الكاتب: د. عدنان ملحم

الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية أو ملف عقاري أو قضية تفاوضية مؤجلة ؛ إنها أساس الوجود الوطني ، وركيزة الهوية ، وميدان الصراع الحقيقي على مستقبل فلسطين . وما يجري اليوم من مصادرة واستيطان وتهجير وتفكيك للجغرافيا الفلسطينية يفرض علينا إعادة النظر في طريقة إدارة هذا الملف ، والانتقال من ردود الفعل الموسمية إلى سياسة وطنية مؤسسية تجعل الأرض أولوية الدولة ومؤسساتها ومجتمعها .

من هنا ، أقترح مجددا ، تأسيس وزارة متخصصة بالأرض ، تكون مهمتها معرفة كل شبر من أرض فلسطين ، وتوثيقه ، وحصر ملكياته وتصنيفاته ، ومتابعة ما يجري عليه ، وحمايته من المصادرة والتسريب والاستيطان ، والعمل على استثماره وتعميره وتثبيت سكانه . وزارة لا تتعامل مع الأرض بوصفها ملفا  إداريا  ، بل باعتبارها جوهر المشروع الوطني وأحد شروط بقائه .

ولا أقصد إنشاء وزارة بيروقراطية جديدة تضاف إلى الجهاز الحكومي ، بل مؤسسة وطنية ذات صلاحيات وموارد وإمكانات تنفيذية ، تجمع الجهود الحكومية المتصلة بالأرض ، وتنسق بينها ، وتنقل جزءاً أساسياً من عملها إلى الميدان ، حيث توجد التجمعات المهددة والمزارع والأغوار والقرى المحاصرة بالمستوطنات .

وتتمثل أبرز مهام هذه الوزارة في المحاور التالية:

أولاً: معرفة الأرض وتوثيقها .

إعداد سجل وطني شامل ودقيق لكل الأراضي الفلسطينية ، يتضمن المساحة والملكية والتصنيف والاستعمال والموارد الطبيعية والمياه والغطاء النباتي ، وتحديد الأراضي المهددة بالمصادرة أو الاستيلاء أو التسريب . المطلوب أن تكون لدى الدولة قاعدة معلومات متكاملة عن كل قطعة أرض ، ومتابعة مستمرة لما يطرأ عليها ، فلا تكتشف ضياعها بعد أن تصبح أمرا  واقعا  .

ثانياً: حماية الأرض ومقاومة الاستيطان .

نقل المهام المتصلة بحماية الأرض ومواجهة الاستيطان ، إلى الوزارة المقترحة ، ضمن صلاحيات واضحة تشمل الرصد والتوثيق والمتابعة القانونية ، والتدخل لحماية الأراضي المهددة ، وتوفير المحامين والخبراء والمساحين والدعم اللازم لأصحابها   .

ثالثاً: دعم المزارعين وسكان المناطق المهددة .

توفير الدعم المالي والفني واللوجستي للسكان و المزارعين  ، ومساندتهم في استصلاح أراضيهم وزراعتها وحمايتها ، وتوفير مستلزمات الإنتاج وشق الطرق الزراعية وتأمين المياه ومساعدة أصحاب الأراضي على الوصول إليها . وأن تكون الوزارة إلى جانب المزارع في مواجهة الاعتداءات والخسائر والقيود ، لا أن تتركه وحيداً في معركة البقاء على أرضه .

رابعاً: استثمار الأرض وتعميرها .

إطلاق مشاريع زراعية وصناعية وسياحية وإنتاجية وإسكانية ، وتخصيص الأراضي العامة المتاحة وفق الأطر القانونية ، وتشجيع الشركات والمستثمرين الوطنيين على الاستثمار في القرى والأغوار والمناطق المهددة . وإنشاء بنك وطني للأرض ، وتقديم منح وقروض طويلة الأجل وميسرة للشباب والمزارعين والمستثمرين ، وتوفير فرص عمل تجعل البقاء في الأرض خيارا اقتصاديا  ممكنا  ومستداما . 

خامساً: التخطيط السكاني والعمراني .

إعداد مخططات عمرانية وزراعية واقتصادية متكاملة ، وتوسيع فرص البناء والإسكان في المناطق الممكنة ، وتسهيل إقامة المشاريع والمرافق العامة، وإنشاء المدارس والمعاهد والمراكز الصحية والأسواق والطرق . فالأرض التي لا يسكنها أهلها ولا يستثمرونها ولا تتوافر فيها مقومات الحياة تصبح أكثر عرضة للاستيلاء والتفريغ السكاني .

سادساً: استعادة الحياة في الأراضي المتضررة .

اعتماد سياسة وطنية تقوم على إعادة إعمار ما يهدم ، وترميم ما يدمر، وإعادة زراعة ما يقتلع ، ومساعدة أصحاب المصانع والمزارع والمنازل المستهدفة على استعادة نشاطهم . فلا ينبغي أن يتحول الهدم إلى نهاية للمشروع أو أن يكون الاقتلاع آخر فصول الحضور الفلسطيني .

سابعاً: تنظيم الحضور المجتمعي والتطوعي .

تأسيس ودعم جمعيات ولجان محلية متخصصة في شؤون الأرض ، وتنظيم حملات الزراعة والتشجير واستصلاح الأراضي ، وأيام العمل التطوعي ، والمبادرات الشبابية والطلابية ، وتوثيق الاعتداءات والانتهاكات . المطلوب أن تتكامل المؤسسة الرسمية مع المجتمع ، وأن تتحول حماية الأرض إلى ثقافة وممارسة جماعية مستمرة .

ثامناً: تسويق الإنتاج الوطني .

إنشاء منظومة وطنية لتسويق المنتجات الزراعية والصناعية القادمة من الأراضي الفلسطينية ، وتطوير سلاسل الإنتاج والتخزين والتصنيع والتوزيع ، وتوسيع الأسواق المحلية والخارجية ، بما يعزز ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بأرضه ، ويوفر للمزارع والمنتج دخلاً يحمي استمراره .

تاسعاً: حضور الدولة في الميدان .

إعادة توزيع جزء من الكوادر والموظفين والخبرات الحكومية للعمل في المناطق المهددة ، وفق برامج ميدانية واضحة ، وتشكيل فرق متخصصة في المساحة والقانون والزراعة والتخطيط والهندسة والاستثمار ، بحيث تصبح متابعة الأرض وخدمة سكانها مسؤولية يومية للمؤسسات العامة .

إن هذه المهام تستدعي مراجعة توزيع الاختصاصات بين الوزارات والهيئات القائمة، ودمج الوظائف المتداخلة في إطار وزارة الأرض ، لا مضاعفة الجهاز الحكومي أو استحداث مؤسسات متنافسة . فالمطلوب تركيز الجهود وتوحيد القرار وتحديد المسؤولية والمساءلة.

أما التمويل ، فيجب أن يستند إلى موازنة حكومية مستقلة ، وصندوق وطني لدعم الأرض ، وشراكات مع القطاع الخاص ، ومساهمات أبناء شعبنا في الداخل والشتات ، ضمن نظام رقابة ومحاسبة وشفافية يضمن وصول الأموال إلى أصحاب الأولوية والمشاريع المنتجة .

إن وزارة الأرض ليست ترفا إداريا  ، ولا مجرد اقتراح لإعادة توزيع الحقائب الوزارية ؛ إنها محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية . فبدلاً من أن تتوزع مسؤولية الأرض بين مؤسسات متعددة ، من دون رؤية موحدة أو متابعة متكاملة ، تصبح هناك جهة واحدة تتحمل المسؤولية وتملك أدوات التخطيط والتنفيذ والمحاسبة.

نحن بحاجة إلى وزارة تعرف الأرض وتحميها وتزرعها وتستثمرها ، وتقف إلى جانب مزارعيها وسكانها ، وتتابع كل اعتداء عليها ، وتعمل على إبقائها حية بأهلها ومؤسساتها ومشاريعها .

والأكثر إيلاما  أن كل ذلك يجري في ظل غياب سياسة وطنية حكومية واضحة ومتكاملة لحماية الأرض الفلسطينية . نحن أمام حالة من الفشل المؤسسي وغياب التخطيط ، تدار  فيها قضية الأرض باعتبارها شأنا  مشاعا ، تتقاذفه المؤسسات والقرارات والمزاجيات ، من دون مرجعية موحدة أو مسؤولية محددة أو برنامج وطني ملزم . 

المزارعون بلا خطط دعم مستدامة ، والقرى المهددة بلا برامج تنموية ، والزراعة بلا إسناد كافٍ ، والإسكان بلا سياسة تحفز  البناء والاستقرار ، والنضال الجماهيري السلمي بلا احتضان أو تمويل أو تنظيم . كل قطاع يعمل منفردا  ، وأحياناً لا يعمل أصلا ، فيما تتواصل المصادرة والاستيطان وتفريغ الأرض من سكانها . إنها صورة قضية وطنية تركت  للتصرفات الفردية والمبادرات المتفرقة ، وكأن حماية الأرض مسؤولية أصحابها وحدهم ، لا مسؤولية دولة ومؤسسات وحركة وطنية . لقد تحولت قضية الأرض إلى قضية ضائعة بين المؤسسات ، في الوقت الذي يعرف فيه الطرف الآخر تماماً ماذا يريد من هذه الأرض .

وقد يقول قائل: فات الميعاد ، لم يبق  من الأرض ما يستحق الإنقاذ ، ولا من السكان من يستطيع الصمود ، ولا من الشجر ما يظلّل الحكاية . لقد هودت  البلاد ، وهجر  الناس ، واستوطنهم الخوف ، وأُحرقت القرى والبلدات والمخيمات ، وتبدلت  معالم الجغرافيا . نعم ، هذا كله صحيح ، لكن هل يعني ذلك أن نستسلم ونرفع الراية البيضاء ؟ هل نتوقف عن التحذير والمطالبة والفعل؟ على العكس ، ما تبقى من الأرض والناس يستحق أن نخوض من أجله كل محاولة . علينا أن نواصل التحذير ، ونرفع الصوت ، ونكرر النداء ، وندفع باتجاه الفعل قبل فوات الآوان . علينا أن ندقّ الخزان ، مرة تلو المرة ، لعل  من لم يسمعوا بعد يدركون أن البلد تضيع أمام أعيننا .