في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تجربة أماكن جديدة، واستكشاف مطاعم ومقاه مختلفة، قد يبدو الاعتياد على زيارة المكان نفسه تكرارا يفتقر إلى التجديد. لكن الأبحاث في علم النفس والاجتماع تشير إلى أن هذه العادة البسيطة قد تحمل فوائد تتجاوز الراحة التي يوفرها المألوف، إذ تساعد على بناء روابط اجتماعية، وتعزز الشعور بالانتماء، وقد تسهم في الحد من الوحدة.

لا تتطلب هذه الفوائد بالضرورة صداقات عميقة أو محادثات طويلة. فقد تبدأ من تحية متبادلة مع بائع القهوة، أو حديث قصير مع موظف في متجر الحي، أو لقاءات متكررة مع أشخاص اعتدنا رؤيتهم في الحديقة أو المكتبة أو النادي الرياضي. ومع الوقت، تتحول هذه التفاعلات الصغيرة إلى جزء من شبكة اجتماعية تمنح الحياة اليومية قدرا أكبر من التواصل والاستقرار.

قصص مقترحة

  • list 1 of 2خطر لا تراه العين.. ما الذي تخفيه إطارات السيارات المستعملة؟
  • list 2 of 2نشاهد أكثر ونتذكر أقل.. لماذا ننسى الأفلام والمسلسلات سريعا؟

المعارف العابرون.. روابط صغيرة بأثر كبير

غالبا ما ينصب اهتمامنا على العلاقات الوثيقة، مثل الصداقة والعائلة والزمالة، باعتبارها المصدر الأساسي للدعم الاجتماعي. لكن عالم الاجتماع مارك غرانوفيتر طرح عام 1973 مفهوم "الروابط الضعيفة"، في إشارة إلى العلاقات التي تجمعنا بأشخاص لا تربطنا بهم صلات وثيقة، مثل العاملين في الأماكن التي نزورها باستمرار أو الجيران الذين نتبادل معهم التحية.

وعلى الرغم من محدودية هذه العلاقات، فإنها تؤدي دورا مهما في حياتنا الاجتماعية. فهي تتيح لنا الاحتكاك بأشخاص خارج دائرتنا المقربة، وتمنحنا شعورا بأننا جزء من محيط اجتماعي أوسع. كما يمكن أن تتحول بعض هذه المعارف، بمرور الوقت، إلى صداقات أكثر عمقا.

وتدعم أبحاث لاحقة أهمية هذه الروابط. فقد وجدت دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) أن الأشخاص الذين تحدثوا خلال يوم واحد إلى مجموعة متنوعة من الناس، بمن فيهم المقربون والمعارف العابرون، كانوا أكثر سعادة من أولئك الذين اقتصر تواصلهم على عدد أقل من الأشخاص.

وفي دراسة أخرى أجرتها جيليان ساندرستروم، الباحثة في علم النفس بجامعة ساسكس عام 2014، تبيّن أن المشاركين الذين تفاعلوا مع عدد أكبر من المعارف العابرين أبلغوا عن مستويات أعلى من السعادة والشعور بالانتماء. كما كانوا أكثر سعادة في الأيام التي شهدت تفاعلات اجتماعية عابرة أكثر من المعتاد.

لا تعني هذه النتائج أن الأحاديث القصيرة وحدها كافية لتحقيق الرفاه النفسي، لكنها تشير إلى أن أثر التواصل الاجتماعي لا يقتصر على العلاقات الحميمة، وأن التفاعلات اليومية البسيطة قد تزيد من شعورنا بالترابط والرضا.

كيف يساعد المكان المألوف على بناء الروابط الاجتماعية؟

يمنح تكرار زيارة المكان نفسه فرصة لرؤية الأشخاص ذاتهم بانتظام، وهو ما يجعل بدء الحديث معهم أسهل مع مرور الوقت. ففي الزيارة الأولى، قد يقتصر التواصل على طلب وجبة أو دفع ثمن مشتريات، لكن تكرار اللقاءات يتيح الانتقال تدريجيا إلى تبادل التحيات، ثم الأحاديث القصيرة، وربما التعرف إلى تفاصيل من حياة الطرف الآخر.

ويخفف هذا النمط من التواصل الضغط الذي قد يصاحب محاولة تكوين صداقات جديدة. فبدلا من الاضطرار إلى المبادرة بمحادثة طويلة أو البحث عن أشخاص يشاركوننا اهتماماتنا، ينشأ التواصل بصورة طبيعية من خلال وجودنا المتكرر في المكان ذاته.

وقد وجدت دراسة أجراها باحثون في جامعة أكسفورد أن الأشخاص الذين اعتادوا ارتياد منشآت محلية كانوا أكثر انخراطا اجتماعيا ورضا، وأظهروا ثقة أكبر بأفراد مجتمعاتهم، مقارنة بغير المنتظمين في زيارتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الأماكن اليومية، مثل المقاهي والمتاجر والحدائق، يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز وظيفتها الأساسية، لتصبح نقاط التقاء تساعد على بناء العلاقات المحلية.

المساحات الثالثة

يستخدم الباحثون مفهوم "المساحات الثالثة" لوصف الأماكن التي يقصدها الناس خارج المنزل ومكان العمل للتفاعل الاجتماعي. وقد تشمل المقاهي والمكتبات والحدائق العامة ومراكز الأنشطة والأندية الرياضية، وهي أماكن تتيح للناس الالتقاء من دون الحاجة إلى ترتيب مسبق أو مناسبة خاصة.

وتكتسب هذه المساحات أهمية في ظل أنماط الحياة التي قد تقلل فرص التواصل العفوي، مثل العمل عن بعد، والاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية، وقضاء أوقات طويلة في المنزل. فعلى الرغم من أن التكنولوجيا تسهّل التواصل مع الآخرين، فإنها لا توفر دائما الإحساس نفسه بالحضور المشترك الذي ينشأ من اللقاءات المباشرة والمتكررة.

ولا يشترط أن يكون المكان مزدحما أو أن يفرض على زواره التفاعل مع الآخرين. فقد يكفي أن يصبح مقهى هادئ أو مكتبة قريبة جزءا من الروتين الأسبوعي، بحيث يتيح فرصة للخروج من المنزل ورؤية وجوه مألوفة والشعور بالارتباط بالمحيط.

كما أن هذه الأماكن لا تخدم الفرد وحده؛ إذ إن ارتيادها بانتظام قد يدعم النشاط الاجتماعي في الأحياء، ويعزز التواصل بين السكان والعاملين في المؤسسات المحلية، بما يساعد على بناء مجتمعات أكثر ترابطا.

الروتين الاجتماعي في مواجهة الوحدة

قد تتشكل الوحدة في بعض الأحيان ضمن دائرة مغلقة: يقل التواصل مع الآخرين، فيصبح الخروج والاختلاط أكثر صعوبة، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من الانعزال. لذا من الممكن أن يكون إدخال نشاط اجتماعي بسيط ومتكرر إلى الروتين اليومي خطوة عملية لكسر هذه الدائرة.

ووفقا لما ورد في موقع "سيلف" (SELF)، تشير مايا بورغويتا، اختصاصية علم النفس السريري، إلى أن زيارة مقهى محلي بانتظام، والتعرف إلى الشخص الذي يقدم القهوة، وتبادل حديث قصير معه، قد توفر مصدرا مفيدا للتواصل الاجتماعي، خصوصا لمن يجدون صعوبة في تكوين شبكة من الصداقات الجديدة.

وتكمن ميزة هذا النوع من التواصل في أنه لا يتطلب التزامات كبيرة. فلا حاجة إلى تنظيم لقاء أو تخصيص ساعات طويلة، كما أن الحديث ليس ملزما بأن يتجاوز حدود المجاملة. ومع ذلك، فإن تكرار هذه اللحظات قد يمنح اليوم إحساسا بالاستمرارية، ويخفف الشعور بأننا منفصلون عن محيطنا.

لكن من المهم التمييز بين الوحدة والعزلة الاجتماعية؛ فالأولى تجربة ذاتية ترتبط بالشعور بأن العلاقات لا تلبي احتياجاتنا، فيما تشير الثانية إلى محدودية التواصل أو العلاقات المتاحة فعليا. وقد يستفيد بعض الأشخاص من التفاعلات العابرة، بينما يحتاج آخرون إلى علاقات أعمق أو دعم نفسي واجتماعي إضافي.

كيف تجعل الأماكن المألوفة جزءا من حياتك الاجتماعية؟

لا يتطلب الاستفادة من هذه الفكرة تغيير نمط الحياة جذريا، بل يمكن البدء بخطوات صغيرة، مثل اختيار مقهى قريب للعمل أو القراءة فيه مرة أسبوعيا، أو المشي في الحديقة نفسها في أوقات منتظمة، أو زيارة متجر محلي بدلا من الاعتماد الدائم على التسوق الإلكتروني.

ومن المفيد أيضا إتاحة المجال لتفاعلات بسيطة، كإلقاء التحية، أو السؤال عن أحوال العاملين في المكان، أو التعليق على أمر مشترك. ولا يعني ذلك إجبار النفس على الحديث أو بناء علاقة مع كل شخص نلتقي به؛ فالغرض هو خلق فرص طبيعية للتواصل، مع احترام رغبة الآخرين وحدودهم.