رصدت دراسة علمية مجموعة من العوائق المالية والتقنية والتنظيمية التي تواجه التحول الرقمي في قطاع البناء بالمغرب، في مقدمتها ارتفاع تكاليف اقتناء البرمجيات والتجهيزات، ونقص الكفاءات المتخصصة، وضعف التنسيق بين المتدخلين في المشاريع، وهي عوامل تحد من انتشار تقنية نمذجة معلومات البناء “BIM”، رغم إمكاناتها في تحسين تدبير المشاريع ومراقبة تكاليفها وآجال إنجازها.

ووردت هذه المعطيات في دراسة نشرتها مجلة “Journal of Engineering and Applied Science” في أكتوبر 2026، استنادا إلى مراجعة منهجية لأبحاث علمية ووثائق مؤسساتية ومهنية تغطي أساسا الفترة الممتدة بين سنتي 2010 و2025، مع مقارنة التجربة المغربية بنماذج دولية في اعتماد التقنيات الرقمية داخل قطاع البناء.

وخلص الباحثون إلى أن استعمال نمذجة معلومات البناء بالمغرب ما زال محدودا ومتفاوتا بين المؤسسات والمقاولات، في ظل صعوبات تتعلق بتبادل المعلومات الهندسية والتقنية بين مكاتب الدراسات والمهندسين والمقاولين والجهات المشرفة على تنفيذ المشاريع، إلى جانب اختلاف مستوى التجهيز والجاهزية الرقمية لدى الفاعلين.

وتعتمد هذه التقنية على إنشاء نموذج رقمي متكامل للمبنى، يجمع المعطيات المرتبطة بالتصميم والهندسة والمواد والتكاليف ومراحل الإنجاز، مع إمكانية تحديثها وتبادلها بين مختلف المتدخلين، بما يساعد على اكتشاف التعارضات التقنية قبل بدء الأشغال، وتحسين التنسيق بين التخصصات الهندسية ومتابعة تقدم المشروع.

وأظهرت المراجعة العلمية أن الاستفادة من هذه الإمكانات تواجه صعوبات مرتبطة بضعف قابلية تبادل البيانات بين الأنظمة الرقمية المستعملة، وغياب معايير موحدة لتنظيم المعلومات وتحديد مسؤوليات المتدخلين، الأمر الذي يؤثر في قدرة المؤسسات على توظيف النماذج الرقمية خلال مختلف مراحل التصميم والبناء والاستغلال والصيانة.

ووضعت الدراسة نقص الكفاءات المتخصصة ضمن أبرز المعيقات التي تواجه رقمنة القطاع، بالنظر إلى الحاجة إلى مهنيين يجمعون بين الخبرة الهندسية والقدرة على التعامل مع البرمجيات وإدارة البيانات والتنسيق الرقمي، وهي مهارات تتطلب برامج تكوين وتأهيل تتناسب مع التحولات التقنية التي تشهدها مهن البناء.

كما رصد الباحثون أعباء مالية مرتبطة باقتناء تراخيص البرمجيات وتحديث الحواسيب والتجهيزات وتكوين المستخدمين، فضلا عن التكاليف التنظيمية المصاحبة لتغيير أساليب العمل، خصوصا لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي قد تواجه صعوبات في تعبئة الموارد الضرورية للانتقال إلى منظومات رقمية متكاملة.

وتشير النتائج إلى أن التفاوت في القدرات المالية والتقنية بين المقاولات ينعكس على وتيرة اعتماد التكنولوجيا الرقمية، إذ تختلف إمكانات المؤسسات الكبرى عن تلك المتاحة للمقاولات الأصغر حجما، سواء من حيث الاستثمار في التجهيزات أو استقطاب الموارد البشرية المؤهلة أو تخصيص فرق متخصصة لتدبير المعلومات الرقمية.

وتناولت الدراسة كذلك الجوانب التنظيمية المرتبطة باستعمال نمذجة معلومات البناء، مع إبراز الحاجة إلى تطوير معايير مشتركة تحدد كيفية إنتاج البيانات وتبادلها وحفظها، وتوضح المسؤوليات المرتبطة باستخدام النماذج الرقمية داخل العقود والمشاريع، بما يساعد على تحسين التعاون بين مختلف المتدخلين.

واقترح الباحثون اعتماد خارطة طريق تدريجية لتطوير استعمال هذه التقنية بالمغرب، تبدأ بتعزيز الإطار التنظيمي وتوسيع برامج التكوين ونشر المعايير التقنية، قبل الانتقال إلى إدماج النمذجة الرقمية في المشاريع العمومية وتطوير آليات مشتركة لتبادل المعلومات بين المؤسسات والمقاولات.

وتشمل المراحل اللاحقة، وفق التصور الذي قدمته الدراسة، تطوير الشهادات المهنية المتخصصة وتعزيز البنيات الرقمية المشتركة، وصولا إلى توسيع استخدام نمذجة معلومات البناء في إدارة المشاريع العمومية والخاصة، بما يسمح بتتبع المعلومات التقنية والمالية خلال مختلف مراحل الإنجاز والاستغلال.

واستند الباحثون في إعداد هذه المقترحات إلى تجارب المملكة المتحدة وسنغافورة وفرنسا والإمارات العربية المتحدة والبرازيل وجنوب إفريقيا، مع مراعاة اختلاف الأطر التنظيمية والمهنية ومستويات التحول الرقمي بين هذه البلدان والمغرب.

وتقدم الدراسة خارطة الطريق باعتبارها مقترحا أكاديميا لتجاوز العوائق التي تواجه اعتماد النمذجة الرقمية، مع ربط تطور استخدامها بتأهيل الكفاءات وتوفير الإمكانات المالية وتوحيد المعايير التقنية، وهي متطلبات تؤثر في قدرة المقاولات ومكاتب الدراسات على إدماج هذه التكنولوجيا في مشاريع البناء.