سفير لبنان السابق لدى الفاتيكان
انطونيو عنداري
ليس لبنان جزيرة معزولة عن محيطه، ولا يستطيع أن يتعامل مع التحولات الإقليمية وكأنها أحداث تجري في عالم آخر. فعندما تتكلم الرياض مع طهران، وعندما تتحرك واشنطن في اتجاه إعادة رسم التوازنات في المنطقة، يصبح من الضروري أن يصغي لبنان جيداً، وأن يقرأ ما يجري بعين الدولة التي تبحث عن مصالحها، لا بعين المحاور التي تنتظر التعليمات. إن أي تقارب سعودي–إيراني، أو حوار بين العاصمتين، لا يجوز أن يُقرأ في بيروت باعتباره اتفاقاً يضمن تلقائياً استقرار لبنان، أو يحسم مصير أزمته. فالتفاهمات الإقليمية قد تخفف التوتر، لكنها لا تعفي اللبنانيين من مسؤولية معالجة أزمتهم السيادية والمؤسساتية. كما أن لبنان لا ينبغي أن يكون مجرد ورقة على طاولة المفاوضات، بل طرفاً معنياً بمستقبله وصاحب قرار في شؤونه. أولاً: واشنطن ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في هذا السياق، تبرز أهمية الموقف الأميركي الذي لا يجوز للبنان أن يتعامل معه بخفة أو أن يختزله في مجرد ضغوط سياسية. فالولايات المتحدة ليست مراقباً بعيداً عن الأزمة اللبنانية؛ إنها طرف أساسي في المسار الدبلوماسي الجاري، وفي دعم الجيش اللبناني، وفي الاتصالات المتعلقة بالحدود الجنوبية ومستقبل الاستقرار. وقد جاء اجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الحكومة نواف سلام في 28 أيلول 2026 ليؤكد استمرار الدعم الأميركي للحكومة اللبنانية ولمسار استعادة سلطة الدولة. كما أن واشنطن تربط بصورة واضحة بين إعادة الإعمار وترتيبات الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. قد يختلف اللبنانيون مع بعض المقاربات الأميركية، وقد تكون لهم تحفظات مشروعة على أولويات واشنطن أو على طريقة إدارتها للملف اللبناني، لكن تجاهل الموقف الأميركي أو التقليل من تأثيره ليس سياسة واقعية. المطلوب هو فهمه، والتفاوض معه، ومحاولة توظيفه بما يخدم المصالح اللبنانية. ثانياً: لا يجوز أن يكون لبنان رهينة التفاهمات الإقليمية إن زيارة مسؤولين سعوديين وأتراك وباكستانيين إلى طهران في 26 تشرين الأول، في سياق البحث في أمن المنطقة والجهود الرامية إلى تجنب مواجهة أميركية–إيرانية جديدة، تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة اتصالات ومساومات معقدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون هو: أين موقع لبنان في هذه الحسابات؟ هل سيكون حاضراً بصفته دولة ذات سيادة، أم سيبقى ملفاً قابلاً للتداول بين العواصم؟ وهل يمكن أن تُعقد تفاهمات إقليمية على حساب استقرار لبنان، أو أن تُستخدم ساحته مجدداً لتبادل الرسائل والضغوط؟ لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة ارتباط قراراته المصيرية بصراعات تتجاوز حدوده. ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية تقتضي ألا يكون لبنان تابعاً للرياض، ولا رهينة لطهران، ولا مجرد ساحة لتنفيذ حسابات واشنطن أو غيرها. ثالثاً: بين الرياض وواشنطن، الأولوية لبيروت لا تعارض بين أن يحافظ لبنان على أفضل العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وأن يطوّر شراكته مع الولايات المتحدة. فلكل من الدولتين دور ومصالح ونفوذ في المنطقة، ويمكن للبنان أن يستفيد من علاقاته بهما إذا امتلك رؤية موحدة ومؤسسات قادرة على التفاوض باسمه. السعودية تمثل عمقاً عربياً أساسياً للبنان، وواشنطن تملك أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية مؤثرة في مسار الأزمة. لكن هذه العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة بين محورين، بل إلى شبكة علاقات تخدم مشروع الدولة اللبنانية. والمطلوب من بيروت ألا تنتظر ما ستقرره العواصم الأخرى، بل أن تبادر إلى طرح رؤيتها: سيادة كاملة، جيش واحد، قرار واحد في الحرب والسلم، انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين والمهجرين إلى قراهم، وإعادة إعمار المناطق المتضررة. هذه ليست مطالب أميركية أو سعودية، بل حقوق ومصالح لبنانية أصيلة. رابعاً: أخذ أميركا على محمل الجد لا يعني التنازل عن القرار الوطني ثمة فارق كبير بين التعامل الواقعي مع الولايات المتحدة وبين التسليم غير المشروط بمواقفها. أخذ واشنطن على محمل الجد لا يعني منحها حق تقرير مستقبل لبنان، بل يعني إدراك حجم تأثيرها، وفهم أولوياتها، والتفاوض معها من موقع المصلحة الوطنية. فإذا كانت واشنطن مستعدة لدعم الجيش اللبناني، ومساندة مؤسسات الدولة، والمساهمة في تأمين شروط الاستقرار وإعادة الإعمار، فمن واجب الدولة أن تتعامل مع هذه الفرصة بجدية، وأن تطالب في المقابل بضمانات واضحة تحمي السيادة اللبنانية، وتُلزم إسرائيل باحترام الحدود والانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات. ولا يمكن أن تكون السيادة اللبنانية انتقائية: لا تقبل بوجود قرار عسكري خارج الدولة، ولا تقبل أيضاً باستباحة إسرائيل للأرض اللبنانية. *الخلاصة عندما تتكلم الرياض مع طهران، ينبغي للبنان أن يُصغي، لا لكي ينتظر مصيره من الآخرين، بل لكي يفهم اتجاه الرياح الإقليمية ويحمي نفسه من تداعياتها. وعندما تتكلم واشنطن، ينبغي لبيروت أن تأخذ كلامها على محمل الجد، لا من موقع التبعية، بل من موقع الدولة التي تعرف أين تكمن مصالحها وكيف تفاوض من أجلها. إن النهديد الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم هو أن يظل أسير انتظار التفاهمات الخارجية، فيما يغيب التفاهم الداخلي على أبسط مقومات الدولة. وأخطر ما يمكن أن يرتكبه لبنان هو الاستمرار في المماطلة وانتظار ما ستُفضي إليه هذه التفاهمات الخارجية، وكأن الوقت يعمل لمصلحته. فالصبر الأميركي ليس مفتوحاً، وواشنطن لن تنتظر إلى ما لا نهاية. وقد يؤدي استمرار سياسة التسويف والغموض إلى نفاد صبرها، وفقدانها الرغبة في مواكبة لبنان ودعمه، وتركه يواجه مصيره وحده. عندها، لن يكون الوقت الضائع مجرد فرصة مهدورة، بل قد يتحول إلى ثمن وطني باهظ. لبنان لا يحتاج إلى اختيار محور بدل محور، بل إلى استعادة الدولة التي تجعل من علاقاتها العربية والدولية أدوات لحماية سيادته، لا بديلاً عن سيادته. *لا متّسع لسياسة الانتظار واللعب على الوقت لم يعد بإمكان لبنان الاستمرار في سياسة الانتظار، أو اعتماد أسلوب شراء الوقت والمراهنة على تبدّل الظروف الإقليمية والدولية. فالوقت الذي كان يُعتقد أنه يمنح هامشاً للمناورة قد يتحول اليوم إلى عامل يزيد المخاطر ويضيّق الخيارات. إسرائيل تراقب المشهد عن كثب، وتنتظر أي فرصة أو ذريعة لتكريس وقائع جديدة على الأرض. وهي لا تتعامل مع التردد اللبناني باعتباره مساحة للحوار، بل ستستثمره لتوسيع هامش تحركها العسكري والسياسي. وفي ظل هذا الواقع، فإن استمرار الغموض في الموقف اللبناني، أو الاعتقاد بأن التطورات الإقليمية ستؤجل الاستحقاقات إلى أجل غير مسمى، هو رهان بالغ الخطورة. ليس المطلوب الاستسلام للشروط الإسرائيلية، ولا التفريط بالحقوق الوطنية، بل العكس تماماً: المطلوب امتلاك موقف لبناني واضح وموحد، والتحرك الدبلوماسي بجدية، والاستفادة من الدور الأميركي والعربي للحصول على ضمانات فعلية، تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتصل إلى تثبيت الأمن والاستقرار على الحدود. إن سياسة «لننتظر ونرَ» لم تعد تصلح نهجاً لإدارة مصير بلد. فالحروب لا تنتظر اكتمال التوافقات الداخلية، والفراغ في القرار لا يبقى فراغاً طويلاً؛ غالباً ما يملؤه الآخرون وفق مصالحهم. والأخطر أن يدفع لبنان ثمن الوقت الذي أضاعه، لا بسبب غياب الفرص، بل بسبب عجزه عن اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. أخيراً ، إن لبنان لا يملك ترف الانتظار، ولا يجوز أن يراهن على الوقت فيما إسرائيل بالمرصاد، والمنطقة تعيد ترتيب أوراقها. المطلوب قرار وطني شجاع قبل أن تُفرض على لبنان وقائع لا يملك القدرة على تغييرها بل بسبب عجزه عن اتخاذ القرار في اللحظة المصيرية. لبنان لا يملك ترف الانتظار، ولا يجوز أن يراهن على الوقت فيما إسرائيل بالمرصاد، والمنطقة تعيد ترتيب أوراقها. المطلوب قرار وطني شجاع قبل أن تُفرض على لبنان وقائع لا يملك القوة على تغييرها.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر