مع انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات، أصبحت عملية إنتاج أبحاث مزيفة أو ضعيفة الجودة أسهل من أي وقت مضى، ما يخلق مشكلة كبيرة تهدد الكيان العلمي بأكمله.

وتقول أستاذة الفيزياء الحيوية الطبية في كلية العلوم بجامعة القاهرة الدكتورة هبة فهمي إن انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات أسهم في إنتاج بعض الأبحاث المزيفة أو ضعيفة الجودة، والأدلة على ذلك أصبحت واضحة.

أخبار مقترحة

  • LONDON, ENGLAND - MAY 15: : 'Kreyon City' by Sony Computer Science Laboratory is displayed as part of the 'AI: More than Human' exhibition at the Barbican Curve Gallery on May 15, 2019 in London, England. (Photo by Tristan Fewings/Getty Images for Barbican Centre)
    نوبل القادمة في قبضة الخوارزميات.. هل تسرق الآلة المجد العلمي من البشر؟
  • بحواسيب مكتبية وميزانيات "صفرية".. كيف ينافس العلماء العرب كبرى المختبرات العالمية؟

وتضيف في تصريحات للجزيرة نت: "من أبرز العلامات ما يمكن تسميته المراجع الوهمية. فكل بحث علمي يستند إلى أبحاث سابقة ويذكرها في قائمة المراجع، لكن برامج الذكاء الاصطناعي تخترع أحيانا مراجع تبدو حقيقية تماما وهي في الواقع غير موجودة. وقد لاحظ موقع "ريتراكشن واتش " ، المتخصص في رصد الأبحاث المسحوبة، أن البلاغات التي تصله عن أوراق تستشهد بمراجع وهمية ارتفعت بشدة، بالتزامن مع انتشار شات جي بي تي وغيره من النماذج اللغوية. وتشير تقديرات أخرى إلى أن هذه الاستشهادات الملفقة تضاعفت نحو اثنتي عشرة مرة خلال عامين.

ولا يقتصر الأمر على النصوص. فكثير من الأبحاث الطبية والبيولوجية تعتمد على صور من المعمل تثبت نتائج التجارب، ويحذر الخبراء من أن الصور العلمية المولدة بالذكاء الاصطناعي قد يستحيل تمييزها عن الصور الحقيقية. وقد وصلت المشكلة إلى أعرق المجلات الطبية في العالم، إذ سحبت مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" مادة منشورة بعد أن اعترف مؤلفوها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الصورة.

ويقول أستاذ التواصل العلمي المساعد في جامعة فاغينينغين الدكتور نيلز ميد للجزيرة نت إن هناك مؤشرات قوية على أن انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وأدوات توليد النصوص والصور والبيانات أسهم في إنتاج بعض الأبحاث المزيفة أو ضعيفة الجودة، على الرغم من صعوبة تحديد حجم المشكلة بدقة.

بات مما لا يستغنى عنه

ويستخدم الذكاء الاصطناعي الآن في نسبة كبيرة من الكتابة العلمية، فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن ما لا يقل عن 13.5% من ملخصات الأبحاث الطبية الحيوية المنشورة في عام 2024 تمت معالجتها باستخدام برامج معالجة اللغة الطبيعية. من المرجح أن يكون جزء كبير من هذه المعالجة تحريرا لغويا مشروعا، لذا فإن هذا الرقم لا يشير بالضرورة إلى الاحتيال.

لكن على الرغم من ذلك، هناك دلائل على استخدام غير نقدي أو احتيالي: فقد وجدت مراجعة حديثة لنحو 2.5 مليون ورقة بحثية في مجال الطب الحيوي أن نسبة الأوراق التي تستشهد بمراجع غير موجودة ارتفعت من نحو ورقة واحدة من كل 2800 ورقة في عام 2023 إلى ورقة واحدة من كل 277 ورقة في أوائل عام 2026، مع تسجيل أعلى زيادة في منتصف عام 2024، وهو ما يربطه الباحثون بانتشار أدوات الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي آنذاك.

كما يحتفظ موقع "ريتراكشن واتش " بقائمة تضم نحو 100 ورقة بحثية منشورة مع أدلة على أنها كتبت بواسطة شات جي بي تي، على سبيل المثال، لأنها لا تزال تحتوي على عبارات من برامج الدردشة الآلية.

أضف إلى ذلك أن أدوات الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إنتاج صور ومجموعات بيانات يصعب تمييزها عن الصور والمجموعات الأصلية، بينما لا تزال أدوات الكشف محدودة. بعبارة أخرى، خفض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنتاج ورقة بحثية تبدو وكأنها بحث حقيقي. لكن المشكلة الأساسية، وهي نظام المكافآت الذي يحفز النشر، كانت موجودة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي.

ثلاث طرق للغش

وحول استفادة مصانع الأوراق البحثية من أدوات الذكاء الاصطناعي تقول هبة إن مصانع الأوراق البحثية جهات تبيع أبحاثا جاهزة لمن يدفع. فقد تكتب البحث كاملا وتفبرك بياناته، أو تبيع للباحث مجرد إضافة اسمه إلى بحث لم يشارك فيه. وزبائنها في الغالب باحثون يتعرضون لضغط شديد لزيادة عدد منشوراتهم من أجل الترقية أو التخرج أو التمويل. وقد استفادت هذه المصانع من الذكاء الاصطناعي بثلاث طرق رئيسية.

الطريقة الأولى هي الإنتاج الأسرع والأرخص. فقد كانت هذه المصانع تعتمد سابقا على عمل بشري يدوي بطيء، أما اليوم فقد كشف تحقيق للتلفزيون الصيني الرسمي أن العاملين فيها يستخدمون روبوتات المحادثة لإنجاز أكثر من 30 مقالا أسبوعيا للشخص الواحد.

والطريقة الثانية هي الإفلات من الكشف. فقد كانت الأبحاث المزيفة القديمة تكتشف بسهولة نسبية بسبب لغتها الركيكة أو صورها المكررة من أبحاث أخرى. لكن المصانع انتقلت إلى نصوص مولدة بلغة أنظف، وإلى صور جديدة لا تكرر صورة بعينها، فأصبحت المطاردة بين المزورين والكاشفين أسرع من أي وقت مضى.

والطريقة الثالثة هي استغلال البيانات المفتوحة. فبعض الحكومات تنشر بيانات صحية مجانية لخدمة البحث العلمي، مثل المسح الصحي الوطني الأمريكي المعروف باسم "نهانيس " وقد رصد باحثون بريطانيون موجة من الأبحاث المبنية على هذه البيانات تتبع قالبا شبه موحد، يربط عاملا منفردا مثل فيتامين د أو جودة النوم بمرض معقد كالاكتئاب أو أمراض القلب، متجاهلة أن هذه الأمراض لها أسباب كثيرة. والسبب أن هذه البيانات متاحة للجميع وجاهزة للإدخال في برامج التحليل والذكاء الاصطناعي.

ويشير نيلز في تصريحاته للجزيرة نت إلى التحقيق نفسه الذي أشارت إليه الدكتورة هبة والذي أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية. ويضيف أن مصانع الورق تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة المخطوطات على نطاق واسع، كما تستخدمه لتزييف ما كان يصعب تزييفه سابقا، أي البيانات والأرقام والمراجع، وأيضا للتهرب من الكشف أو التحايل عليه، حيث كان من السهل نسبيا سابقا تحديد مخرجات مصانع الورق السابقة من خلال النصوص المعاد تدويرها وإعادة الصياغة الغريبة، ويبدو أن مصانع الورق تستخدم الآن الذكاء الاصطناعي العام لتجنب هذه الأنماط التي يسهل كشفها.

إضافة إلى ذلك، بحسب نيلز، تستمر مصانع الورق في إنتاج نماذج أعمالها القديمة، مثل بيع حقوق التأليف والاستشهادات، وتقديم المخطوطة نفسها إلى العديد من المجلات في وقت واحد، فضلا عن التلاعب بعملية مراجعة الأقران -وهو أمر غير أخلاقي بلا شك . ووصفت دراسة  نشرت في مجلة "بي إن إيه إس " العام الماضي هذه المنظمات بأنها كبيرة ومرنة ومتنامية، ووجدت أن إنتاجها ينمو بشكل أسرع من العلوم المشروعة.

دور سلبي وإنتاج علمي منخفض الجودة

وحول الدور السلبي لاستخدام هذه الممارسات تقول هبة إن الأرقام توضح أن هذه الممارسات أسهمت بالفعل في تضخم حجم الإنتاج العلمي منخفض الجودة أو المفبرك.

ففي مثال البيانات الصحية الأمريكية، رصد الباحثون 190 بحثا في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، مقابل أربعة أبحاث فقط في عام 2014.

وعلى نطاق أوسع، وجدت دراسة أمريكية أن عدد الأبحاث المشبوهة الجديدة يتضاعف كل سنة ونصف، بينما يتضاعف إجمالي الإنتاج العلمي كل خمس عشرة سنة. والأخطر أن عدد الأبحاث التي تسحب بعد اكتشاف تزويرها يتضاعف كل 3.3 سنوات فقط، أي أن الكشف لا يواكب الإنتاج. بل يقدر الفريق نفسه أن العدد الحقيقي لأبحاث هذه المصانع قد يكون أكبر بمئة مرة مما رصد.

وفي مجال أبحاث السرطان تحديدا، فحصت دراسة نشرت في المجلة الطبية البريطانية "بي إم جيه " عام 2026 أكثر من 2.6 مليون بحث، فوجدت أن نحو بحث من كل 10 أبحاث يشتبه في أنه من إنتاج مصانع الأوراق، وأن هذه النسبة ارتفعت خلال عشرين عاما من نحو 1% إلى نحو 16%.

لكن الإنصاف يقتضي ملاحظة مهمة، وهي أن جزءا كبيرا من هذا النمو بدأ قبل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة في أواخر عام 2022. لذلك فالأدق أن نقول إن الذكاء الاصطناعي لم يخلق المشكلة، لكنه سرعها وجعل كشفها أصعب.

أما نيلز فيقول ربما أسهمت هذه الممارسات في تضخم الإنتاج منخفض الجودة أو المختلق، لكن الأدلة محدودة حتى الآن. وأنصح بالحذر عند التعامل مع الأرقام. ويشير إلى الدراسة نفسها  التي أشارت إليها الدكتورة هبة والتي ذكرت أن عدد الأبحاث المشتبه في كونها من إنتاج مصانع الورق يتضاعف كل 1.5 سنة تقريبا.

ما الحلول الممكنة لهذه المشكلة؟

تقول هبة إنه لا يوجد حل سحري واحد، لكن هناك عدة مسارات يكمل بعضها بعضا، أولها وأهمها تغيير طريقة تقييم الباحثين. فالمصانع موجودة لأن هناك من يشتري منها، والطلب ناتج عن أنظمة تكافئ عدد الأبحاث لا جودتها، بل يمنح بعضها مكافأة مالية عن كل بحث منشور. وما دام الباحث يقيم بالعدد، سيظل هناك سوق للأبحاث المزيفة.

وثانيها "يونايتد تو أكت" (United2Act) التي توصي بخطوات مشتركة، منها توعية الباحثين والمحررين والمراجعين بأساليب هذه المصانع.

ورابعها: حماية البيانات المفتوحة دون إغلاقها. ويقترح الباحثون البريطانيون أن تتابع الجهات المالكة للبيانات طريقة استخدامها، وأن ترفض المجلات الأبحاث الضعيفة مبكرا، وأن يشارك خبراء الإحصاء في مراجعة الدراسات المعقدة.

وخامسها: إلزام الباحثين بنشر بياناتهم الخام. فكتابة نص مقنع أصبحت سهلة، لكن تزوير بيانات كاملة متماسكة يستطيع غيرك إعادة تحليلها أصعب بكثير.

أما نيلز فيقول ربما أسهمت هذه الممارسات في تضخم الإنتاج منخفض الجودة أو المختلق، لكن الأدلة محدودة حتى الآن. وأنصح بالحذر عند التعامل مع الأرقام. ويشير إلى الدراسة نفسها  التي أشارت إليها الدكتورة هبة والتي ذكرت أن عدد الأبحاث المشتبه في كونها من إنتاج مصانع الورق يتضاعف كل 1.5 سنة تقريبا.

يعتقد العلماء أن البحث العلمي في خطر (بيكسلز)

ما الحلول الممكنة لهذه المشكلة؟

تقول هبة إنه لا يوجد حل سحري واحد، لكن هناك عدة مسارات يكمل بعضها بعضا، أولها وأهمها تغيير طريقة تقييم الباحثين. فالمصانع موجودة لأن هناك من يشتري منها، والطلب ناتج عن أنظمة تكافئ عدد الأبحاث لا جودتها، بل يمنح بعضها مكافأة مالية عن كل بحث منشور. وما دام الباحث يقيم بالعدد، سيظل هناك سوق للأبحاث المزيفة.

وثانيها: التدقيق المبكر لدى المجلات العلمية. وهنا توجد أخبار مشجعة، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن جهود الكشف التي تجري خلف الكواليس تعترض نحو ألف بحث مزيف شهريا قبل نشره. ويشمل ذلك التأكد من هوية المؤلفين، والتحقق آليا من وجود المراجع المذكورة، وفحص الصور ببرامج متخصصة.

وثالثها: التعاون بين الناشرين. فالمصانع تعمل كشبكات تتنقل بين المجلات، ولا تستطيع مجلة واحدة مواجهتها وحدها. ومن هنا نشأت مبادرات دولية مثل "يونايتد تو أكت" (United2Act) التي توصي بخطوات مشتركة، منها توعية الباحثين والمحررين والمراجعين بأساليب هذه المصانع.

ورابعها: حماية البيانات المفتوحة دون إغلاقها. ويقترح الباحثون البريطانيون أن تتابع الجهات المالكة للبيانات طريقة استخدامها، وأن ترفض المجلات الأبحاث الضعيفة مبكرا، وأن يشارك خبراء الإحصاء في مراجعة الدراسات المعقدة.

وخامسها: إلزام الباحثين بنشر بياناتهم الخام. فكتابة نص مقنع أصبحت سهلة، لكن تزوير بيانات كاملة متماسكة يستطيع غيرك إعادة تحليلها أصعب بكثير.

وأخيرا، فالمفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه جزء من الحل، فهو يستخدم اليوم في كشف المراجع الوهمية، وتحليل الصور المصطنعة، ورصد الشبكات المشبوهة من المؤلفين والمحررين. غير أن جذر المشكلة يبقى في ثقافة "انشر وإلا اندثرت" التي تكافئ الكم على حساب الجودة. وما لم تتغير هذه الثقافة، سيبقى السباق بين المزورين والكاشفين مفتوحا مهما تطورت أدوات الكشف.

ويقول نيلز إن مجرد مناقشة المشكلة لا يكفي، فلا بد من البحث عن الحلول. ويقترح حلولا على مستويات مختلفة. أولها يتضمن الحوافز، حيث توجد مصانع الأبحاث المزيفة لأن المسارات المهنية تعتمد على عدد المنشورات، لذا فإن تقييم الأبحاث الذي يعطي الأولوية للجودة على الكمية (كما بدأت بعض جهات التمويل والجامعات في فعله) يقلل الطلب على الأبحاث المزيفة.

وثانيها يتعلق بالناشرين والمجلات، حيث يمكن للمجلات فحص الأبحاث المقدمة للتأكد من عدم وجود أبحاث مكررة لدى ناشرين مختلفين، أو صور معدلة، أو مراجع مختلقة، وسحب الأبحاث بشكل أسرع، وأن تكون شفافة بشأن سياساتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. تجرب المجلات بالفعل أدوات الفحص القائمة على الذكاء الاصطناعي، على الرغم من أن الكشف عن هذه الأبحاث المزيفة والتهرب منها سيظل تحديا مستمرا.

أما ثالثا، فيتعلق بالمؤسسات وجهات التمويل، ويتضمن التدريب على النزاهة، وعواقب شراء حقوق التأليف، ودعم المتطوعين الذين يكشفون العديد من هذه الحالات. أخيرا -وهذا أقرب إلى عملي- التواصل: في استطلاعنا الذي شمل 68 دولة، وجدنا أن الثقة في العلماء مرتفعة إلى حد ما في معظم الدول. لكن حالات التزوير تستغل بسهولة من قبل الشعبويين لتشويه سمعة العلم ككل.

ويختم قائلا: "لذلك أعتقد أنه ينبغي على العلماء والصحفيين الإبلاغ عن هذه الحالات بشفافية، وفي الوقت نفسه، توضيح أن كشف الأبحاث المزيفة وسحبها هو بمثابة تصحيح علمي ذاتي".