أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب صفوت رسلان، التزام بلاده "ببناء ‏‏نظام مالي أقوى وأكثر شفافية ومرونة، وتعزيز الالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب"، مضيفا – خلال الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي في باريس أمس السبت – أن الهدف "لا يقتصر على استيفاء متطلبات الخروج من القائمة الرمادية، بل يتمثل في بناء منظومة وطنية فعالة ومستدامة قادرة على فهم المخاطر وإدارتها وتطبيق المعايير الدولية".

ومجموعة العمل المالي (FATF)، هي منظمة حكومية دولية مقرها في باريس، أسست عام 1989 بمبادرة من مجموعة الدول الصناعية السبع، وتعمل على سن مجموعة من المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، كما تقوم بتقييم مدى التزام الدول بتلك المعايير.

أخبار مقترحة

  • تضرر الموسم الزراعي نتيجة الفيضانات والسيول في دير الزور
    "المياه جرفت تعبنا".. السيول تدمر محاصيل المزارعين وممتلكاتهم في دير الزور
  • زادت الأجور وارتفع النمو الاقتصادي.. لماذا تتراجع القدرة الشرائية للسوريين؟

ما هي القائمة الرمادية؟

وتحتفظ مجموعة العمل المالي بقائمتين "رمادية" و"سوداء" للدول التي لا تفي بمعاييرها. وتُعتبر الدول المدرجة في القائمة الرمادية بأنها تعاني من "نواقص إستراتيجية" في أنظمتها لمكافحة غسل الأموال، لكنها تتعاون مع المنظمة لمعالجة تلك النواقص، ضمن أطر زمنية متفق عليها وتخضع لمراقبة متزايدة.

أما القائمة السوداء، فتضم الدول التي تعاني من أوجه قصور إستراتيجية خطيرة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة، وتضم القائمة كلا من إيران وميانمار وكوريا الشمالية.

ما الإجراءات السورية؟

وأعلن رئيس هيئة مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب في سوريا، أن الهيئة بدأت بالتعاون مع البنك الدولي في عملية التقييم الوطني للمخاطر، والعمل مع صندوق النقد الدولي "من أجل مراجعة المنظومة التشريعية ذات الصلة، بما يعزز ‏‏اتساقها مع المعايير الدولية، ويدعم قابلية تطبيقها وفاعليتها".

‏وأوضح رسلان أن العمل في القطاع المصرفي "يجري على تطوير متطلبات التعرف إلى العملاء ‏‏والعناية الواجبة، وتحسين جودة البيانات المتعلقة بهويات العملاء وأنشطتهم ومصادر أموالهم، ‏‏وتعزيز التعامل القائم على المخاطر"، مضيفا أن "تواصل المصارف تطوير إجراءات فحص الأسماء ‏‏والمعاملات، والاستفادة من الأنظمة التقنية المتاحة لتعزيز دقة الفحص".‏

‏وأكد رسلان أن نظام الدفع والتحويل الإلكتروني يدمج متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في قواعد العمل، ‏‏مشيرا إلى تحديد المخاطر والتعرف إلى العملاء ومراقبة المعاملات، إضافة إلى الإبلاغ عن العمليات المشبوهة ‏‏والتحقق من قوائم العقوبات.

وأضاف أن العمل التنظيمي "يمتد إلى قطاعات الأعمال والمهن غير ‏‏المالية المحددة، حيث نستكمل إعداد القرار الناظم لالتزاماتها، بما يوسع نطاق تطبيق المتطلبات ‏‏الوطنية ويعزز شمولية المنظومة".‏

التعاون الدولي

ونوه رسلان بزيارة وفد رفيع المستوى من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط ‏‏وشمال أفريقيا إلى دمشق في يوليو/تموز الماضي، وإجراء حوار مباشر حول استعدادات سوريا ‏‏للتقييم المتبادل.

وأكد مواصلة الانخراط في أعمال المجموعة الإقليمية، وتقديم التقارير الطوعية ‏‏ضمن عملية مراجعة التعاون الدولي، حرصا على إطلاع الشركاء على التطورات الفعلية في ‏‏منظومتنا الوطنية.‏

وأعرب رسلان عن تقديره للمبادرة المتعلقة بمراجعة صياغة البيان الخاص بالدول التي لم ‏‏تستطع التقدم في مسار مراجعة التعاون الدولي، ومنها سوريا، باعتباره خطوة بناءة نحو صورة ‏‏واضحة ومتوازنة عن التطورات التي تشهدها الدول والجهود التي تبذلها.

وفي يوليو/تموز 2026، أطلقت سوريا، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الإستراتيجية الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، لتحديد الأولويات وربط الأهداف بنتائج قابلة للقياس.

استحقاق منتصف 2027

بدوره، أوضح مدير التعاون الدولي في هيئة مكافحة غسل الأموال شفيق الدالي، أن سوريا تعمل على تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي، مؤكدا التزامها بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.

وكشف الدالي، في تصريح لـ"الإخبارية السورية"، أن التقييم المتبادل لمنظومة سوريا يبدأ منتصف العام المقبل، تمهيدا للنظر في إزالتها من القائمة الرمادية، مشيرا إلى أن مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكدت أن سوريا تسير على المسار الصحيح.

ما المطلوب للخروج من القائمة الرمادية؟

يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد – أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة – أن الإزالة من القائمة الرمادية تمر عبر التقييم المتبادل الذي تجريه مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF)، ويقيس درجة امتثال سوريا لتوصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، مشيرا إلى أنه لا توجد قائمة معايير تطبق آليا.

ويضيف الأكاديمي السوري، في تصريح لـ"سوريا الآن"، أن التقييم يرتكز على اكتمال الإطار القانوني والمؤسسي لوحدة التحريات المالية، وقدرتها على استقبال وتحليل البلاغات وتبادلها مع نظيراتها، وجودة الإشراف الوقائي على المصارف والأعمال غير المالية، وفعالية نظام الإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، والتعاون الدولي في التحقيقات والاسترداد.

وأشار إلى أن الإستراتيجية الوطنية التي أُطلقت بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ربطت الأهداف بنتائج قابلة للقياس.

جاهزية نظرية

ويلفت الدكتور محمد إلى أن الوصول إلى جاهزية تقييمية أمر ممكن نظريا، لكن الوصول إلى "إزالة فعلية قبل منتصف العام المقبل يبدو غير مرجح"، مضيفا أن التقييم المتبادل نفسه "يستغرق وقتا، ثم تُناقش نتائجه في لجنة مراجعة الامتثال، وقد تُمنح مهلة لتصحيح أوجه القصور".

ويشير إلى أن دولا مماثلة احتاجت بعد التقييم إلى أشهر إضافية لمعالجة الفجوات قبل الخروج الفعلي.

ويرى أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة، أن العائق البنيوي الأهم "يتمثل بأن القطاع المصرفي السوري خرج من سنوات العزلة والعقوبات بعلاقات مراسلة محدودة، وقدرة رقابية تحتاج إلى بناء مؤسسي حقيقي لا إلى تشريع فقط"، مضيفا أن السيناريو الأكثر واقعية هو "استكمال التقييم في الموعد، ثم الدخول في مرحلة تنفيذ خطة عمل تصحيحية قد تمتد إلى ما بعد منتصف العام".

فوائد الإزالة لسوريا

ويؤكد أهمية إزالة سوريا من القائمة الرمادية، من أجل خفض تكلفة التعامل المالي مع سوريا، موضحا أن وجود سوريا على القائمة يفرض على المصارف والمؤسسات المالية الدولية تطبيق العناية الواجبة المعززة على أي معاملة مرتبطة بها، وهو ما يرفع كلفة التحويلات ويطيل أمدها، ويجعل كثيرا من المصارف المراسلة تتحفظ.
ويضيف أن الإزالة تعني عودة تدريجية للخدمات المصرفية الطبيعية، وانخفاض كلفة التحويلات المالية من المغتربين، وتحسن قدرة المصارف السورية على فتح علاقات مراسلة، وتحسين التصنيف السيادي وتخفيض علاوة المخاطر، ما "يسهّل وصول التمويل التجاري والاستثماري ويجعل مشاركة المؤسسات المالية الدولية في إعادة الإعمار أقل تعقيدا قانونيا".

ويرى الأكاديمي السوري "أن الخروج من القائمة الرمادية ليس مكافأة تُمنح لسوريا، بل إشارة سوق تخفض عدم التماثل المعلوماتي بين المصارف الدولية والاقتصاد السوري"، مضيفا أن النجاح الحقيقي ليس في تاريخ الإزالة، بل في أن تصبح منظومة مكافحة غسل الأموال جزءا من الحوكمة الاقتصادية اليومية.