قد تلاحظ الأم أن طفلها المصاب باضطراب طيف التوحد ينجذب إلى ألعاب معينة أكثر من غيرها، فقد يقضي وقتاً طويلاً في ترتيب المكعبات بحسب ألوانها، أو يكرر تحريك عجلات السيارة الصغيرة، أو يستمتع بمشاهدة فقاعات الصابون وهي ترتفع في الهواء، بينما لا يبدي الاهتمام نفسه بالألعاب الجماعية أو الأنشطة التي تتطلب خيالاً اجتماعياً وتفاعلاً مستمراً مع الآخرين، وهذه الاختلافات لا تعني أن الطفل لا يحب اللعب أو أنه غير قادر على الاستمتاع به، بل تعكس في كثير من الأحيان طريقته الخاصة في استقبال المعلومات الحسية، وفهم البيئة المحيطة، والتعبير عن اهتماماته واحتياجاته.
ويعد اللعب وسيلة مهمة لدعم نمو الأطفال المصابين بالتوحد؛ لأنه يمنحهم فرصة لاكتشاف العالم بإيقاع يناسبهم، ويتيح لهم التدريب على التواصل والانتباه والتنسيق الحركي والمرونة في التفكير، من دون تحويل كل لحظة إلى اختبار أو مطالبة بأداء مهارة معينة، كما أن اختيار اللعبة المناسبة لا يعتمد على تشخيص التوحد وحده، وإنما يرتبط بعمر الطفل ومستوى نموه واهتماماته وحساسيته للأصوات والأضواء والملمس والحركة، فليس هناك ألعاب يحبها جميع الأطفال المصابين بالتوحد بالطريقة نفسها، ولكن توجد أنشطة يجد كثير منهم متعة وراحة فيها.
1. المكعبات وألعاب البناء والتركيب
تحتل المكعبات وألعاب البناء مكانة مميزة لدى كثير من الأطفال المصابين بالتوحد؛ لأنها تجمع بين الألوان والأشكال والقواعد الواضحة، وتمنح الطفل فرصة لصناعة شيء ملموس يمكنه رؤيته والتحكم في تفاصيله، فقد يستمتع بترتيب المكعبات بحسب الحجم أو اللون، أو بناء برج طويل ثم إعادة بنائه بالطريقة نفسها، أو تجربة أشكال هندسية مختلفة للوصول إلى تصميم يرضيه.
ويرجع انجذاب بعض الأطفال إلى هذه الألعاب إلى أنها تقدم نتيجة متوقعة، وتسمح بتكرار النشاط من دون مفاجآت مزعجة، كما تساعد على تطوير المهارات الحركية الدقيقة والتنسيق بين العين واليد والتخطيط المكاني، ويمكن للأم المشاركة تدريجياً من خلال بناء برج صغير بالتناوب مع طفلها، أو تقليد الشكل الذي يصنعه، أو اقتراح إضافة قطعة جديدة، مع احترام الطريقة التي يفضل اللعب بها.
2. فقاعات الصابون الملونة
تعتبر فقاعات الصابون من الأنشطة البسيطة التي تجذب اهتمام عدد كبير من الأطفال؛ إذ تقدم تجربة بصرية وحركية ممتعة تتمثل في مشاهدة الفقاعات، وهي تتشكل وتطفو وتتغير أحجامها ثم تنفجر، وقد يجد الطفل متعة خاصة في متابعة حركتها أو محاولة لمسها أو مطاردتها، كما أن تكرار نفخ الفقاعات يمنحه إحساساً بالتوقع؛ لأنه يعرف ما سيحدث بعد كل محاولة.
ويمكن للأم تحويل هذا النشاط إلى فرصة للتواصل من خلال التوقف لحظات قبل نفخ الفقاعة وانتظار إشارة الطفل أو كلمته أو نظرته التي تعبر عن رغبته في استمرار اللعب، كما يمكنها تشجيعه على طلب المزيد أو الإشارة إلى الفقاعة الكبيرة والصغيرة، من دون الضغط عليه للتحدث إذا كان يستخدم وسائل أخرى للتواصل، مع الانتباه إلى عدم استخدام محاليل الفقاعات بطريقة قد تسبب تهيج العينين أو ابتلاعها.
3. ألعاب الماء والأنشطة الحسية
يستمتع بعض الأطفال المصابين بالتوحد باللعب بالماء، سواء من خلال سكب الماء بين الأكواب، أو استخدام القمع والعبوات الصغيرة، أو تحريك الألعاب العائمة ومراقبة الأمواج التي تتشكل عند لمس سطح الماء، فاللعب هنا لا يعتمد على قواعد معقدة، بل يمنح الطفل فرصة لاستكشاف ملمس الماء ودرجة حرارته وحركته بطريقة مباشرة ومتكررة.
وقد يكون هذا النشاط مريحاً لبعض الأطفال الذين يبحثون عن تجارب حسية معينة، بينما قد يسبب الانزعاج لآخرين ممن لا يحبون البلل أو ملمس الماء، ولذلك من الأفضل البدء بكميات قليلة وترك الطفل يختار الأدوات التي يرغب في لمسها، مع ضرورة الإشراف المباشر طوال الوقت، حتى عندما يكون الماء داخل وعاء ضحل؛ لأن اللعب بالماء لا يخلو من مخاطر الغرق.
4. ألعاب التصنيف والفرز حسب الألوان والأشكال
تجذب ألعاب التصنيف اهتمام بعض الأطفال الذين يحبون التنظيم والأنماط المتكررة؛ إذ يستطيع الطفل وضع القطع الحمراء في سلة واحدة والزرقاء في أخرى، أو ترتيب الحيوانات بحسب أحجامها، أو جمع الأشكال المتشابهة في مجموعات منفصلة، وهي أنشطة تبدو بسيطة، لكنها تمنحه فرصة لممارسة الملاحظة والمقارنة والانتباه إلى التفاصيل.
والسبب الذي يجعل هذه الألعاب محببة لدى بعض الأطفال هو أنها تقدم مهمة واضحة ذات بداية ونهاية، كما تسمح لهم بالشعور بالإنجاز عند إكمال عملية الفرز، ويمكن للأم تطوير النشاط تدريجياً من خلال تغيير معيار التصنيف، كأن تبدأ بالألوان ثم تنتقل إلى الأشكال أو الأحجام، مع عدم إجبار الطفل على تغيير طريقة ترتيبه إذا كان يشعر بالراحة معها.
5. السيارات والقطارات ذات المسارات المتكررة
تعد السيارات والقطارات من الألعاب التي تثير اهتمام كثير من الأطفال، وقد يفضل بعضهم تحريك السيارة ذهاباً وإياباً على المسار نفسه، أو مشاهدة عجلاتها وهي تدور، أو ترتيب مجموعة من السيارات في صفوف منتظمة، بينما يستمتع آخرون بإنشاء مسارات طويلة للقطارات ومراقبة حركتها المتكررة.
وقد يرتبط هذا الاهتمام بحب الطفل للحركة المنتظمة والتفاصيل البصرية المتوقعة، كما توفر هذه الألعاب فرصة لتعلم مفاهيم مثل السرعة والاتجاه والمسافة والتتابع، ويمكن للأم المشاركة من خلال إضافة محطة إلى مسار القطار أو اقتراح تغيير بسيط في الطريق، مع تجنب منع الطفل من تكرار الحركة التي يستمتع بها ما دامت آمنة ولا تعوق أنشطته اليومية.
إليك.. أهم 10 أخطاء في تربية طفلك.. وكيف يمكن تجنّبها؟
6. الألغاز وألعاب المطابقة
تجذب الألغاز المصورة وألعاب المطابقة الأطفال الذين يستمتعون بحل المشكلات واكتشاف العلاقات بين الأشكال والصور؛ إذ يتطلب تركيب القطعة في مكانها المناسب ملاحظة التفاصيل وتجربة الاحتمالات المختلفة، وقد يشعر الطفل بالرضا عندما يكتشف بنفسه أن قطعة معينة تتناسب مع فراغ محدد.
ومن الأفضل اختيار ألغاز تتناسب مع مستوى الطفل، بحيث لا تكون سهلة إلى درجة تفقده الاهتمام، ولا صعبة إلى درجة تجعله يشعر بالإحباط، ويمكن البدء بالألغاز الخشبية ذات القطع الكبيرة والصور الواضحة، ثم الانتقال تدريجياً إلى ألعاب أكثر تعقيداً، كما تستطيع الأم استخدام صور الحيوانات أو الفواكه أو وسائل النقل لمساعدة الطفل على الربط بين الصورة والشيء الذي تمثله.
7. الألعاب الموسيقية والآلات الإيقاعية
قد ينجذب بعض الأطفال المصابين بالتوحد إلى الموسيقى والأصوات الإيقاعية، ويستمتعون بالعزف على الطبل الصغير أو استخدام الإكسيليفون أو هز الخشخيشة لإنتاج أصوات مختلفة؛ لأن الموسيقى تمنحهم تجربة حسية منظمة يمكن التحكم في شدتها وتكرارها، كما تسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم بطريقة لا تتطلب استخدام الكلمات.
وتساعد الألعاب الموسيقية على تنمية الانتباه السمعي والتنسيق الحركي والتقليد، ويمكن للأم أن تبدأ بإيقاع بسيط ثم تنتظر حتى يحاول الطفل تقليده، أو تتبادل معه الأدوار في إصدار الأصوات، ولكن من الضروري مراعاة أن بعض الأطفال لديهم حساسية شديدة للأصوات، لذلك يفضل اختيار أدوات هادئة وتجنب المفاجآت الصوتية أو رفع مستوى الموسيقى بصورة مزعجة.
8. الألعاب الحركية والترامبولين الصغير
يحتاج بعض الأطفال المصابين بالتوحد إلى أنشطة حركية تمنحهم فرصة لتفريغ طاقتهم واستكشاف الإحساس بحركة أجسامهم، ولذلك قد يستمتعون بالقفز أو التسلق أو المرور داخل الأنفاق القماشية أو المشي فوق مسارات أرضية مرسومة، كما يمكن أن يكون الترامبولين الصغير نشاطاً ممتعاً لبعضهم عندما يستخدم بطريقة مناسبة لأعمارهم وقدراتهم.
وتوفر هذه الأنشطة فرصاً لتطوير التوازن والتنسيق العضلي والإدراك المكاني، وقد تساعد الطفل على تنظيم مستوى نشاطه؛ إلا أن استجابة الأطفال للحركة تختلف، فهناك منْ يجد فيها متعة كبيرة، وهناك منْ يشعر بالدوار أو الانزعاج، ولذلك ينبغي اختيار نشاط آمن ومراقبة الطفل طوال الوقت، مع الالتزام بتعليمات الاستخدام وتجنب القفز دون إشراف.
9. الدمى والحيوانات المحشوة وألعاب التمثيل
قد يفضل بعض الأطفال الحيوانات والدمى المحشوة؛ لأنها تمنحهم شعوراً بالراحة والأمان، خصوصاً عندما تكون ذات ملمس ناعم أو شكل مألوف، وقد يتعلق الطفل بدبدوب معين ويصطحبه معه في أوقات مختلفة، أو يرتب مجموعة من الحيوانات المحشوة بالطريقة نفسها كل يوم، وهو سلوك يمكن أن يعبر عن ارتباطه بأشياء تمنحه الاستقرار والطمأنينة.
كما يمكن استخدام الدمى في أنشطة التمثيل البسيطة التي تساعد على فهم المواقف الاجتماعية، كأن تقدم الأم دمية جائعة وتعرض عليها الطعام، أو تجعل حيوانين محشوين يتبادلان التحية، أو تحاكي موقف الذهاب إلى الطبيب، لكن ينبغي ألا تتحول اللعبة إلى اختبار لقدرة الطفل على التفاعل الاجتماعي، بل تظل مساحة آمنة يشارك فيها بالقدر الذي يريحه.
10. الألعاب الرقمية والتطبيقات التفاعلية
تجذب الأجهزة اللوحية والتطبيقات التعليمية اهتمام بعض الأطفال المصابين بالتوحد، خصوصاً الألعاب التي تعتمد على الصور الواضحة والأزرار البسيطة والتغذية الراجعة الفورية، مثل ألعاب مطابقة الأشكال والحروف والأرقام، أو التطبيقات التي تساعد على تعلم المفردات والتواصل باستخدام الصور والرموز، وقد تكون هذه الأدوات مفيدة للأطفال الذين يجدون صعوبة في التعبير اللفظي، عندما يتم اختيارها بما يتناسب مع احتياجاتهم.
وتكمن أهمية هذه الألعاب في إمكانية تكرار النشاط بالسرعة التي يفضلها الطفل، كما أنها قد تدعم تعلم مهارات جديدة وتوفر وسائل بديلة للتواصل، ولكن ينبغي ألا تحل محل اللعب الواقعي والتفاعل الإنساني، ومن الأفضل تحديد وقت مناسب لاستخدام الشاشة ومشاركة الطفل في بعض الأنشطة الرقمية، مع اختيار تطبيقات آمنة وخالية من الإعلانات المزعجة والمحتوى غير المناسب.
كيف تختارين اللعبة المناسبة لطفلكِ المصاب بالتوحد؟
لا يكفي أن تكون اللعبة مصنفة على أنها تعليمية أو مخصصة للأطفال المصابين بالتوحد حتى تكون مناسبة لطفلكِ، تابعي الآتي:
ينبغي أن تنطلقي من ملاحظتكِ لاهتماماته واستجاباته الحسية؛ فإذا كان ينزعج من الأصوات المرتفعة فمن الأفضل الابتعاد عن الألعاب الصاخبة، وإذا كان يحب اللمس فقد تجذبه الأنشطة التي تعتمد على الماء أو العجائن الآمنة، وإذا كان يستمتع بالتكرار والترتيب فقد تكون ألعاب التصنيف والبناء نقطة بداية جيدة للتواصل معه.
لا تفرضي على طفلك طريقة واحدة للعب، فقد يستخدم المكعبات للبناء، أو يفضل ترتيبها في صفوف، أو يستمتع بتجميعها وتفكيكها مراراً، ويمكنكِ الانضمام إلى اهتمامه أولاً ثم إدخال أفكار جديدة بصورة تدريجية، بدلاً من انتزاع اللعبة منه أو مطالبته بتغيير سلوكه فوراً.
يستحسن اختيار ألعاب مناسبة لعمره ومستوى نموه، وخالية من القطع الصغيرة التي قد يبتلعها، ومن المواد التي قد تسبب الاختناق أو الحساسية.
اعلمي أنه ليست أفضل لعبة للطفل المصاب بالتوحد هي الأكثر تعقيداً أو الأغلى ثمناً، وإنما اللعبة التي تمنحه المتعة والشعور بالأمان، وتفتح أمامه فرصة للتعلم والتواصل بطريقته الخاصة، فحين تلاحظ الأم ما يحبه طفلها وتحترم إيقاعه واحتياجاته، يصبح اللعب جسراً لبناء الثقة وتعزيز المهارات واكتشاف قدراته.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر