تتجه ثلاث دول أوروبية إلى تعزيز وارداتها من الغاز الجزائري، في إطار مساعيها لتنويع مصادر الإمدادات وتأمين احتياجاتها من الطاقة، وسط التحولات المتواصلة التي تشهدها خريطة تجارة الغاز في القارة الأوروبية.

وتشمل هذه التحركات التشيك وفرنسا وألمانيا، مع اختلاف مسارات التعاون بين الدول الثلاث، إذ تسعى براغ إلى مضاعفة الكميات المتعاقد عليها مع الجزائر، فيما طلبت باريس زيادة إمدادات النفط والغاز المسال في أقرب وقت، بينما تستعد برلين لاستقبال كميات إضافية بموجب اتفاق بين شركة سوناطراك ونظيرتها الألمانية “في إن جي” (VNG)، وفق ما أوردته منصة “الطاقة” المتخصصة.

وتعزز الجزائر موقعها في السوق الأوروبية بفضل صادراتها من الغاز عبر خطوط الأنابيب وشحنات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب علاقاتها التعاقدية مع عدد من شركات الطاقة الأوروبية.

وفي هذا السياق، أعلن مكتب الحكومة التشيكية، الثلاثاء 27 أكتوبر، رغبة براغ في مضاعفة كميات الغاز التي تستوردها من الجزائر بموجب العقد المبرم بين شركة الطاقة التشيكية “سي إي زد” (ČEZ) وسوناطراك، لترتفع من 200 مليون متر مكعب إلى 400 مليون متر مكعب سنويا.

وكانت الشركتان قد وقعتا العقد عام 2024، في إطار جهود التشيك لتنويع مصادر إمداداتها والابتعاد عن الاعتماد على الغاز الروسي.

وجاء الإعلان عقب زيارة استمرت يومين أجراها رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش ووزير الصناعة كاريل هافليتشيك إلى الجزائر، حيث نقلت وكالة الأنباء التشيكية عن هافليتشيك، مساء الاثنين 26 أكتوبر، أن الوفد تلقى تعهدا مبدئيا من المسؤولين الجزائريين بتوسيع نطاق العقد.

ولم يقدم مكتب الحكومة التشيكية تفاصيل إضافية بشأن موعد تطبيق الزيادة أو الشروط التجارية المرتبطة بها.

وفي فرنسا، كشفت مصادر مطلعة لمنصة “الطاقة” أن باريس طلبت من الجزائر زيادة شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في أقرب وقت، ضمن تحركاتها لتأمين إمدادات إضافية في ظل الاضطرابات التي تؤثر في أسواق الطاقة.

وتواصلت السلطات الفرنسية مع الجزائر لبحث إمكانية رفع الإمدادات، بالتوازي مع تحركات الرئيس إيمانويل ماكرون للتواصل مع دول الخليج وموردين آخرين.

وجاءت فرنسا في المرتبة الثانية ضمن أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال الجزائري خلال الربع الثالث من عام 2026، بواردات بلغت 390 ألف طن، مقابل 520 ألف طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلة تراجعا بنسبة 25 بالمائة، وفق بيانات وحدة أبحاث الطاقة.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن الالتزامات التعاقدية لسوناطراك مع عملاء آخرين قد تحد من قدرتها على زيادة شحنات الغاز المسال إلى فرنسا في المدى القريب، حتى مع استعداد الجزائر لبحث زيادة إمدادات النفط.

أما ألمانيا، فتسعى إلى توسيع تعاونها في مجال الغاز مع الجزائر، ضمن جهودها لتنويع مصادر الإمدادات وتأمين احتياجات السوق، بما في ذلك توفير كميات إضافية لدعم ملء منشآت تخزين الغاز.

وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد صرح، خلال زيارته إلى الجزائر في سبتمبر 2026، بأن الجزائر قادرة على المساهمة في ملء منشآت تخزين الغاز الألمانية، واصفا إياها بالشريك الموثوق في مجال الطاقة.

وفي هذا الإطار، وقعت سوناطراك اتفاقا مع شركة “في إن جي” الألمانية لزيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى ألمانيا، على أن يبدأ تنفيذ الزيادة في الفاتح من جانفي 2027.

وجرى توقيع الاتفاق خلال الزيارة الرسمية التي أداها الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين في جويلية 2026، على هامش المنتدى الاقتصادي الجزائري الألماني، الذي شهد إبرام اتفاقيات في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.

وسبق ذلك وصول أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى ألمانيا، عبر محطة إعادة التغويز العائمة “فيلهلمسهافن 1” (Wilhelmshaven 1)، في خطوة جسدت بدء تنفيذ أول عقد لتوريد هذا النوع من الغاز بين البلدين.

وكان عقد التوريد الأول قد وُقّع في فيفري 2024، خلال زيارة نائب المستشار الألماني ووزير الاقتصاد وحماية المناخ آنذاك روبرت هابيك إلى الجزائر.

وتحظى الجزائر بموقع مهم في سوق الغاز الأوروبية، بفضل قربها الجغرافي من القارة وامتلاكها خطوط أنابيب تربطها مباشرة بجنوب أوروبا، فضلا عن منشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال.

وتشير بيانات وحدة أبحاث الطاقة إلى أن حصة الجزائر من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، عبر الأنابيب والغاز المسال، تراوحت بين 13 و14 بالمائة خلال السنوات الأربع الماضية، بعدما بلغت 13.2 بالمائة عام 2021.

وتأتي هذه التطورات في سياق التحولات التي عرفتها خريطة موردي الغاز إلى أوروبا عقب الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تراجعت حصة روسيا من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من 45 بالمائة عام 2021 إلى 13 بالمائة عام 2025، مقابل ارتفاع حصة الولايات المتحدة من 5.6 إلى 28 بالمائة، فيما اقتربت حصة النرويج من 31 بالمائة.

وتعتمد صادرات الغاز الجزائري إلى أوروبا على خطين رئيسيين للأنابيب، هما “ميدغاز” الذي يربط الجزائر بإسبانيا، و”ترانسميد” الذي ينقل الغاز إلى إيطاليا عبر تونس وصقلية، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرا.