تؤثر المعاناة من اكتئاب ما بعد الولادة في شريحة واسعة من الأمهات الجدد، وبسبب خطورة تداعياته التي وصلت في بعض الأحيان إلى تسجيل حوادث عنف متفرقة حول العالم؛ فقد تزايد الاهتمام الطبي بنشر الوعي حول مخاطره، الأمر الذي جعل الأطباء يشددون على أهمية تقديم الرعاية المتكاملة للأم خلال فترة النفاس لضمان سلامتها النفسية وحماية طفلها.
إذا كان اكتئاب ما بعد الولادة خطراً يهدد الأم والطفل أيضاً فيجب أن تعرف كل أم أن تجارب طفولتها لها دورها في احتمالات إصابتها بالاكتئاب بعد أن تصبح أماً، ولذلك فقد التقت "سيدتي وطفلك"، في حديث خاص بها؛ الاستشارية النفسية المعتمدة الدكتورة نسرين المصري، حيث أشارت إلى العلاقة بين تجارب الطفولة القاسية للأم وإصابتها باكتئاب ما بعد الولادة وطرق لتجاوز أعراض هذا الاكتئاب والوقاية من مضاعفاته، وذلك في الآتي.

ما العلاقة بين تجارب الطفولة للأم واحتمالات إصابتها باكتئاب ما بعد الولادة؟

  • اعلمي أن الدراسات الحديثة تشير إلى علاقة طردية بين تجارب الطفولة القاسية التي عاشتها الأم وبين إصابتها باكتئاب ما بعد الولادة ورحلة الأمومة، حيث تشير الدراسات التحليلية -مثل مراجعة علمية حديثة عام 2024 نُشرت في Sage Journals- إلى أن تجارب الطفولة السلبية ترفع خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة بمقدار الضعف تقريباً.
  • لاحظي أن هناك تأثيراً تراكمياً "Dose-Response" لهذه الصدمات والتجارب، حيث إنه كلما زاد عدد أنواع الصدمات أو الإساءات التي تعرضت لها الأم في طفولتها، ارتفعت احتمالات تعرضها إلى الاكتئاب أو قلق حاد خلال فترة الحمل وبعد الولادة.
  • اعلمي أن من بعض أنواع تجارب الطفولة القاسية التي مرت بها الأم وتركت أثراً سلبياً في تجربة أمومتها شخصياً: تعرضها للحرمان العاطفي بسبب طلاق الوالدين مثلاً، وكثرة المشاكل بين الزوجين، إضافة إلى الأثر النفسي الذي يتركه انتقال العائلة إلى منزل جديد، وكذلك تعرض الطفلة لإساءات لفظية وعاطفية.
  • لاحظي أن هذه التجارب قد أُجريت على عينة من نحو 143 امرأة، وقد ظهرت عليهن أعراض اكتئاب ما بعد الولادة في الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، علماً أن هناك دراسات كثيرة قد توصلت إلى أن اكتئاب ما بعد الولادة لا يحدث لهذا السبب فقط.

التفسير العلمي للعلاقة بين تجارب الطفولة القاسية للأم وإصابتها باكتئاب ما بعد الولادة

  • اضطراب استجابة التوتر: الصدمات المبكرة تعيد تشكيل الدماغ وتؤثر في مناطق تنظيم المشاعر والتحكم بهرمونات التوتر "مثل الكورتيزول"؛ ما يجعل الأم أقل قدرة على تحمل الضغوط النفسية الهائلة المصاحبة للولادة ورعاية المولود.
  • أنماط التعلق الضعيفة: قد تُواجه النساء اللواتي عانين من صدمات طفولية صعوبات في بناء أنماط تعلق آمنة؛ ما يشكل عبئاً إضافياً عند محاولة التواصل العاطفي مع الطفل الجديد.
  • العوامل الوسيطة: تلعب عوامل أخرى دوراً في ربط الطرفين، مثل نقص الدعم الاجتماعي أو التعرض لعنف من الشريك الحميم في مرحلة البلوغ.

أعراض اكتئاب ما بعد الولادة غير المقلقة

  • اعلمي أن المؤشرات الأولية لاكتئاب ما بعد الولادة تبدأ بالظهور عادةً بعد يومين من ولادة الجنين، ويُعَدُّ استمرارها فترة لا تتجاوز الأسبوعين أمراً اعتيادياً ولا يدعو للقلق.
  • لاحظي أن الحالة تتحول إلى النطاق المقلق وغير الطبيعي عندما تطول مدتها عن ذلك أو تبرز أعراض جديدة أكثر حدة، حيث يعود هذا الاضطراب المؤقت في أصله إلى الاختلالات الهرمونية المفاجئة بعد الولادة، ولا سيما هرمونات الغدة الدرقية التي تتحكم في مستويات الطاقة والنشاط اليومي للأم.
  • توقعي أن تفرز المرحلة الجديدة للأمومة ضغوطاً نفسية جمة ناتجة عن التبدل الجذري في روتين الأم والأسرة، كاضطراب ساعات النوم ومواعيد الطعام، والانعزال المؤقت عن المحيط الاجتماعي للتفرغ التام للرضيع، ما يضاعف شعور الأم "المنهكة جسدياً من أعباء الحمل والوضع" بثقل المسؤوليات، خاصة عند غياب السند والمشاركة الفعالة من قِبل الزوج.
  • لاحظي أن الأعراض الطبيعية وغير المقلقة تتبلور في الأيام الأولى عقب الولادة، وتتمثل في نوبات بكاء بلا مبرر، وإحساس مستمر بالتعب والوهن، والقلق الدائم من التقصير في رعاية الصغير، إلى جانب المعاناة من الأرق، وضيق الصدر، وتشتت الانتباه.
  • توقعي أن تشهدي تراجعاً ملحوظاً في الرغبة في تناول الطعام؛ نظراً لارتباط الوجبات في الأيام الثلاثة الأولى بآلام انقباضات الرحم التي تنشط في هذه الفترة؛ ما يخلق لديكِ رد فعل عاطفياً يربط بين الأكل والشعور بالألم.

أهم الأعراض المُقلقة لاكتئاب ما بعد الولادة

  • استمرار الأعراض: عدم تراجع أو اختفاء المؤشرات الأولية البسيطة للاكتئاب بعد مرور أسبوعين كاملين على الولادة.
  • برود المشاعر تجاه الرضيع: سيطرة أحاسيس سلبية على الأم نحو طفلها، مثل الإرهاق وكالشعور بالاغتراب عنه، أو عدم القدرة على محبته والارتباط به عاطفياً.
  • أفكار إيذاء النفس أو الطفل: تولِّد رغبات خطيرة لدى الأم في التخلص من رضيعها، أو التفكير في إلحاق الضرر به أو بنفسها.
  • العجز عن الرعاية والأعمال اليومية: ملاحظة المحيطين بالأم أنها باتت غير قادرة تماماً على الاهتمام بنظافتها الشخصية، أو العناية بطفلها، أو إنجاز المهام المنزلية المعتادة.

ما أهم النصائح لتقليل أعراض اكتئاب ما بعد الولادة؟

  1. اهتمي بـالحصول على قسط مناسب من النوم؛ حيث ينبغي لكِ نيل فترات راحة ممتدة ومستمرة لمدى يومين متعاقبين دون القيام بأي أعباء، بحيث لا يقل نومكِ الليلي عن عشر ساعات كاملة، مضافاً إليها غفوات متفرقة بالنهار ولتطبيق هذه الإستراتيجية العلاجية والوقائية ضد اكتئاب ما بعد الولادة، يتعين على الزوج والمقربين منكِ تولي العناية بالمولود لتوفير هذه الفرصة لك؛ إذ تسهم هذه الاستراحة "ولو مرة واحدة بعد أيام من الولادة" في استعادة جسمكِ لتوازنه الهرموني الطبيعي.
  2. ابتعدي عن تناول السوائل الغنية بالكافيين وعوِّضيها ببعض المستخلصات العشبية النافعة التي تسهم في تهدئة جهازك العصبي، والموصى بها عادةً في فترة النفاس؛ إذ يتسبب الكافيين في رفع مستويات القلق والتوتر لديكِ كما ينبغي لكِ التركيز على جودة نظامك الغذائي عبر إدراج كميات وافية من الخضار والفواكه الطازجة الغنية بالفيتامينات والمعادن الأساسية. 
  3. احرصي على الخروج إلى الطبيعة واستنشاق الهواء النقي عقب الولادة، مع الحرص على التعرض المباشر لضوء الشمس وأشعة النهار، وقومي بهذه الجولة بمفردكِ مستودعةً صغيركِ لدى الزوج أو أحد أفراد العائلة؛ لما لهذه الخطوة من أثر بالغ في حمايتكِ من مضاعفات اكتئاب ما بعد الولادة، وحيث إن المشي يُعَدُّ رياضةً لتهدئة النفس قبل البدن؛ لذا داومي عليه بالتزامن مع ممارسة أي هواية سابقة كنتِ تعشقينها قبل الحمل —كالرسم أو التصوير مثلاً— لأنها ستنعش ذكرياتكِ الجميلة وتمنحكِ دافعاً إيجابياً للإقبال على مرحلتكِ الحياتية الجديدة المتمثلة في الأمومة.
  4. احرصي على استهلاك مصادر فيتامين "ب" بمختلف أنواعه سواء من نمط تغذيتك مثل تناول الأغذية الطبيعية كالبيض والحبوب الكاملة، أو تناول المكملات الغذائية نظراً لدور هذا الفيتامين الحيوي في خفض هرمون الكورتيزول "هرمون الإجهاد" وتنشيط النواقل العصبية في الدماغ، ما يخفف من حدة القلق ويطرد شعور التشوش الذهني المزعج.

قد يهمك أيضاً: لماذا تغيب مشاعر الأمومة بعد الولادة؟ وما الكآبة البيضاء؟

*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص.