من يزور العراق عبر بوابة مطار بغداد يتفاجأ بما يراه من مستوى المطار وقِدَمه. فالدخول إلى المطار مهمة شاقة، تبدأ من نقطة تفتيش إلى أخرى؛ يصطف المسافرون بحقائبهم قبل الدخول، ثم يعودون إلى الطوابير بعد دخولهم، تمر عليها كلاب متخصصة في التفتيش.
وبعد كل هذه الإجراءات، يدخل المسافر إلى مطار يبدو قديماً: بواباته متآكلة، وبعض زجاجه ملصق باللاصق، وبعض حماماته مغلقة، وما بقي مفتوحاً منها قديم أيضاً. بينما تبدو أكشاك بيع القهوة أشبه بأكشاك محطات القطارات في أوروبا منها بالمطارات. أما حزام نقل الأمتعة، فيكاد ينهار من شدة القدم والتآكل. وليس ذلك مفاجئاً؛ إذ شُيّد المطار بين عامي 1979 و1982 على يد شركات فرنسية وبريطانية، وظل يعاني منذ سنوات الحصار في تسعينات العام الماضي من نقص الاستثمار والصيانة لسنوات طويلة.
وحدهم العاملون في المطار ما زالوا يحملون روحاً مرحة وقدرة عجيبة على الترحيب والحفاوة، وكأنهم يعوّضون الزائر عن قسوة المكان وتعقيد إجراءاته. ويُقال إن العمل في المطار، سواء في الأجهزة الأمنية أو الخدمية، يتطلب علاقات خاصة؛ وهو ما يضيف إلى الصورة انطباعاً بأن المشكلة ليست في المبنى وحده، بل في طريقة إدارته أيضاً.
أما مطار النجف الذي يستقبل مئات الآلاف من الزوار المتوجهين إلى العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، فمبناه أشبه بمخزن بضائع كبير، بعض أجزائه مغطى بقطع ملوّنة في طراز وذوق لا يعكس الفن العراقي الأصيل ولا يليق بحجم الزيارات الدينية التي يستقبلها.
في العراق عشرة مطارات: إلى جانب مطار بغداد الدولي، هناك مطارات الموصل والبصرة وأربيل والسليمانية وكركوك والناصرية ودهوك وكربلاء والنجف. لكن ليس كلها قيد العمل؛ فبعضها ما زال قيد الإنشاء، وبعض المطارات العاملة لا تصله رحلات دولية مباشرة.
مطارات كردستان أفضل
يبدو الوضع أفضل إلى حد كبير في مطارات إقليم كردستان، خصوصاً في مطار أربيل الذي حصل في حزيران/ يونيو 2024 على تقييم مرتفع من منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو"، بعدما تجاوزت درجته 80 من 100. واستقبل المطار نحو 2.084 مليون مسافر عام 2023، بزيادة تقارب 384 ألف مسافر عن العام السابق، ويشغّل نحو 100 رحلة يومياً. وكذلك الحال في مطار البصرة، مما يبرز الفارق بين ما يمكن أن تقدمه المطارات العراقية، وبين ما تقدمه اليوم في بغداد والنجف.
خلال حكم النظام السابق، كانت هناك ثلاثة مطارات عاملة فقط: بغداد والبصرة والموصل. ومع انفتاح العراق على الخارج بعد سقوط نظام صدام حسين، بدأت بوادر لإعادة إعمار بنية تحتية بقيت دون مساس لعقود. وشرعت المدن العراقية في إنشاء مطارات نتيجة الحاجة إلى الربط الدولي، إما بسبب بُعد بعضها عن مطارات المدن الثلاث، أو بسبب حجم الزيارات الدينية. لكن مستوى إنجاز المطارات، وكذلك الخدمات المقدمة فيها، لم يرقَ إلى الطموح، لا على مستوى التخطيط ولا على مستوى التنفيذ.
اقتصاد ينتظر مطاراته
هذه الفجوة ليست مسألة مظهر فحسب. فالنقل الجوي يسهم في العراق بنحو 4.9 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 1.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر نحو 256 ألف فرصة عمل، بينها نحو 95.6 ألف فرصة عمل مرتبطة بالسياحة المدعومة بالطيران.
كما يسهم السياح القادمون إلى العراق بنحو 2.5 مليار دولار سنوياً في الاقتصاد عبر إنفاقهم على السلع والخدمات المحلية.، بحسب تقرير "قيمة النقل الجوي للعراق" لعام 2023، الصادر بالاعتماد على بيانات "أكسفورد إيكونوميكس" و "إياتا".
وفي عام 2023، غادر العراق 3.4 مليون مسافر دولياً، كان نحو نصفهم متجهين إلى دول الشرق الأوسط، وثلثهم إلى أوروبا، فيما تصدّرت إسطنبول ودبي قائمة الوجهات الأكثر طلباً. ومع ذلك، لا تتجاوز حصة العراق 3.1 بالمئة من حركة المسافرين الدوليين في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل تدهور المطارات ليس مشكلة انطباع أول فحسب، بل عائقاً أمام السياحة والاستثمار والربط الإقليمي.
مطار كربلاء الدولي تحت الاختبار
يبقى مطار كربلاء الدولي اختباراً آخر لطموح العراق في النقل الجوي، فالمشروع، الذي بدأ تنفيذه عام 2017 بين كربلاء والنجف، لم يفتح بعد أبوابه للرحلات التجارية المنتظمة، رغم أن أعماله بلغت، بحسب العتبة الحسينية غير التابعة للدولة، نحو 89 بالمئة في نهاية عام 2025. صُمم ليكون بوابة كبرى للزوار المتوجهين إلى مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس، بطاقة تبدأ بنحو مليوني مسافر سنوياً في مرحلتها الأولى، وتتوسع تدريجياً إلى نحو 20 مليون مسافر عند اكتمال مراحله.
وقد وقّعت شركة "طيبة كربلاء"، المالكة للمشروع بالشراكة مع العتبة الحسينية، اتفاقية مع "مطارات عُمان" لدعم تهيئته وتشغيله الأولي وتدريب الكوادر المحلية.
ولم يكن ملف مطار كربلاء بمنأى عن الجدل. فقد شاب المشروع منذ بداياته ادعاءات وشبهات فساد تتعلق بطريقة إحالته وإدارته، وبتأهيل الجهات المنفذة له، رغم أن هذه الادعاءات لم تُحسم قضائياً أو حكومياً بشكل نهائي. وقد توقف العمل في المشروع عام 2018 وسط خلافات حول الأرض المخصصة له، قبل أن يستأنف لاحقاً بوتيرة متقطعة.
وهنا تتكرر الإشكالية نفسها: المشاريع الكبرى لا تحتاج إلى أحجار وحسب، بل إلى عقود واضحة، ومناقصات شفافة، ومساءلة حقيقية تمنع تحول البنية التحتية إلى ملفات مفتوحة لا تنتهي.
مطار بغداد الجديد أم تطوير المطار القديم؟
في المقابل، أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي أهمية الإسراع في تنفيذ المشاريع الحيوية والاستراتيجية بعيداً عن البيروقراطية والروتين، مشيراً إلى حاجة العراق إلى مطار كبير يواكب أهمية النقل الجوي وموقع العراق الجغرافي والاقتصادي.
وذكر بيان للمكتب الإعلامي لرئاسة مجلس الوزراء أن الزيدي ترأس الاثنين (الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2026) اجتماعاً خاصاً بشأن عدد من المشاريع الخدمية الكبرى، ومنها مشروعا المدن العصرية والمطار الجديد لمدينة بغداد.
غير أن البيان لم يوضح هل يقصد رئيس الوزراء بـ"المطار الجديد" مطاراً دولياً جديداً كلياً لبغداد، أم إعادة تأهيل وتطوير مطار بغداد الدولي القائم. وهذا التباس مهم، لا سيما أن مشروع تطوير مطار بغداد الحالي أُلغي في 14 حزيران/ يونيو 2026 بعد ظهور شبهات فساد، وفق ما نقلت رويترز عن مصادر حكومية.
وكان المشروع الملغى يشمل عقداً بقيمة 764 مليون دولار، مُنح في العام السابق إلى اتحاد شركات يضم "كوربروسيون أمريكا إيربورتس"، التي تتخذ من لوكسمبورغ مقراً لها، و"أمواج الدولية العقارية العراقية"، بهدف تطوير وتوسيع مطار بغداد الدولي وزيادة طاقته الاستيعابية.
لكن مصدرين حكوميين عبّرا عن مخاوف من احتمال وجود مخالفات في عملية المناقصة وشروط العقد، في خطوة جاءت ضمن حملة أوسع لمكافحة الفساد وتشديد الرقابة على المؤسسات الحكومية. يبقى السؤال: هل سيحل "المطار الجديد" محل مشروع التطوير الملغى، أم أنه اسم جديد لملف قديم يعاد طرحه بصيغة أخرى؟
من يصل إلى مطار النجف أو بغداد قادماً من الدوحة أو دبي يصطدم مباشرة بالفارق بين مطارات دولية متقدمة تعمل فيها خطوط جوية ريادية، وبين مطارات متهرئة لا تليق بمستوى بلد غني ليس بنفطه وحسب، بل بتاريخه ومناطقه الأثرية الممتدة من شماله إلى جنوبه. والجواب لن يتحدد بالإعلانات والاجتماعات، بل بوضوح العقد، وشفافية المناقصة، وسرعة التنفيذ، وقدرة الحكومة على تحويل تجربة المسافر اليومية من طوابير التفتيش المتعبة وتآكل المبنى إلى بوابة عراقية تليق بحجم البلد وضيافته، وتستثمر اقتصادياً في كل مسافر وسياح ومستثمر يفكر في القدوم، خصوصا وأن أغلب الخطوط الجوية التي تنقل المسافرين بين أوروبا والخليج أو جنوب شرق آسيا تمر في سماء العراق.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر