حاورته: لامية اورتيلان

في الذكرى السبعين لاختطاف طائرة قادة الثورة الجزائرية الخمسة، في 22 أكتوبر 1956، تفتح "الخبر" هذا الملف التاريخي من خلال حوار مع البروفيسور سفيان لوصيف، لتسليط الضوء على واحدة من أبرز المحطات السياسية والدبلوماسية في تاريخ الثورة التحريرية، والتي تجاوزت تداعياتها حدود اعتقال خمسة من أبرز رموز الحركة الوطنية، لتطال مسار العلاقات المغاربية ومكانة القضية الجزائرية على الساحة الدولية. ويتناول الحوار الظروف التاريخية والسياسية التي سبقت العملية، وخلفيات اعتراض الطائرة المغربية التي كانت تقل أحمد بن بلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد، إلى جانب مصطفى الأشرف، أثناء توجههم من الرباط إلى تونس، فضلا عن الأهداف الفرنسية من العملية وانعكاساتها على التنظيم الثوري والعلاقات بين الجزائر والمغرب وتونس، وصولاً إلى الجوانب التي لا تزال تثير النقاش بشأن ظروف التخطيط للاختطاف والمسؤوليات السياسية والعسكرية المرتبطة به.

في الذكرى السبعين لاختطاف طائرة قادة الثورة الجزائرية الخمسة، في 22 أكتوبر 1956، تفتح جريدة "الخبر" هذا الملف التاريخي من خلال حوار مع البروفيسور سفيان لوصيف، لتسليط الضوء على واحدة من أبرز المحطات السياسية والدبلوماسية في تاريخ الثورة التحريرية، والتي استهدفت خمسة من أبرز رموز الحركة الوطنية أثناء توجههم من الرباط إلى تونس للمشاركة في اللقاء المغاربي المقرر عقده يوم 23 أكتوبر 1956. ويتناول الحوار خلفيات العملية وظروف تنفيذها، والأهداف الفرنسية من اعتراض الطائرة المغربية التي كانت تقل أحمد بن بلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد، إلى جانب مصطفى الأشرف، فضلاً عن تداعيات الاعتقال على قيادة الثورة والعلاقات المغاربية، وما لا يزال يثيره الحادث من تساؤلات تاريخية بشأن المسؤوليات السياسية والاستخباراتية.

كيف يمكن وضع حادثة اختطاف طائرة القادة الخمسة يوم 22 أكتوبر 1956 في سياقها التاريخي والسياسي؟ وما الظروف التي أحاطت بالثورة التحريرية في تلك المرحلة داخلياً وخارجيا؟

يمكن وضع حادثة اختطاف القادة الخمسة ضمن سياق تاريخي وسياسي تميز بتحولات عميقة في مسار الثورة التحريرية، فقد جاءت العملية في مرحلة أصبحت فيها الثورة قوة وطنية منظمة، استطاعت فرض نفسها عسكرياً وسياسياً، وبدأت تحقق حضوراً دبلوماسياً متزايدا على الساحتين الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن اختطاف القادة الخمسة كان استهدافاً لأحد أهم أوجه النشاط السياسي الخارجي لجبهة التحرير الوطني، في وقت كانت فرنسا تواجه صعوبة متزايدة في احتواء الثورة بالوسائل العسكرية وحدها.

فعلى الصعيد الداخلي، شهدت الثورة خلال سنتي 1955 و1956 تطورات حاسمة، بدءاً بهجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 التي ساهمت في توسيع نطاق المواجهة وإبراز الطابع الشعبي للثورة، وصولاً إلى انعقاد مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 الذي وضع أسساً تنظيمية وسياسية وعسكرية جديدة، وأفرز مؤسسات قيادية هدفت إلى توحيد العمل الثوري وتعزيز فعاليته. ورغم بروز بعض التباينات بين قيادات الداخل والخارج بشأن أساليب القيادة والعمل السياسي، فإن الثورة كانت قد قطعت أشواطاً مهمة في بناء تنظيم قادر على الاستمرار ومواجهة الضغوط الاستعمارية.

وفي المقابل، صعّدت حكومة غي موليه عملياتها العسكرية وعززت قواتها في الجزائر، لكنها حاولت إيجاد قنوات اتصال غير رسمية مع ممثلين عن جبهة التحرير الوطني. أما خارجياً، فقد تعززت مكانة القضية الجزائرية في ظل تصاعد حركات التحرر الوطني بعد مؤتمر باندونغ سنة 1955، وتنامي دور الدول العربية والآسيوية والإفريقية في الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما شكل الدعم المصري للثورة عنصراً أساسياً في نشاطها الخارجي، خاصة مع تصاعد التوتر بين القاهرة وباريس عقب تأميم قناة السويس في جويلية 1956، وما ترتب عليه من اشتداد الصراع حول النفوذ في المنطقة.

ما أهمية اللقاء المغاربي الذي كان مقررا عقده في تونس يوم 23 أكتوبر 1956؟ وما الأهداف السياسية التي كانت جبهة التحرير الوطني تسعى إلى تحقيقها؟

اكتسب اللقاء المغاربي أهمية سياسية ودبلوماسية بالغة، لأنه جاء في مرحلة أعقبت استقلال دول مغاربية، بينما كانت الجزائر تواصل كفاحها المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. وكان اللقاء يمثل محاولة للانتقال بالتضامن المغاربي مع الثورة الجزائرية من مستوى التأييد الشعبي والمواقف الرسمية إلى مستوى التنسيق الدبلوماسي المشترك، وإعادة إحياء مشروع الوحدة المغاربية الذي ارتبط تاريخياً بنضال شعوب المنطقة ضد الاستعمار.

وبالنسبة إلى جبهة التحرير الوطني، فقد شكلت المشاركة فرصة إستراتيجية لتكريس شرعيتها السياسية بوصفها الممثل الفعلي للقضية الجزائرية، وانتزاع اعتراف مغاربي أكثر وضوحاً بمكانتها، في مواجهة السياسة الفرنسية التي كانت تصرّ على اعتبار الجزائر جزءاً من ترابها الوطني. كما سعت الجبهة إلى تعزيز الدعم المغربي والتونسي للثورة، والتأكيد على أن استقلال الجزائر لم يكن قضية جزائرية معزولة، بل شرطاً أساسياً لاستكمال تحرر المغرب العربي وضمان استقراره.

وتبرز أهمية اللقاء أيضا في ارتباطه بالاتصالات السياسية السرية التي جرت خلال سنة 1956 بين ممثلين عن جبهة التحرير الوطني ووسطاء فرنسيين، لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية للحرب. فقد كانت الجبهة تسعى إلى تعزيز موقعها التفاوضي وضمان ألا تتحول الوساطة المغربية والتونسية إلى وسيلة لفرض حلول جزئية لا تستجيب لمطلب الاستقلال الكامل، في حين كانت القيادتان المغربية والتونسية تبحثان عن مخرج سياسي يضع حداً للحرب ويخفف انعكاساتها على استقرار بلديهما حديثي الاستقلال.

كيف جرى التخطيط لاعتراض الطائرة؟ وما المعطيات التاريخية التي تكشف عن ظروف تنفيذ العملية؟

تكشف المعطيات التاريخية أن اختطاف طائرة القادة الخمسة يوم 22 أكتوبر 1956 لم يكن عملية عفوية، بل جاء نتيجة متابعة استخباراتية فرنسية لتحركات الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، في وقت كانت السلطات الاستعمارية تسعى إلى إضعاف القيادة السياسية للثورة وعرقلة نشاطها الدبلوماسي. فقد كانت أجهزة الاستعلامات الفرنسية على علم بالاتصالات التي أجراها القادة الجزائريون في مدريد والرباط، وباللقاءات التي جمعتهم بالسلطات المغربية تحضيراً للمؤتمر المغاربي المرتقب في تونس.

وقد شكل تغيير ترتيبات سفر الوفد الجزائري عنصراً حاسماً في تنفيذ العملية، فبعدما كان مقرراً أن يسافر القادة برفقة الملك محمد الخامس، جرى تخصيص طائرة مغربية مستقلة لهم من طراز "دوغلاس DC-3"، تابعة للشركة الشريفة للنقل الجوي، ويقودها طاقم فرنسي. وكان خط الرحلة يمر عبر جزيرة مايوركا الإسبانية قبل التوجه إلى تونس، لتجنب المجال الجوي الجزائري الخاضع للسيطرة الفرنسية.

وتشير المصادر الفرنسية إلى مشاركة مسؤولين من أجهزة الاستخبارات والقيادة العسكرية في الجزائر في إعداد العملية، بالتنسيق مع بعض المسؤولين العسكريين والسياسيين الفرنسيين. كما تؤكد المعطيات أن القيادة العسكرية كانت على علم بتحركات الوفد منذ 21 أكتوبر على الأقل، وأن الاستعدادات العملية للاعتراض اتخذت صباح 22 أكتوبر. وبعد وصول الطائرة إلى مايوركا، صدرت تعليمات فرنسية إلى قائدها بتغيير وجهتها نحو الجزائر، بينما قامت طائرات عسكرية فرنسية بمرافقتها من مسافة تسمح بعدم لفت انتباه الركاب.

وقد نجحت العملية عندما هبطت الطائرة في مطار الجزائر، حيث كانت القوات الفرنسية قد أعدت ترتيبات أمنية لاعتقال القادة الخمسة الذين لم يدركوا حقيقة تحويل مسار الرحلة إلا عند وصولهم. وتبقى مسألة تحديد المسؤوليات الدقيقة داخل هرم السلطة الفرنسية موضع نقاش تاريخي، خصوصاً بشأن مستوى العلم المسبق لدى رئيس الحكومة غي موليه، إذ تشير مصادر فرنسية إلى أن القرار اتخذ أساسا داخل الدوائر الاستخباراتية والعسكرية، قبل أن تتبنى السلطات السياسية نتائجه لاحقا.

كيف أثر اعتقال القادة الخمسة في قيادة الثورة الجزائرية؟ وما الأدوار السياسية والتنظيمية التي كانوا يؤدونها في الخارج؟

شكّل اعتقال أحمد بن بلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد ومصطفى الأشرف ضربة سياسية وتنظيمية مهمة لجبهة التحرير الوطني، خاصة أنه استهدف شخصيات كانت تؤدي أدواراً محورية في النشاط الخارجي للثورة، وتتمتع برصيد نضالي وعلاقات سياسية ودبلوماسية واسعة.

فقد كان أحمد بن بلة من أبرز المسؤولين عن تنظيم الدعم الخارجي للثورة، ولاسيما التنسيق مع مصر والعمل على توفير الأسلحة وإيصالها إلى الداخل الجزائري، أما محمد بوضياف، فكان أحد أبرز مهندسي التحضير لاندلاع الثورة وعضواً مؤسساً في المجموعة التاريخية التي قادت التحضير لأول نوفمبر 1954، وأسهم في التنسيق السياسي والتنظيمي بين مختلف مكونات الحركة الثورية.

بينما اضطلع محمد خيضر بدور بارز في النشاط السياسي للوفد الخارجي، مستفيداً من خبرته الحزبية والبرلمانية وعلاقاته في الأوساط العربية والدولية.

وتميز حسين آيت أحمد بنشاطه الدبلوماسي، خاصة في التعريف بالقضية الجزائرية لدى الأوساط الآسيوية والإفريقية والأمم المتحدة، وقد شارك في التحركات المرتبطة بمؤتمر باندونغ سنة 1955 الذي ساهم في فتح آفاق جديدة أمام تدويل القضية الجزائرية.

أما مصطفى الأشرف، فقد أدى دوراً فكرياً وإعلامياً مهماً من خلال نشاطه الثقافي والسياسي ومساهمته في التعريف بالقضية الجزائرية والدفاع عن مشروعها التحرري في الأوساط الفكرية والصحفية.

وقد ترتب على غيابهم المفاجئ تعطيل بعض الاتصالات السياسية والمبادرات الدبلوماسية، وفي مقدمتها المشاركة في اللقاء المغاربي بتونس، فضلاً عن حرمان الجبهة من خبراتهم وشبكات علاقاتهم. غير أن تأثير الاعتقال ينبغي فهمه في ضوء التحولات التنظيمية التي أحدثها مؤتمر الصومام في أوت 1956، إذ أصبحت الثورة تتوفر على مؤسسات قيادية، أبرزها المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ، بما سمح باستمرار العمل الثوري رغم غياب هؤلاء المسؤولين.

ومن الناحية السياسية، أحدثت العملية صدمة في الأوساط الوطنية والمغاربية، لكنها لم تحقق الهدف الأوسع المتمثل في إضعاف الثورة بصورة حاسمة، فقد استمرت القيادة الثورية في نشاطها، وتواصل العمل المسلح والتحرك الدبلوماسي، بينما أثار اعتقال القادة الخمسة موجة من الاستنكار ساهمت في تسليط مزيد من الاهتمام الدولي على القضية الجزائرية.

هل استطاعت فرنسا من خلال اعتقال هؤلاء القادة التأثير في مسار الثورة، وكيف تعاملت القيادة الداخلية مع تداعيات العملية؟

كان الهدف الأساسي للسلطات الفرنسية توجيه ضربة قوية للقيادة السياسية الخارجية لجبهة التحرير الوطني، وإضعاف نشاطها الدبلوماسي ومحاولة الحد من اتساع الدعم الإقليمي والدولي للثورة، بعدما أدركت فرنسا أن القضية الجزائرية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية داخلية، بل أصبحت قضية تحرر وطني تفرض حضورها على الساحة الدولية.

كما حملت العملية بعداً استراتيجياً تمثل في محاولة إبقاء القضية الجزائرية ضمن الإطار الداخلي الفرنسي، ومنع الاعتراف بجبهة التحرير الوطني طرفاً سياسياً مستقلاً. غير أن نتائج الاختطاف جاءت مغايرة لهذه الحسابات على المدى البعيد، فصحيح أن فرنسا نجحت في إبعاد خمسة من أبرز رموز الثورة، وأحدثت فراغاً نسبياً في بعض مجالات التنسيق السياسي والدبلوماسي، لكنها لم تتمكن من شل القيادة الثورية أو وقف الكفاح المسلح، خاصة أن الثورة كانت قد قطعت شوطاً مهماً في تنظيم مؤسساتها عقب مؤتمر الصومام في أوت 1956.

وقد تمكنت قيادة الثورة من مواصلة نشاطها العسكري والسياسي، رغم ما أحدثه الاعتقال من ارتباك في الاتصالات الخارجية وتعطيل لبعض المبادرات الدبلوماسية، كما أثارت العملية استنكاراً واسعاً استثمرته جبهة التحرير الوطني في فضح السياسة الاستعمارية الفرنسية وتعزيز حضور القضية الجزائرية على المستوى الدولي.

غير أن الحادثة لم تكن بعيدة عن الإشكالات التنظيمية التي كانت تواجه الثورة آنذاك، خاصة أن العلاقة بين قيادات الداخل والخارج شهدت تباينات منذ مؤتمر الصومام، بسبب غياب الوفد الخارجي عن أشغاله واختلاف بعض التصورات بشأن توزيع الصلاحيات وأولويات العمل السياسي والدبلوماسي، وقد جاء الاعتقال ليزيد صعوبة معالجة هذه التباينات بالحوار المباشر، ويحرم الثورة من خبرات سياسية وتنظيمية.

واستمر النشاط الثوري والسياسي رغم العملية، وصولاً إلى تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1958.

ما موقف السلطات التونسية من الحادثة، في ظل استعدادها لاستضافة اللقاء المغاربي؟

اتخذت السلطات التونسية موقفاً حازماً من حادثة اختطاف القادة الخمسة يوم 22 أكتوبر 1956، واعتبرتها اعتداءً خطيراً على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية للقضية الجزائرية، وضربة للثقة التي كانت قد بدأت تتشكل بين الحكومتين التونسية والفرنسية.

فقد كان الحبيب بورڤيبة يعول على اللقاء المغاربي المرتقب بتونس لتقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف لمبادرة سياسية تضع حداً للحرب الجزائرية، ولذلك أثارت العملية استياء شديداً لدى القيادة التونسية التي رأت فيها محاولة لإفشال المساعي المغاربية وإضعاف مصداقية الوساطة السياسية.

وقد عبر بورڤيبة عن إدانته للعملية في تصريحاته الصحفية يوم 23 أكتوبر، مؤكداً أن اعتقال القادة لن يوقف الثورة الجزائرية، بل سيؤدي إلى تعميق التوتر وتقويض الثقة في الالتزامات الفرنسية. ولم يقتصر الموقف التونسي على الاحتجاج السياسي، بل شمل استدعاء سفير تونس من باريس، إلى جانب ردود فعل شعبية تمثلت في المظاهرات والإضرابات والتنديد بالسياسة الفرنسية.

إلى أي مدى تساعدنا المذكرات الشخصية، خصوصاً شهادة أحمد بن بلة، على فهم ما جرى داخل الطائرة؟ وهل لا تزال هناك جوانب غامضة تستدعي مزيداً من البحث الأرشيفي؟

تكتسي المذكرات الشخصية أهمية بالغة في فهم ملابسات اختطاف طائرة القادة الخمسة يوم 22 أكتوبر 1956، لأنها تتيح إعادة بناء الأحداث من زاوية الأشخاص الذين عاشوها مباشرة، وتكشف تفاصيل يصعب العثور عليها في الوثائق الرسمية، خاصة ما يتعلق بالأجواء داخل الطائرة وتصرفات طاقمها وردود فعل القادة الجزائريين.

وتبرز شهادة أحمد بن بلة بوصفها مصدراً تاريخياً مهماً، لأنه كان أحد ضحايا العملية، وقد روى حالة القلق التي انتابته منذ تغيير ترتيبات السفر وفصل الوفد الجزائري عن الطائرة الملكية، وصولاً إلى شعوره بالريبة أثناء الرحلة. كما أشار إلى تصرفات المضيفة التي أثارت شكوكه، وإلى ملاحظته تغير اتجاه الطائرة بعد توقفها في جزيرة مايوركا، ومحاولته الاستفسار عن ذلك قبل أن يكتشف القادة أنهم وقعوا في قبضة السلطات الفرنسية بمطار الجزائر.

وتسمح هذه الشهادة بفهم الجانب الإنساني والنفسي للحادثة، كما تكتسب أهميتها من إمكانية مقارنتها بشهادات الصحفيين الذين كانوا على متن الطائرة، وبالتقارير الصحفية الفرنسية المعاصرة التي أكدت أن الطاقم تلقى تعليمات بتغيير الوجهة نحو الجزائر، وأن الركاب لم يكونوا على علم بحقيقة المسار الجديد. وتظل هناك جوانب تستدعي مزيداً من البحث الأرشيفي، خصوصاً فيما يتعلق بتسلسل اتخاذ القرار والمسؤوليات السياسية والعسكرية.

هل تثير ظروف تغيير ترتيبات سفر القادة الخمسة، والدور الذي أداه الأمير الحسن في التحضير للرحلة، تساؤلات بشأن احتمال تورطه في عملية الاختطاف بالتواطؤ مع الأجهزة الفرنسية؟

تظل مسألة احتمال تورط الأمير الحسن الذي أصبح لاحقاً الملك الحسن الثاني، من أكثر الجوانب إثارة للجدل في حادثة اختطاف القادة الخمسة يوم 22 أكتوبر 1956، بالنظر إلى الظروف المريبة التي أحاطت بترتيبات الرحلة.

فقد كان مقررا أن يسافر القادة الجزائريون رفقة الملك محمد الخامس إلى تونس، قبل أن تتغير الترتيبات ويخصص لهم طائرة مستقلة يقودها طاقم فرنسي، وهو تغيير سهل عمليا تنفيذ عملية الاختطاف. وتزداد التساؤلات أهمية بالنظر إلى الدور الذي اضطلع به الأمير الحسن في الاتصالات السابقة مع الوفد الجزائري، وعلاقاته بالأوساط السياسية الفرنسية، فضلا عن الروايات التي اتهمت بعض الشخصيات المحيطة بالقصر الملكي بتسهيل وصول المعلومات المتعلقة بالرحلة إلى الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية.