كثيرًا ما نتعرض لبعض المواقف المٌرجة في حياتنا اليومية والتي يجب أن نتخطاها لكي نستمر بباقي اليوم، إلا أن هناك بعض الأشخاص ممن لا يستطيعون تجاوز بعض المواقف المُحرجة التي قد يتعرضون لها مما يجعلون يشعرون بالتوتر على مدار يومهم.

بماذا يشعر الجسم حينما يتعرض لموقف مُحرج؟

وهناك العديد من النصائح والخطوات التي من المُمكن لكل إنسان أن يفعلها لكي يتجاوز المواقف المُحرجة، والتي تناولها العديد من الباحثين في علم النفس وعلوم الحياة.

حيث تختلف المواقف المُحرجة التي قد نتعرض لها في حياتنا، مثل التعثر في كلمة أمام زملاء العمل أو الدراسة، أو إرسال رسالة إلى الشخص الخطأ، أو ضحكة في لحظة غير مناسبة.

وتعد "قاعدة الـ3 دقائق الذهبية" من أبرز الخطوات التي يتم تطبيقها للتغلب على المواقف المُحرجة خلال ثلاث مراحل، لكل مرحلة منها سند في أبحاث علم النفس، وهي الدقيقة الأولى للجسد، والثانية لاختبار الواقع، والثالثة لمخاطبة النفس وتحديد الخطوة التالية.

التغلب على المواقف المُحرجة في ثلاث دقائق

وفي هذا الموضوع نستعرض لكم أبرز الخطوات التي عليك أن تعلمها للتغلب على أي موقف مُحرج من الممكن أن تتعرض له، بحسب أبرز دراسات علم النفس وهي كالتالي:

الإحراج له وظيفة إجتماعية

يصف عالم النفس داكر كيلتنر Dacher Keltner وزميله براين بوسويل Brian Boswell، في ورقة بحثية تم نشرها عام 1997 في "Psychological Bulletin" شعور الإحراج بأنه انفعال له شكل مميز ووظيفة استرضائية، أي أنه يعمل كإشارة تهدئة بعد مخالفة قاعدة اجتماعية.

وجاء بحث لاحق لـ ماثيو فاينبرغ Matthew Feinberg و روب ويلر Rob Wheeler نُشرت عام 2012 في "Journal of Personality and Social Psychology"، أضاف أن الملاحظين بأن التعبير عن الإحراج دلالة على أن صاحبه يلتزم بـ العلاقات الاجتماعية ويهتم بالآخرين، ومن خلال دراسات أخرى أبدى الملاحظون ثقة أكبر ورغبة أكبر في التعامل مع الشخص الذي بدا محرجًا، مؤكدين بأن هذا الإحراج المعتدل يختلف عن الخجل بمعناه الأخلاقي الأشد، فالدقائق الأولى بعد الموقف لا تحتاج إلى جلد الذات، لأن ما تشعر به جزء طبيعي من آلية اجتماعية.

في الدقيقة الأولى هدّئ جسدك قبل أن تحاول تفسير ما حدث

إن أول ما يتغير عند التعرض لموقف محرج هو الجسد حيث يبدأ الشعور بالخفقان وسخونة في الوجه، وتسارع في التنفس، وأشارت مراجعة منهجية تم نشرها عام 2018 في "Frontiers in Human Neuroscience" وحللت 15 دراسة مختارة من نحو 2461 ملخصًا، إلى أن تقنيات التنفس البطيء أقل من عشر أنفاس في الدقيقة، ترتبط بزيادة تقلب معدل ضربات القلب وبمشاعر راحة ويقظة، وبانخفاض أعراض التوتر والقلق والغضب لدى الأصحاء.

وأضافت أبحاث جون جوتمان John Gottman في الخلافات جزءًا مهمًا وهو حين يرتفع التوتر الجسدي يحتاج الجسم في المتوسط إلى نحو 20 دقيقة ليعود إلى حاله، أي أن الدقائق الثلاث إسعاف أولي يخفف حدة التوتر.

الدقيقة الثانية إختبر الواقع

من خلال أشهر نتائج علم النفس الاجتماعي "تأثير بقعة الضوء"، وفي تجربة نشرها توماس جيلوفيتش Thomas Gilovich وفيكتوريا ميدفيك Victoria Medvick وكينيث سافيتسكي Kenneth Savitsky عام 2000 في "Journal of Personality and Social Psychology"، طُلب من طلاب في جامعة كورنيل ارتداء قميص عليه صورة وهو اختيار ثبت مسبقًا أنه محرج لهذه العينة، ثم دخول غرفة فيها زملاء آخرون.

قدّر مرتدو القميص أن نحو نصف الحضور لاحظ القميص بينما لم تتجاوز النسبة الفعلية نحو 25%، ومن خلال تجربة ثانية بقمصان أخرى قدّر المشاركون أن نصف الحاضرين سيتعرفون على الصورة إلا أن أقل من 10% فعلوا وحين شاهد آخرون تسجيلات المشهد وقدّروا النسبة جاءت تقديراتهم قريبة من 25%، مما يشير إلى أن مجرد كونك صاحب الموقف يضخم إحساسك برؤية الآخرين له.

وهذا يسند السؤال الأهم في الدقيقة الثانية: كم شخصًا لاحظ فعلًا؟ ثم كم منهم ما زال يفكر فيه؟.

مشاعرك لا تظهر كما تتخيل

ترتبط ظاهرة الإحراج بما أسماه جيلوفيتش وسافيتسكي Gilovich Savitsky بـ"وهم الشفافية"، أي الاعتقاد بأن حالاتنا الداخلية تظهر على وجوهنا وسلوكنا أكثر مما تظهر فعلًا، وبحسب هذا الطرح قد لا يرى الآخرون الارتباك الذي تشعر به بكامل شدته، وقد يكون ما تعدّه ظاهرًا لا يراه أحد غيرك.

وهنا يظهر دور الدقيقة الثانية والتي من خلالها عليك تذكير نفسك بأن إحساسك بالانكشاف ليس مقياسًا لما يراه الناس، ومن المهم الانتباه إلى أن هذه الأبحاث تفترض أن الموقف غير جسيم أما إن كانت زلتك أضرت بأحد حقًا، فالأمر يحتاج إلى مواجهة مسؤولة لا إلى تهوين.

الدقيقة الثالثة بمخاطبة نفسك من الخارج

قدم الباحث إيثان كروس Ethan Kross من جامعة ميشيغان وزملاؤه أداة بسيطة للتغلب على موقف مُحرج وهي مخاطبة النفس بالاسم أو بضمير الغائب أو المخاطب بدل "أنا"، ومن خلال بحث تم نشره عام 2014 في "Journal of Personality and Social Psychology" وجد الفريق أن المشاركين الذين استخدموا لغة غير ضمير المتكلم أثناء التفكير في موقف محرج قدموا أداء أفضل بتقدير مقيّمين موضوعيين، وأبدوا ضيقًا أقل وانخرطوا في "معالجة لاحقة" سلبية أقل بعد الموقف، ولم يتأثر ذلك بدرجة القلق الاجتماعي لديهم.

والتطبيق العملي هو بدلًا أن تقول "كم كنت أحمق"، تسأل: "ما الذي حدث للشخص للتو؟ وماذا يحتاج الآن؟"، ويرى الباحثون أن هذه المسافة اللغوية تساعد على التحليل دون الغرق في الاجترار، وتلتقي هذه الفكرة مع دراسة سابقة نُشرت عام 2005 تفرّق بين التأمل المفيد والاجترار.
 

تحديد خطوة واحدة للتصحيح

عقب تهدئة الجسد واختبار الواقع، يبقى سؤال عملي: هل يتطلب الموقف شيئًا؟ قد يكفي اعتراف قصير وصادق أو ابتسامة، أو اعتذار محدد إن أضررت أحدًا، وقد لا يتطلب شيئًا.

ولا تثبت الأبحاث أن عبارة بعينها هي الأفضل، إلا أن نتائج بعض الدراسات أفادت بأن الإظهار الأصيل لمراعاة الآخرين يترك أثرًا إيجابيًا في المتلقين، ومن المهم أن تختار خطوة واحدة وتتوقف عندها، لأن التكرار المبالغ فيه للاعتذار قد يلفت الانتباه إلى ما لم يلاحظه أحد.

إحذر المعالجة اللاحقة بعد الـ3 دقائق

إن الخطر الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الموقف، ففي نموذج ديفيد كلارك David Clark وأدريان ويلز Adrian Wells عن القلق الاجتماعي، تعد المراجعة الذهنية المتكررة للموقف - المعالجة اللاحقة من العوامل التي تبقي القلق حيًا.

وأكدت إحدى الدراسات بأن الاجترار هو العامل المركزي في طول مدة الانفعال، فكلما زاد التفكير المتكرر في الحدث طالت مدة الشعور لذلك يفيد وضع حد مسبق للتفكير فيه، وتوجيه الانتباه إلى نشاط آخر بعد تحديد الخطوة التالية.

متى لا تكفي الثلاث دقائق؟

ويبقى أهم شيء بأن قاعدة الـ 3 دقائق الذهبية لا تُغني عن التعامل مع المواقف الجسيمة، مثل خطأ أضر بزميل أو خرق لسرية وإذا كان الإحراج المتكرر يدفعك إلى تجنب الاجتماعات والمقابلات والتجمعات، أو كانت الأفكار عن الموقف تستمر لأيام وتعطل نومك وعملك، فقد يكون الأمر أبعد من إحراج عابر والأفضل التحدث إلى مختص نفسي حيث أن هناك علاجات مدروسة للقلق الاجتماعي.


يُمكنكم قراءة: كيف تتعامل مع صديق يتعمد إحراجك؟