(CNN)-- قد لا يكون اسم فرانك فولكل مألوفاً لدى الجمهور، لكن عطوراً ابتكرها حققت انتشارًا جماهيريًا واسعًا خلال العقدين الماضيين. من عطر"سانتال 33"من دار العطور الأمريكية "لو لابو"، إلى "يو" من العلامة الأمريكية "غلوسييه"، و"فاذر فيغر" من العلامة الأمريكية "فلور". ولم تتوقّف أعمال صانع العطور الأمريكي عند هذا الحد بل ابتكر عطورًا للفنانتين الأمريكيتين أريانا غراندي وجينيفر لوبيز، فضلاً عن تعاونه مع دار "دولتشي آند غابانا" الإيطالية و"كالفن كلاين" الأمريكية. يشغل فولكل منصب صانع عطور رئيسي لدى شركة "دي إس إم-فيرمينش" السويسرية، وهو السادس عشر الذي يحمل هذا اللقب في تاريخها الممتد لأكثر من قرن. ولا يقتصر دوره على ابتكار الروائح، بل يشمل المساهمة في تحديد المواد العطرية التي قد ترسم توجّهات الصناعة في السنوات المقبلة. وتتّسم عطوره بنفحات خشبية وتركيبات خفيفة تُحاكي رائحة البشرة النظيفة، ورغم إعجابه بمعظم ابتكاراته، يختلف ذوقه الشخصي؛ إذ يميل إلى الروائح الدخانية والجلدية التي يستخدمها بجرعات ضئيلة جداً، لأنّ الإفراط فيها قد يستحضر، بحسب رأيه، روائح النار التي توحي بالخطر. رؤية واضحة وحاسة شم استثنائية يمنح لقب "صانع عطور رئيسي" حامله مكانة مهنية بارزة، إذ يشارك في توجيه الأبحاث واختيار المواد العطرية التي قد تدخل في ابتكارات مستقبلية. وقد يستغرق ظهور نتائج هذه القرارات سنوات، فيما يتطلّب ابتكار رائحة يسهل تمييزها وتحافظ على حضورها في السوق خبرة يصعب تكرارها. لكن فولكل يرى أن نجاح العطر لا يقوم على الموهبة الفردية وحدها، بل على التعاون مع فرق التقييم والمبيعات والتسويق والعملاء. ويوضح: "تخضع أعمالنا للمراجعة والتعديل، وأرى أن المقيّمين يؤدون دور المحرّرين". وقد يطلب هؤلاء تعديل نفحات خضراء أو دخانية يرون أنها لا تناسب الذوق التجاري. ويضيف: "أستمع إلى الجميع وأستوعب الملاحظات". مع ذلك، يبقى القرار النهائي بيده. ويستشهد بنصيحة يوجهها أحد زملائه إلى المتدرّبين: "لا تستقل الحافلة قبل أن تعرف إلى أين تريد الوصول"، شارحًا فلسفته بالقول:"حدّد وجهتك بوضوح، وابقَ منفتحاً على أماكن لم يسبقك إليها أحد، وتقبّل وجود أشخاص يرافقونك في هذه الرحلة". إنها عملية تجمع بين الحدس والمعرفة الجماعية، لكن القرار الأخير يظل مسؤولية المبدع وحده. ويختصر فولكل ذلك بقوله: "في النهاية، تكون وحدك خلال الإبداع، وعليك أن تتخذ القرار بنفسك". مواد عطرية تختفي وأخرى تحل مكانها تواجه صناعة العطور تغيرات متسارعة في المواد الخام، بين اختفاء مكونات طبيعية وقيود تنظيمية تفرض إعادة صياغة عطور معروفة. وتبدأ هذه العملية قبل سنوات من وصول أي تغيير إلى المستهلك، إذ تتطلب الأبحاث والتجارب استثمارات كبيرة. ويقول فولكل: "عليك أن تسبق الآخرين بخمس أو عشر سنوات على الأقل في تفكيرك واستراتيجيتك". ومن الأمثلة على ذلك زيت الغار، الذي تضرّر إنتاجه بشدة جراء العاصفة الاستوائية إيريكا ثم إعصار ماريا، اللذين ضربا جزيرة دومينيكا. وكانت الجزيرة تنتج نحو 70% من إمدادات هذا الزيت العالمية. ويقول فولكل: "منذ ذلك الحين، لم يعد لدينا زيت الغار"، مضيفًا أنه أكثر المكونات التي يفتقدها، لأن رائحته "تشبه المعدن"، وهي سمة لم يجدها في أي مكون آخر ضمن مجموعته العطرية. وبعد سنوات من البحث، اقترب من إيجاد بديل، لكن غياب هذا الزيت فرض تعديلات على تركيبات عطور لا تزال متاحة في الأسواق. كذلك، أدت القيود التنظيمية إلى استبعاد مركبين عطريين هما "ليليال" و"ليرال"، اللذين يصفهما فولكل بأنهما مكوّناه الزهريان المفضلين، لما يتميزان به من رائحة تدوم طويلاً. ويتوقع أيضاً اختفاء "غالاكسوليد" من صناعة العطور خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة. وتفرض هذه التحولات على صانعي العطور إعادة ابتكار تركيباتهم باستمرار، للحفاظ على توازنها وهويتها رغم تغير مكوناتها. النجاح لا يلغي الإخفاق تحضر عطور فولكل في متاجر مثل "سيفورا" و"أولتا"، من خلال تعاونه مع دور تجميل وموضة عالمية مثل "فلور" و"باي كيليان" و"مارك جاكوبس". ومع ذلك، لا يعتبر الفوز بالمشاريع أمراً مضموناً. حتى اليوم، ابتكر فولكل أكثر من 200 عطر، وقد يدرّ كل عطر ناجح ملايين الدولارات. لكنه يقر بأن بعض المشاريع التي يستثمر فيها عاطفياً لا ترى النور، وهو لا يقيس نجاحه بعدد المشاريع التي يفوز بها، إذ تختلف أهميتها بين فرص تجارية كبيرة وتجارب تتيح إطلاق علامات جديدة. ولا تزال لديه طموحات لم يحققها، أبرزها ابتكار عطر لدارَي "إيف سان لوران" و"جورجيو أرماني". ولطالما بقيت أسماء صانعي العطور خلف العلامات التجارية، فيما بدأت الصناعة تمنحهم حضوراً أكبر بوصفهم مبدعين مستقلين. ولا تزال علامات مثل "إنيشيو" و"كريد" تتحفظ على الكشف عن أسماء صانعي عطورها، في حين تبرز علامات مثل "فريدريك مال" و"إيسنشال بارفومز" اسم المبتكر إلى جانب اسم العطر.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر