فتح برنامج "نبض البلد"، يوم السبت، ملفا أمنيا وقانونيا شائكا يتمحور حول "أزمة ما بعد الإفراج"، ومدى انتهاء خطورة العقوبة أو تأثيرها بمجرد خروج النزيل المحكوم بقضايا الإرهاب والتطرف من مراكز الإصلاح والتأهيل؛ حيث ناقشت الحلقة التعقيدات العميقة التي ترافق إعادة دمج من تلوثت عقولهم بالفكر التكفيري، مسلطة الضوء على الفجوة بين النصوص القانونية النافذة والواقع الميداني السيكولوجي لمن يرون في المجتمع خصوما عقائديين؛ إذ استضاف البرنامج كلا من اللواء الركن المتقاعد أنور الطراونة، والمحامي المختص في القضايا الجنائية صلاح جبر، لتشريح أبعاد هذه الظاهرة التي أعادتها الحوادث الأمنية الأخيرة إلى صدارة الاهتمام الوطني.
وأكد اللواء الركن المتقاعد أنور الطراونة أن التعامل مع حملة الفكر التكفيري الضلالي، وخاصة أولئك الذين جرى ضبطهم في قضايا سابقة، يختلف جذريا عن أي نمط آخر من المحكومين الجنائيين، لأن هذا المعتقد ينغرس في النفس بعمق يجعل انتزاعه أمرا شديد الصعوبة؛ حيث أوضح أن هؤلاء الأشخاص كانوا يعيشون حياة طبيعية قبل سقوطهم في هذا الوحل الذي شكل لديهم مخزونا حقديا هائلا يقوم على "الاستبراء" من كل من لا ينتمي للتنظيم ومنح الولاء المطلق له، مبينا أن مراكز الإصلاح تبذل جهودا مضنية عبر المحاضرات والمقابلات، إلا أن بعض النزلاء يمتلكون قدرة على المراوغة وإيهام الجميع بالتراجع، فيما يبقون متشبثين بعقيدتهم الظلامية وينتظرون اللحظة السانحة للانتقام عقب خروجهم.
وشدد الطراونة على أن الدولة الأردنية دولة قوية وأجهزتها الأمنية أدت واجبها بالقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء لنيل جزائهم، لكن سلطة القانون لا تجيز إبقاء أي شخص قيد الاحتجاز إلى الأبد بعد انتهاء محكوميته وإجراءاته الإدارية، كما يستحيل أمنيا فرض حراسة لصيقة عليه على مدار الساعة بعد انخراطه في حياته العامة؛ لافتا إلى أن القضايا التي تفضي إلى إزهاق الأرواح واستشهاد الأبرياء تنتهي في الغالب بأحكام الإعدام، معربا عن قناعته التامة بأن عقوبة الإعدام هي الجزاء الرادع والوحيد لمثل هؤلاء؛ إذ اعتبر أن الوحشية المتأصلة في نفوس هذه الفئة تجعلهم حالات "لا يرجى شفاؤها" أو إصلاحها، مما يجعل القصاص العادل حماية للمجتمع من شرورهم.
كما لفت إلى أن النفس البشرية هي أعقد الكائنات في الدراسة والتحليل، ولا يمكن لأحد النفاذ إلى عقل الشخص لمعرفة حقيقة ما يبطنه حتى وإن أوهم من حوله بالاستجابة لبرامج التوعية.
من ناحيته، طرح المحامي صلاح جبر منظورا جنائيا وحقوقيا مغايرا، داعيا إلى التمييز الدقيق في قانون مراكز الإصلاح والتأهيل بين النزلاء؛ حيث يجيز القانون الإفراج المبكر عمن أمضى ثلثي مدته في حال ثبوت حسن السيرة والسلوك، وهو أمر ينطبق على بعض محكومي قضايا الإرهاب كذلك؛ موضحا أن هناك نماذج كثيرة أنهت محكومياتها وعادت لممارسة حياتها الطبيعية والعمل الشريف، غير أن العقدة الحقيقية تبقى محصورة في أولئك الذين يكفرون المجتمع ويرفضون الاختلاط بغيرهم؛ مما يفرض وجود تقييم نفسي وسلوكي أولي عند دخول النزيل، وتقييم معمق آخر لحظة الإفراج عنه لتحديد مستوى الخطورة.
وأكد جبر أن دور الدولة ومؤسساتها لا ينتهي بمجرد مغادرة الشخص لأسوار السجن، بل يبدأ الدور الرقابي والتأهيلي اللاحق لمنع ارتباطهم بجهات خارجية أو نقلهم للأفكار المتطرفة للآخرين، مع التركيز على متابعة الفئات الأشد خطورة.
واختتم المحامي جبر طرحه بمعارضة فكرة تشديد العقوبات الجزائية والتوسع في الإعدام كحل أساسي، مؤكدا أن "تشديد العقوبة أبدا ليس الحل"؛ حيث دعا إلى استقراء التجارب الدولية المتقدمة التي نجحت في إغلاق بعض سجونها عبر معالجة جذور الانحراف وتبني حلول وقائية مبتكرة قبل اللجوء لأقصى درجات العقاب؛ مما يعكس حجم التباين في الرؤى بين التشديد القصاصي الحازم لاستئصال الخطر، وبين التأهيل العلمي المستمر لصون الأمن المجتمعي ومنع تجدد نزيف الدماء على يد فلول الإرهاب.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر