الكاتب: أحمد صيام

 لعل أهم ما ظهر جليا من نتائج الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة ، بصرف النظر عن ديموقراطيتها وشفافيتها الى حد كبير ، وبصرف النظر ان كانت هيكلية الحكومة القادمة من معسكر نتنياهو اليميني المُتطرف ، والتي كابد منها الفلسطينييون خاصة على مدار السنوات الاربع الماضية وما زالوا على كافة الصعد ، ومن ثم دول الاقليم والاسرة الدولية على وجه العموم ، ام من مُعسكر المعارضة الذي يُمثل ما يُسمى ( اليمين الوسط ) ويقودة رئيس اركان جيش الاحتلال السابق ايزنكوت ، والذي يشترك بالفكرة ذاتها مع معسكر نتنياهو ، ولكن ربما بنبرة اقل تطرفا ، ولكن يلتقيان على مواصلة نهج العنصرية والابادة والتهجير والاستيطان !! وبصرف النظرعن التقدم الذي احرزه العرب وحصدهم 19 مقعدا ، وهي المرة الاولى التي يظهر بها العرب بهذه القوة منذ انخراطهم بالكنيست ، بالرغم من التمسك باستبعادهم من اي سيناريوا او شراكة او تشكيل حكومي قادم ، ورفع وتيرة التحريض ضدهم ، ورفض اي فكرة لان يكونوا بالمشهد الحكومي ، وهو ما اتضح من خلال الخطابات التي صدح بها رؤساء المُعسكرات الانتخابية جميعا دون استثناء !! الا ان الانتخابات اظهرت بما لا يدعو الا التشكيك او التأويل ، ميول اغلبية عُظمى من المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين المتطرف ، ذا العقيدة الصهيونية التلمودية المبنية على الاحتلال والابادة والاستيطان والاحلال والتهجير والتدمير، وارتفاع وتيرة العنصرية ولكن بدرجات مُتفاوتة بين المعسكرين !! 

هذا النتائج تقود الى جُملة من التساؤلات : هل ما زالت القيادة الفلسطينية والقيادات العربية والاسلامية والدولية تُراهن على امكانية التعايش ودولة كالدولة العبرية تغمرها العنصرية من كل اتجاه ؟ وما الجدوى من استمرار مساعي السلام مع حكومة افرزها مجتمع كان وما زال لا يُؤمن بالسلام ، او التخلي عن اراض مقابل تحقيق السلام ، انما مجتمع يتمتع بالسادية ؟ وكيف سيكون شكل المفاوضات ، مع مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ؟ وما المطلوب لكبح جماح التطرف في المجتمع الاسرائيلي ؟ 

من دون شك ان ممارسات الحكومة الاسرائيلية المُتطرفة والتي يقودها الثالوث المتطرف في الدولة العبرية ( نتنياهو وبن غفير وسموتريتش ) تسببت باحراج كبير للمجتمع الدولي ، ومُمارساتها العنصرية ونهج الابادة الذي انتهجته مع ابناء الشعب الفلسطيني ، ورفضها المُطلق لمبادرات ونداءات السلام كانت الشرارة التي ادت الى نزول الشعوب وخاصة في اوروبا وامريكا الى الشوارع ضد حكوماتهم وانظمتهم ، مُتضامنين مع الشعب العربي الفلسطيني ومُطالبين بوقف الدعم بكافة اشكاله لدولة الكيان ، وتقديم قادتها لمحكمة الجنايات الدولية ، الامر الذي تسبب بتوتر في العلاقات مع مُعسكر حكومة نتنياهو ، ما جعلها تواجه عزلة وضغوطا مُتزايدة من الدول الاوروبية والمنظمات الدولية ، وتزايدت هذه الفجوة بسبب سياساتها المُدمرة لحل الدولتين ، ومُذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الابادة الجماعية ، وتصاعد قرارات بعض الدول الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطين ،  ومن هنا تاتي مراقبة حذرة لعدد من الدول الأوروبية للانتخابات الاسرائيلية ، حيث ترى أن وجود حكومة أقل تطرفا (مثل معسكر غادي آيزنكوت) قد يعمل على تحسين العلاقات الدبلوماسية ويُسهل إدارة الملفات الإنسانية ومفاوضات وقف إطلاق النار، خاصة في قطاع غزة المكلوم ، وفي الوقت الذي يحظى به معسكر نتنياهو المُتطرف بدعم سياسي علني من الادارة الامريكية وتحديدا الرئيس ترامب ، إلا أن الإدارات الأمريكية المُتعاقبة كانت تجد صعوبة مُتزايدة في تسويق سياسات اليمين الصهيوني المُتطرف ، وتضغط باستمرار نحو إيجاد بدائل أو فرض مرونة أكبر في القضايا الأمنية والإنسانية ، فيما تُفضل دول المُحيط والاقليم وخاصة الدول العربية والقيادة الفلسطينية ، المسارات الدبلوماسية ، وهو ما يجعلها تراهن على ان رحيل الثالوث المُتطرف ، قد يمنح بعض التسهيلات الإنسانية ومرونة في المفاوضات . 

قد يكون هناك بعض من التسهيلات المحدودة من مُعسكر اليمين الوسط بقيادة ايزنكوت ان نجح في تشكيل الحكومة القادمة ، ولكن المعسكران يلتقيان معا في فكرة واحدة وتوجه مُتقارب الى حد كبير، وهو رفض فكرة إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 ، او التخلي عن اي جزء من مدينة القدس ، والاستيطان ، وامور عديدة مُشتركة بين الجانبين ، ولعل ما اعلن عنه زعيم حزب  "يسرائيل بيتينو" افيدور ليبرمان ، احد اعضاء معسكر ايزنكوت ، في رفض قيام دولة فلسطينية ، وإنهاء وتفكيك السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية ، وإسناد مهام الإدارة المدنية وشؤون الحياة اليومية والنظام العام عبر قوة شرطية في المنطقتين المصنفتين  ( A  وB ) بالضفة الغربية إلى الأردن ، يقترب كثيرا من ما يطرحه المعسكر الاخر الاكثر تطرفا . 

خلاصة القول ، المجتمع الدولي كان يتعامل وحكومة اليمين المُتطرف كأمر واقع فرضته صناديق الاقتراع الاسرائيلية ، وليس كشريك لتحقيق سلام شامل ، وربما كان ينتظر وجود قيادة اسرائيلية أكثر اعتدالاً ، لديها قابلية للتفاوض للحد من التصعيد في المنطقة ، وهو ما ينظر اليه البعض ان القضية تدور في فلك ادارة ازمة وليس حلحلتها من جذورها وتطبيق الشرعية الدولية ، وفرض حل الدولتين ، ولكن غضوا الطرف وصرفوا النظر، عن توجه شبة كبير للمجتمع الاسرائيلي نحو اليمين والتطرف والرغبة في مواصلة النهج السابق القائم على الابادة والتهجير والاستيطان والتنكر لحقوق الاخرين ، فكيف سيجري التعامل المستقبلي مع اي حكومة اسرائيلية قادمة من ناخب يميني مُتطرف ؟ 

في ظل تصاعد حدة التطرف في المجتمع الاسرائيلي والتي تنعكس على سياسات الاحتلال مع الفلسطينيين ودول الجوار والاسرة الدولية ، يتطلب : 
فلسطينيا : تحرك جدي وفاعل لترتيب بيتهم الداخلي ، وتشكيل قيادة مُوحدة تضم كافة الأطياف السياسية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ، كممثل شرعي وحيد ، والاتفاق على برنامج سياسي ونضالي مُشترك ، يكفل تفعيل المقاومة الشعبية على الأرض ، بالتوازي مع حراك دبلوماسي مُكثف في المحافل الدولية ، بتنسيق مُشترك مع الدول العربية المُؤثرة خاصة ، ومُواصلة تقديم الملفات والوثائق لمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية لمُحاسبة قادة الاحتلال على جرائم الابادة والاستيطان ، ومن ثم تبني استراتيجية مُتفق عليها ، مبنية على الشرعية الدولية وتتبناها الاسرة الدولية ، والضغط على دولة الكيان بوسائل عدة ، تدفعها للانصياع للرغبة الدولية بتحقيق السلام الشامل الذي يضمن الامن والامان لجميع الاطراف .

عربيا : استخدام العلاقات السياسية والاقتصادية ، خاصة للدول التي لديها اتفاقيات سلام مع دولة الكيان ، للضغط على الحكومة الإسرائيلية " اي كان شكلها وهيكليتها " على وقف الانتهاكات المُستمرة ، والاصرارعلى ان اقامة أي علاقات طبيعية مع اسرائيل تتطلب الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ، وتوحيد الجهود العربية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لفرض قرارات تُدين دولة الاحتلال ومُمارساتها المُنافية للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ، وفي مقدمتها التهجير والاستيطان . 

دوليا : الاسرة الدولية ان واجهت موقفا فلسطينيا وعربيا واسلاميا موحدا وضاغطا ، من دون شك ولاجل مصالحها مع العالمين العربي والاسلامي ، ستعمل على كبح جماح التطرف في المجتمع الاسرائيلي ، وذلك من خلال فرض عقوبات ومُقاطعة الاستيطان وحظر مُنتجات المستوطنات الإسرائيلية بشكل كامل ، وفرض عقوبات على قادة اليمين المُتطرف والمستوطنين الذين يمارسون العنف ضد المدنيين ، وربط الُمساعدات العسكرية والمالية المُقدمة لإسرائيل بمدى التزامها بالقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان ، والعمل الجاد على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة مثل القرار 2334 الخاص بوقف الاستيطان وتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.