممرات الملاحية وسلاسل الإمداد العالمية، في ظل التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
تأتي في مقدمة المكاسب التي يمكن أن تحققها كندا من هذه الشراكة القدرات الاستثمارية الكبيرة التي تتمتع بها الإمارات، بما تمتلكه أبوظبي من صناديق سيادية ومؤسسات مالية ذات حضور دولي واسع، الأمر الذي يجعلها شريكًا مهمًا في تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
يضاف إلى ذلك الموقع الاستراتيجي للإمارات بوصفها مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، بما يتيح لأوتاوا فرصًا أوسع لتنويع أسواقها، وتعظيم عوائدها التجارية والاستثمارية، وتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط.
من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال هذا التقارب في مجرد توسيع نطاق العلاقات الثنائية بين البلدين، بل يمكن قراءته باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الكندية، في بيئة دولية تتصاعد فيها المنافسة الاقتصادية وتتزايد فيها الضغوط الجيوسياسية، بما يدفع الدول إلى مراجعة تحالفاتها وشراكاتها وإعادة التموضع وفق مقاربات أكثر براغماتية، تتقدم فيها حسابات المصالح والمكاسب الاستراتيجية على الاعتبارات السياسية والقيمية الأخرى.
– أثار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جدلًا واسعًا بعدما رفضت حكومته تحديد ما إذا كان سيطرح مع الإمارات قضية شحنات السلاح إلى مليشيا الدعم السريع خلال زيارته إلى أبوظبي.
– تجاهلت الحكومة تقديم رد مباشر حول قبولها نفي الإمارات، بينما أكدت أن كارني سيناقش ملفات السلام الإقليمي بما فيها حرب السودان.
– حثّت جماعات حقوقية وناشطون كارني على ممارسة الضغط على الإمارات لوقف دعمها للميليشيا المتهمة بارتكاب مجازر في دارفور.
– صعّد نشطاء سودانيون مطالبهم بعدما وثّقت تقارير عديدة أدلة على دعم عسكري إماراتي يشمل الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة.
– ازداد الضغط الدولي بعدما لمح وزير الخارجية الأميركي إلى تورط الإمارات في تمويل وتسليح المليشيا، مؤكدًا أن ميليشيا الدعم السريع لا تستطيع تصنيع سلاحها بنفسها.
– طالبت منظمات دولية بضرورة أن تدين كندا دعم الإمارات لقوات الدعم السريع وتعليق التعاون الأمني معها، بينما حذّر وزير الخارجية الأمريكي من أن عملية السلام لن تكون “درعًا” تتخفى خلفه الدول المتورطة في التسليح.
— نون بوست (@NoonPost) November 18, 2025
شراء النفوذ بالمال.. ماذا عن أبو ظبي؟
على الجانب الآخر، لا يمكن النظر إلى استعداد الإمارات لضخ استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار في كندا باعتباره توجهًا اقتصاديًا مجردًا من الحسابات السياسية والاستراتيجية، إذ تنظر أبوظبي إلى هذه الشراكة من منظور براغماتي يقوم على توظيف أدواتها المالية والاستثمارية لتعظيم مكاسبها وتعزيز نفوذها الدولي، وبناءً على ذلك، فإن التعاون مع أوتاوا لا يقتصر على العوائد الاقتصادية المباشرة، بل ينطوي على جملة من المكاسب السياسية والاستراتيجية التي تسعى الدولة الخليجية إلى تحقيقها على المديين المتوسط والبعيد.
يأتي في مقدمة هذه المكاسب تعزيز المكانة الدولية للإمارات وتوسيع دائرة الاعتراف بثقلها السياسي والاقتصادي، فالشراكة مع دولة بحجم كندا، العضو في مجموعة السبع، من شأنها ترسيخ حضور أبوظبي داخل شبكات الاقتصاد والسياسة الدولية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة تبني أوتاوا لمواقفها وسياساتها.
إلى جانب ذلك، قد تسهم المصالح الاقتصادية المتشابكة في تخفيف حدة الضغوط والانتقادات الحقوقية الموجهة إلى الإمارات، عبر تكريس مقاربة تقوم على تغليب المصالح المشتركة وإدارة الخلافات بدلًا من تصعيدها؛ فكلما تعمقت الروابط الاقتصادية والاستثمارية، ازدادت فرص استمرار التعاون رغم التباينات السياسية والحقوقية القائمة.
فضلًا عن ذلك، فإن توسيع شبكة الشراكات مع القوى الغربية، وفي مقدمتها كندا والولايات المتحدة، يمنح أبوظبي هامشًا أوسع للمناورة في علاقاتها الخارجية، ويعزز قدرتها على تنويع خياراتها الدولية وترسيخ استقلاليتها الاستراتيجية في بيئة عالمية تتسم بتزايد الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى، خاصة في ظل الانتقادات الأخيرة التي تتعرض لها جراء سياساتها الخارجية إزاء العديد من الملفات.
مستقبل العلاقات الدولية.. إعادة تموضع
لا يبدو أن هذا التوجه القائم على تغليب البراغماتية الاقتصادية يقتصر على كندا وحدها، بل يعكس تحولًا أوسع في مقاربات عدد من القوى الغربية، التي باتت تمنح المصالح الاقتصادية والاستراتيجية أولوية متزايدة، ولو على حساب التزاماتها الحقوقية المعلنة. ولعل من أبرز تجليات هذا التحول قرار الولايات المتحدة الإفراج عن المساعدات العسكرية المخصصة لمصر، متجاوزةً الشروط الحقوقية المرتبطة بجزء منها، تحت مبررات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية المشتركة.
وهي مقاربة يمكن رصد ملامح مشابهة لها في سياسات قوى غربية أخرى، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، حيث تتراجع الاعتبارات الحقوقية في كثير من الأحيان أمام مقتضيات المصالح الجيوسياسية، بما يثير تساؤلات جدية بشأن اتساق الخطاب الغربي الداعم لحقوق الإنسان مع ممارساته الفعلية، ومدى خضوع المبادئ الحقوقية لحسابات المصالح والتحالفات.
ومن هنا يمكن قراءة هذه الشراكة الإماراتية الكندية، رغم الانتقادات المستمرة للسجل الحقوقي لأبو ظبي، باعتبارها نموذجًا كاشفًا لطبيعة التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية مع الاعتبارات السياسية والقيمية، وتتراجع قدرة الملفات الحقوقية على التأثير في مسارات التعاون والشراكات الاستراتيجية.
وهو توجه قد تتسع ملامحه خلال المرحلة المقبلة، بما يعيد رسم خريطة العلاقات والتحالفات الدولية وفق معادلة تتقدم فيها المصالح الاقتصادية على الالتزامات الحقوقية، والمكاسب الاستراتيجية على المبادئ المعلنة، والبراغماتية السياسية على الخطاب الإنساني، الأمر الذي يضع مصداقية المنظومة الحقوقية الدولية أمام اختبار متزايد.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر