قضية الصحراء المغربية بلغت لحظة سياسية لا تحتمل العودة إلى الوراء، ولا تقبل استمرار المناورات التي جعلت من نزاع إقليمي عمره نصف قرن ملفا مفتوحا على التأجيل الدائم، فما شهدته أروقة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، وما أعقبه من موقف واضح للديوان الملكي، يكشف أن المغرب بات يتعامل مع المرحلة الجديدة بمنطق مختلف، عنوانه إنهاء زمن إدارة النزاع والانتقال إلى تثبيت الحل، انطلاقا من السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي التي اكتسبت موقعا متقدما في المواقف الدولية.
نقطة إلى السطر.
هكذا يمكن اختصار الدلالة السياسية للموقف الملكي، بعدما أصبح استمرار النزاع عبئا على منطق التسوية نفسه، وتحولت الآليات التي أُحدثت لإنهائه إلى عنوان لجموده، بينما انتقلت مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، من مقترح مطروح للنقاش إلى أساس يحظى بتأييد قوى دولية مؤثرة.
وجاء التصويت على المشروع الأمريكي ليكشف حجم هذا التحول، بتأييد أحد عشر عضوا داخل مجلس الأمن، وامتناع ثلاثة أعضاء، واستخدام روسيا حق النقض الذي حال دون اعتماد النص، لكن “الفيتو”، وإن عطّل صدور القرار، لم يستطع إلغاء حقيقة سياسية واضحة، هي أن أغلبية أعضاء المجلس دعمت مشروعا يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات.
أما الموقف الأكثر حسما فجاء من الديوان الملكي، الذي اعتبر عدم تمديد مهمة بعثة “المينورسو” خطوة نحو الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، ودعا إلى سحب القضية من جدول أعمال مجلس الأمن وإنهاء الاجتماعات والتقارير الدورية، في إعلان سياسي بأن المغرب يريد الانتقال من مسلسل التدبير الأممي إلى مرحلة ترتيب نتائج التحولات الدبلوماسية.
فمنذ إحداث “المينورسو” سنة 1991، ظلت التسوية مؤجلة، وتعاقبت التقارير والمبعوثون والجلسات دون إنجاز المهمة الأصلية المرتبطة بالاستفتاء، حتى أصبح السؤال مشروعا بشأن جدوى استمرار آلية لم تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها؛ فخمسة وثلاثون عاما تكفي للحكم على حصيلة مسار، ولا يجوز أن تتحول إدارة النزاع إلى بديل دائم عن إنهائه.
غير أن أشد رسائل الموقف الملكي وضوحا وردت في التشديد على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، مع الاحترام التام لوحدته الترابية وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه، وهي صياغة تحمل غصن السلام وتحذيرا سياسيا وأمنيا صارما؛ فالمملكة تؤكد التزامها بالتسوية السلمية، وترسم في الوقت نفسه حدودا واضحة أمام أي مساس بسيادتها أو تهديد لاستقرارها.
المغرب يختار السلام من موقع القوة، ويتمسك بسيادته من موقع الحق، ويرفض أن يتحول الصبر إلى فرصة لإطالة النزاع؛ فتفضيل الحل السياسي لا يعني الاستعداد للتفريط في الأرض، والالتزام بوقف إطلاق النار لا يسقط حق المملكة في حماية مواطنيها، كما أن ضبط النفس لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لاستدامة وضع لم يعد مقبولا.
ويكتسب تزامن هذه التطورات مع “عيد الوحدة” دلالة سياسية خاصة، بعدما أشار الديوان الملكي إلى تأييد أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ما يعزز الانتقال من الدفاع عن وجاهة المقترح إلى المطالبة بترجمة الدعم الدولي إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
لقد أصبحت المرحلة المقبلة امتحانا لقدرة الدبلوماسية على تحويل المكاسب إلى نتائج، بعدما استنفدت المفاوضات المتعثرة والتقارير الدورية مبررات استمرارها دون أفق نهائي، ولم يعد مقبولا أن يتحول مرور السنوات إلى مكسب لمن يراهن على إبقاء النزاع مفتوحا.
المغرب مد يده إلى السلام، ورسم حدود المساس بسيادته، وأعلن إرادته إنهاء زمن التدبير الأممي الطويل، بعدما أصبح المطلوب تحويل التراكم الدبلوماسي إلى تسوية نهائية، فلا مبرر لإضاعة عقود أخرى في إدارة نزاع آن أوان إنهائه.
نقطة إلى السطر.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر