د. مارون مخول
ليس أكثر إثارةً للمفارقة من أن يتحوّل مطار دولي، يفترض أن يكون الواجهة البلّوريّة للوطن أمام العالم، إلى مرفقٍ مهدّدٍ بالعتمة، تتراكم عليه فواتير الكهرباء، على رغم الإيرادات المرتفعة التي يحقّقها، والرسوم الباهظة التي يتحمّلها المسافرون، والكلفة المرهقة التي يدفعونها لقاء السفر.
إنها مفارقة لبنانيّة بامتياز: مطار يستقبل آلاف المسافرين يوميّاً، ويشكّل شرياناً اقتصاديّاً وسياحيّاً أساسيّاً، ويحقّق إيراداتٍ بمئات ملايين الدولارات، ثم يجد نفسه أمام أزمة كهرباء. وهنا لا تعود المسألة مجرّد عجزٍ عن تسديد فاتورة، بل سؤالاً عن إدارة المال العام، وعن المسافة التي تفصل بين ما تجبيه الدولة وما تستطيع تأمينه من خدمات.
في أواخر تشرين الأوّل 2026، انقطعت التغذية الكهربائيّة عن مطار رفيق الحريريِ الدولي لساعات، واضطرّت إدارته إلى الاعتماد على المولّدات الاحتياطيّة. وأعلنت رئاسة المطار أنّها أجرت مراجعاتٍ مع مؤسّسة كهرباء لبنان لمعرفة أسباب الانقطاعِ وموعد إعادة التغذية. في المقابل، عزت المؤسّسة الانقطاع إلى عطلٍ في أنظمة الاتصالات التي تخدم مركز التحكّم الموقّت بالشبكة، وأعلنت معالجة العطل وإعادة التغذية.
غير أنّ تزامن الحادثةِ مع إعلان مؤسّسة كهرباء لبنان عزمها على قطع التيّار عن المؤسّسات العامّة المتخلّفة عن تسديد مستحقّاتها، أعاد إلى الواجهة ملفَ المتأخّرات الماليّة على المطار، التي أشارت تقارير صحافيّة إلى بلوغها نحو 22.8 مليون دولار.
وهنا تبرز المفارقة الأشدُ دلالةً: كيف لمرفقٍ يحقّق إيراداتٍ مرتفعة أن يعجز عن تسديد فواتير الكهرباء؟
بحسب تصريحِ المدير العامِ للمطار محمد شاتيلا، بلغت إيرادات المطار نحوَ 330 مليون دولارٍ عام 2025، إلّا أنّ هذه الإيرادات تحول مباشرةً إلى الخزينة العامّة، فيما تتولّى وزارة المال تسديد الفواتير. وبذلك، لا تملك إدارة المطار حريّة التصرّف المباشر بإيراداتها لتغطية نفقاتها التشغيليّة، على رغم مسؤوليّتها عن ضمان استمراريّة العمل.
وهنا تكمن عقدة المسألة: إيرادات تجبى باسم المرفق، والتزامات تقع على عاتقه، فيما تبقى آليّة الإنفاق موزّعةً بين جهاتٍ إدارية متعدّدة. إنّها فجوة بين الصلاحيّة والمسؤولية، تجعل انتظام المرفق رهينة التحويلات والتسويات، بدلاً من أن يكون نتيجة نظامٍ ماليّ واضحٍ ومتماسك.
وتزداد المفارقة وضوحاً مع تقدير فاتورة الكهرباء بنحو مليون دولار شهرياً، أي قرابة 12 مليون دولار سنوياً، في حين أشارت المعلومات المنشورة إلى رصد اعتماداتٍ تقلّ عن هذه الكلفة في موازنة عام 2026. وهذا التفاوت يستدعي مراجعة الاعتمادات الماليّة على أساس الاستهلاك الفعلي، منعاً لتراكم الديون وتحويل النقص في التقدير إلى أزمةٍ متجدّدة.
أمّا رسوم السفر وأسعار التذاكر المرتفعة، فتطرح سؤالاً مشروعاً عن حق المسافر في الحصول على خدماتٍ تتناسب مع ما ينفقه لقاء رحلته. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الرسوم التي تدخل في إيرادات المطار، والضرائب والبدلات التي تستوفيها جهات أخرى، وأسعار التذاكر التي تحدّدها شركات الطيران. فليس كلّ ما يدفعه المسافر يعود إلى إدارة المطار، لكن من حقه معرفة أوجه إنفاق الأموال التي تجبى باسم المرافق العامّة.
ولا تكمن خطورة الأزمة في انقطاع الكهرباء لساعاتٍ فحسب، بل في احتمال تكرارها. فالمطار ليس مبنى إدارياً يمكن تعطيل عمله، بل منظومة متكاملة ترتبط بسلامة الطيران والاتصالات والمراقبة والإضاءة والتفتيش وحركة المسافرين والأمتعة. أمّا المولّدات الاحتياطية، مهما بلغت ضرورتها، فلا تشكّل بديلاً دائماً من التغذية العامة، إذ إنّ تشغيلها يرفع الكلفة ويزيد الضغط على التجهيزات.
كما أنّ أيّ اضطرابٍ متكرّر في عمل المطار لا يبقى محصوراً بأسواره، بل يمتدّ أثره إلى شركات الطيران والسياحة والفنادق والتجارة وحركة المغتربين والوافدين، فضلاً عن صورة لبنان أمام العالم. فالمطار ليس مجرّد محطة عبور، بل نافذة اقتصادية ووطنية، ومرآة تعكس انتظام المؤسسات وقدرتها على أداء وظائفها.
تتداخل في هذه الأزمة أسباب متعدّدة، أبرزها ضعف التنسيق المالي بين وزارتي المال والأشغال العامة والنقل ومؤسسة كهرباء لبنان وإدارة المطار، وتحويل الإيرادات إلى الخزينة من دون ضمان تدفّقاتٍ منتظمة لتغطية نفقات التشغيل، فضلاً عن عدم مواءمة الاعتمادات مع الكلفة الفعلية، واستمرار أزمة الكهرباء الوطنية.
ولا تكون المعالجة بتبادل المسؤوليات، بل بخطواتٍ عملية واضحة، أهمّها:
أوّلاً، تسوية المتأخّرات المستحقّة لمؤسسة كهرباء لبنان، منعاً لتحويل الخلاف المالي إلى تهديدٍ لمرفق حيوي.
ثانياً، وضع آلية قانونية تتيح تخصيص جزءٍ واضح ومنتظم من إيرادات المطار لنفقاته التشغيلية الأساسية، تحت رقابة مالية شفافة.
ثالثاً، مراجعة الموازنات وفق الاستهلاك الفعلي، مع اعتمادٍ احتياطي للطوارئ يضمن استمراريّةَ العمل.
رابعاً، الاستثمار في الطاقة الشمسية وأنظمة التخزين، بحيث تسمح الدراسات الفنية ومعايير سلامة الطيران، بتقليل الاعتماد على الشبكة العامة وخفض النفقات مستقبلاً.
خامساً، نشر تقارير دورية عن الإيرادات والرسوم والنفقات والمتأخّرات، بما يوضح للرأي العام كيفية إدارة الأموال والجهات المسؤولة عن تسديد المستحقّات.
إنّ ما حدث في مطار بيروت يتجاوز أزمة الكهرباء إلى سؤالٍ جوهري عن إدارة المرافق العامة: هل يعقل أن تجبى الإيرادات من جهة، فيما تعجز الجهة المسؤولة عن التشغيل عن تأمين نفقاتها الأساسية؟ وهل يجوز أن تبقى استمراريّة مرفقٍ حيوي رهينة تأخّر التحويلات والتجاذبات الإدارية؟
ليس المطلوب إعفاء المطارِ من التزاماته، ولا مطالبة مؤسّسة كهرباء لبنان بالتنازل عن حقوقها، بل وضع كلِ جهةٍ أمام مسؤوليّتها، وتأمين التوازن بين الإيرادات والنفقات، وبين الصلاحيّات والواجبات. فالإدارة الرشيدة لا تقاس بما تجبيه المؤسّسات فحسب، بل بقدرتها على تحويل ما تجبيه إلى خدمةٍ عامّةٍ مستدامة.
فمطار رفيقِ الحريريِّ الدوليُ ليس مجرّد محطّة عبور، بل واجهة لبنان ومرآة انتظام مؤسّساته. وحين تنطفئ أنواره بسبب فواتير غير مسدّدة، لا تكون العتمة في صالاته ومدرّجاته وحدها، بل في الرؤية الإداريّة التي لم تستطع أن تصل بين ما تجبيه الدولة وما تلتزم تأمينه.
فأي معنى لإيراداتٍ لا تستطيع أن تحمي المرفق الذي يحقّقها؟ وأي صورةٍ يحملها لبنان إلى العالم، حين يدفع المسافر كلفة عبوره، فيما تعجز الدولة عن ضمان إنارة بوابته؟
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر