بن معروف: المبادرات الجماعية “القيّمة” للأطفال تعزز روح الانتماء لديهم
في وقت أصبح فيه انتزاع الأطفال من دفء أسرّتهم في الصباح الباكر مهمة شاقة لدى كثير من العائلات، وفي زمن باتت فيه الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي تستحوذ على ساعات طويلة من يوم الصغار والشباب، تبرز في الجزائر مشاهد تربوية تبعث على التفاؤل، وتعيد طرح سؤال جوهري حول القيم التي نريد أن ينشأ عليها جيل المستقبل. ومن بين هذه الصور المضيئة مشهد أطفال يتركون دفء الفراش قبل بزوغ الشمس، ويتوجهون برفقة معلمهم إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، ضمن مبادرة أطلق عليها اسم “قافلة رجال الفجر”، في خطوة تتجاوز في أبعادها مجرد أداء شعيرة دينية، لتتحول إلى رسالة تربوية واجتماعية عميقة.
فبينما يجد كثير من الأولياء صعوبة في إقناع أبنائهم بالاستيقاظ مبكرا للذهاب إلى المدرسة، يختار هؤلاء الأطفال بمحض إرادتهم، وبرفقة معلمهم، أن يكون أول موعد لهم في يومهم مع بيوت الله، متحدين برودة الصباح وإغراء النوم، وهو ما مشهد “مهيب” صنعه أطفال من منطقة عين الكبيرة بولاية سطيف، والمشهد يستحق التوقف عنده، ليس فقط لما يحمله من دلالات إيمانية، وإنما لما يعكسه من إمكانية غرس الانضباط والمسؤولية وحب الخير في نفوس الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وخاصة وأن الأطفال في سن صغيرة، وبعضهم لا يتجاوز 7 سنوات.
وربما لا يدرك أطفال “قافلة رجال الفجر” اليوم حجم الرسالة التي يحملونها، لكنهم يقدمون درسا بليغا للكبار قبل الصغار، بأن صناعة رجال المستقبل تبدأ من خطوات صغيرة، من صلاة في الفجر، وكلمة طيبة، وسلوك مستقيم، ومعلم يؤمن بأن مهمته الحقيقية ليست تخريج تلاميذ متفوقين فحسب، بل المساهمة في بناء إنسان صالح ينفع أسرته ومجتمعه ووطنه.
أطفال في المساجد و”مؤثرون” ينشرون التفاهة
وفي وقت ينهض أطفال تتراوح أطفالهم ما بين 7 و10 سنوات لأداء صلاة الفجر في جماعة، أطل علينا مؤخرا عشرات من يسمون أنفسهم “مؤثرين رقميين” غالبيتهم تجاوزوا الثلاثين من أعمارهم، وهم ينشرون التفاهة والسب والشتم، ويدعون إلى سلوكات غير أخلاقية وقيم بعيدة عن مجتمعنا. فباتوا يُروّجون للطلاق و”المساكنة” وتناول المخدرات ونشر الشذوذ الجنسي، في ظاهرة تستحق حملة أمنية ضدّهم.
وإن كنا لا نضع جميع المؤثرين الرقمييّن في سلة واحدة، فهناك من يقدمون محتويات هادفة ويساهمون في نشر المعرفة والتوعية، وإنما التحذير من تحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة تنشر التفاهة والإساءة على حساب الأخلاق والإبداع.
وفي الموضوع، ترى المختصة في علم الاجتماع، نبيلة بن معروف، أن المبادرات الجماعية التي تجمع الأطفال حول أنشطة تربوية ودينية ورياضية وثقافية “تسهم في تعزيز روح الانتماء لديهم، وتمنحهم بدائل إيجابية عن العزلة الرقمية والاستهلاك السلبي للمحتوى الإلكتروني.”
وبحسبها، ليس كافيا أن نطالب أبناءنا بالأخلاق إذا كنا نتركهم فريسة لمحتويات تمجد الإساءة وتطبع مع الانحراف السلوكي، وليس من المنطقي أن ننتقد عزوفهم عن القراءة والانضباط واحترام الآخرين، بينما نحتفي بنماذج لا تقدم لهم سوى الشهرة المصطنعة والاستعراض الفارغ.
وأضافت بن معروف: “إننا بحاجة إلى تكثيف المبادرات التي تعزز القيم الإيجابية، وتشجع المعلمين والأولياء على استثمار طاقات الأطفال في أنشطة تنمي عقولهم وأرواحهم، مع تقديم نماذج شبابية ناجحة تجعل من العلم والعمل والأخلاق طريقا للتميز”.
مؤكدة أن الأمم لا تبني مستقبلها بالشهادات وحدها، ولا بعدد المتابعين والمشاهدات، وإنما بما تنجح في غرسه في نفوس أبنائها من قيم ومبادئ.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر