وقّع حاكم الشارقة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي روايته الجديدة "الجلندي خالد بن سلطان القاسمي" في الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب. وفي الرواية، التي صدرت عن "منشورات القاسمي" في خمسة فصول، يتّسع السرد لدقائق قليلة قبالة ساحل مسقط، حين تتعلّق نجاة رجلين بمجداف واحد.
يتشبّث رجلٌ أوشك على الغرق بخالد بن سلطان القاسمي، فيكاد أن يجرّه معه تحت الماء. يحمل خالد الرجل على إرخاء قبضته والإمساك بأحد طرفي المجداف، فيما يمسك هو بالطرف الآخر. يواجهان الموج ويغوصان معاً ليمرّ الماء فوق رأسيهما. وحين تأتي الموجة التي ينتظرها خالد، يحثّ الرجل على الاستدارة نحو اليابسة. تحملهما الموجة إلى الشاطئ، فيسارع بعض الواقفين إلى سحبهما قبل أن تجرفهما المياه مجدّداً.
وعلى الرمل، بعد أن يستردّ الرجل أنفاسه، يسأل خالد لماذا خاطر بحياته من أجله، فيجيبه بكلمتين: "طاعة لأبي". يهدأ السرد عند هذا الجواب القصير، ويستعيد خالد عهداً قطعه لأبيه بإنقاذ الأرواح. كان الأب بعيداً في الشارقة، وكانت كلمته حاضرةً حين قرّر الابن أن يلقي بنفسه في الماء.
يقدّم القاسمي "الجلندي" في مقدّمته بوصفها رواية تاريخية موثّقة. وفي لقاء التوقيع، قال إنّ كتابتها استغرقت خمسة أيام، وتحدّث عن اختياره الصيغة القصيرة لعدد من أعماله الروائية مراعاةً لمشاغل القرّاء، مشدّداً على أهمية الرجوع إلى الوثائق الأصلية في كتابة التاريخ.
الطريق إلى آمنة
قبل أن يبلغ خالد شاطئ مسقط، نراه يستعدّ للرحيل من خور الشارقة. يُحمَل الرز والطحين والتمر إلى الجالبوت، ويخرج راكان من الحصن الغربي حاملاً صندوق ثياب خالد. ثم تهبّ ريح "السهيلي" ويرتفع الشراع. في هذه المسافة القصيرة بين باب الحصن والمركب، يستعيد القاسمي شيئاً من الحياة اليومية على الساحل، حتى ليعرف القارئ كيف تُجهَّز رحلة بحرية وما الاسم الذي يطلقه أهل المكان على الريح التي تهبّ ساعة الإبحار.
رأس الخيمة محطّة خالد الأولى، لكنّ وجهته في ذهنه أبعد. ففي لنجة يأمل أن يتزوّج آمنة بنت الشيخ عبد الله بن محسن آل الزين، التي عرفها وأحبّها منذ الصغر. وبعد وفاة زوجها، يتجدّد أمله في لقاءٍ تأخّر سنوات. بهذا الأمل تكتسب لنجة معناها في الرواية. ففيها يتخيّل خالد حياةً جديدة، وتصبح المسافة إليها جزءاً من انتظار القارئ. وحين تموت آمنة قبل زواجهما، تنتهي الحكاية التي منحت الرحلة وجهتها الأولى.
من اختار لقب "الجلندي"؟
تبدأ حكاية الاسم في البيت. فبحسب الرواية، سمّت أمّ خالد ابنها تيمّناً بخالد بن الوليد، ثم أطلقت عليه مهرة بنت إبراهيم المرزوقي، التي تولّت تربيته، لقب "الجلندي"، مستحضرةً الجلندي الأزدي ومعتزّةً بأصلها العُماني. وشاع اللقب على ألسنة أهل الشارقة حتى كاد أن يطغى على اسمه.
يجمع القاسمي في العنوان بين الاسم واللقب، وفي كلٍّ منهما أثر امرأة في طفولة خالد. وبحكاية التسمية، يفتح الرواية على جانب من ذاكرة البيوت، حيث تحمل الأسماء أخبار الأمكنة وأهلها، وقد يخرج لقبٌ اختير لطفل من نطاق العائلة ليصبح الاسم الذي تعرفه به مدينة.
الحصن
يتغيّر إيقاع السرد في الختام. فبعد أن تابع القارئ دقائق الإنقاذ على مهل، تمرّ أعوام من حياة خالد في سطور قليلة. وبعد وفاة أبيه وتولّيه الحكم، تذكر الرواية أنّه منح صالحة بنت حسن بن عبد الله المدفع الحصن الغربي من ميراثها. ثم تورد زواجه من الشيخة موزة بنت الشيخ عبد العزيز الأول بن راشد بن حميد النعيمي، وولادة ابنهما صقر.
وحين يعود اسم الحصن الغربي في الصفحات الأخيرة، يعرف القارئ بابه من مشهد الرحيل. وبين ظهوره في ذلك المشهد وعودته في الخاتمة، يبدّل القاسمي سرعة السرد، فيوسّع لحظةً تُعرّفنا إلى خالد، ويطوي أعواماً حين تكفي الإشارة إلى ما آل إليه أمره. ولعلّ ما يبقى بعد إغلاق الرواية هو الحصن في لحظة المغادرة، حين كانت الرحلة كلّها لا تزال أمامه.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر