على مسافة لا تتجاوز 15 كيلومترا من الحدود الروسية، تواصل غرفة أخبار صغيرة في مدينة كيركينيس النرويجية تغطية ما يحدث داخل روسيا، رغم حجب موقعها وملاحقة عدد من صحفييها ومنعهم من العودة إلى بلادهم.
وقد تحولت صحيفة "بارنتس أوبزرفر" من مشروع إخباري محلي إلى ملاذ لصحفيين روس منفيين، يواصلون العمل في ظروف يصعب فيها ممارسة الصحافة المستقلة داخل وطنهم.
أخبار مقترحة
وفي تقرير نشرته مجلة كولومبيا جورناليزم ريفيو يستعرض الصحفي دانيال شايلر تجربة المؤسسة النرويجية، وكيف استطاعت المحافظة على استقلالها وتوفير فرص عمل لصحفيين روس، بميزانية تتجاوز نصف مليون دولار وفريق يضم ٧ موظفين بدوام كامل.
من الإقامة الجبرية إلى غرفة الأخبار
بدأت إحدى أبرز قصص الصحيفة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، عندما نشرت الطالبة الروسية أوليسيا كريفتسوفا، البالغة حينها 19 عاما، رسائل تنتقد فيها الحكومة الروسية والحرب على أوكرانيا.
ووجهت إليها السلطات اتهامات بدعم الإرهاب وتشويه سمعة الجيش، ووضعتها قيد الإقامة الجبرية في مدينة أرخانغيلسك شمال غربي روسيا.
وفي مارس/آذار 2023، تمكنت من مغادرة البلاد إلى ليتوانيا قبل أن ينشر توماس نيلسن، رئيس تحرير "بارنتس أوبزرفر"، مقالا يدعوها فيه للانضمام إلى الصحيفة.
وبالفعل، بدأت كريفتسوفا التدريب الصحفي في أغسطس/آب من العام نفسه لتنتقل من كونها موضوعا لتغطية صحفية إلى المشاركة في إنتاج الأخبار.
وخلال عملها، أنجزت تحقيقات عن دبلوماسيين روس وحملات قمع الاحتجاجات، ووثقت تجارب أشخاص اضطروا إلى المنفى.
وفي يوليو/تموز 2026، قضت محكمة عسكرية روسية بسجنها ٦ سنوات غيابيا. وردت في بيان للمحكمة بأنها لو عادت إلى سن الـ١٩ لاتخذت الموقف نفسه وكتبت الكلمات ذاتها، ولكن دون أخطاء لغوية.
صحفيون يغطون وطنهم من الخارج
لم تكن كريفتسوفا الحالة الوحيدة؛ فقد استقطبت الصحيفة صحفيين روسا اضطروا إلى المغادرة، بينهم غيورغي تشينتيميروف، الرئيس السابق لنقابة الصحفيين في كاريليا، وفريدة قربانغالييفا، المذيعة السابقة بالتلفزيون الرسمي الروسي.
وانضم إليهم دينيس زاغوري، المذيع السابق في إذاعة مورمانسك، الذي غادر روسيا مع زوجته عام 2022 بعد تغطيته قمع الاحتجاجات المناهضة للحرب.
وأعلنت السلطات الروسية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تصنيفه عدوا للدولة، بحسب التقرير.
وينتج الفريق تغطيات عن اعتقال المواطنين ورجال الأعمال، ويرصد تحركات يخت الرئيس فلاديمير بوتين، وتطورات الرأي العام، إلى جانب أزمات الوقود في المناطق الروسية الشمالية.
ويقول نيلسن إن ممارسة الصحافة داخل شمال غربي روسيا أصبحت بالغة الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة ما دامت شبكات الهاتف والإنترنت تعمل.
وتواجه المؤسسة أيضا دعاوى قضائية، أحدثها دعوى تشهير رفعها رجل الأعمال الروسي فيتالي أورلوف، على خلفية تغطية العقوبات المفروضة على أسطوله للصيد البحري. وتؤكد الصحيفة أنها نقلت اتهامات واردة عن المجلس الأوروبي بشأن أنشطة السفن، دون أن تتبناها بوصفها حقائق مثبتة.
استقلال تحريري بدأ بالاستقالة
تعود نشأة "بارنتس أوبزرفر" إلى عام 2002، عندما أسسها الصحفي النرويجي أتلي ستالسين مشروعا ثنائي اللغة يموله بنفسه.
ولاحقا، حصلت على دعم من أمانة بارنتس النرويجية، وهي هيئة تعنى بتعزيز التعاون بين النرويج وروسيا، قبل أن تتدهور العلاقة في أبريل/نيسان 2014، بعد نشر نيلسن مقالا ينتقد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
وطالبت الهيئة بالإشراف التحريري على الصحيفة عقب اعتراض القنصل الروسي على محتواها، مما دفع نيلسن وستالسين والصحفية تروده بيترسن إلى الاستقالة وتأسيس مؤسسة مستقلة.
وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2015، أعيد إطلاق الصحيفة بوصفها تعاونية غير ربحية، تتيح محتواها مجانا دون اشتراكات إلزامية.
ويقول نيلسن إن الصحيفة، بعدما شجعت الصحفيين الروس طوال سنوات على الدفاع عن حقوقهم المهنية، لم يكن بإمكانها التراجع عندما تعرض استقلالها هي نفسها للتهديد.
من العمل التطوعي إلى التمويل المستدام
بدأت المؤسسة الجديدة دون رواتب أو مقر مدفوع الإيجار، واعتمد صحفيوها على مدخراتهم، فيما استخدموا اتصال الإنترنت عبر الهواتف المحمولة لنشر الأخبار.
بحلول عام 2016، وفرت التبرعات والمنح الصغيرة رواتب متواضعة للفريق، قبل أن تنمو مواردها تدريجيا.
وفي عام 2017، منعت موسكو نيلسن من دخول روسيا، ثم حجبت موقع الصحيفة عام 2019، مما دفع كثيرا من قرائها الروس إلى استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) للوصول إليه.
وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تضاعف جمهور الصحيفة ٤ مرات خلال ٣ أشهر، وبدأت تحصل على تمويل طويل الأمد.
ومنذ عام 2023، قدمت مؤسسة "تينيوس ترست" وجامعة ترومسو منحا سنوية بقيمة 90 ألف دولار و400 ألف دولار على التوالي، لتمويل رواتب الصحفيين الروس المنفيين. وقد جدد الطرفان دعمهما في عام 2026 لـ٣ سنوات إضافية.
وتحصل المؤسسة أيضا على نحو 62 ألف دولار سنويا من تبرعات القراء، فضلا عن منح وجوائز واتفاق لإعادة نشر محتواها مقابل ألف دولار شهريا.
هل يمكن توسيع التجربة؟
يسعى نيلسن إلى توسيع غرفة الأخبار وتوفير وظائف لما يصل إلى ١٠ صحفيين روس إضافيين، إذا حصل على تمويل حكومي نرويجي مناسب.
وتكشف التجربة أن الصحافة في المنفى يمكن أن تحافظ على قدرتها على إنتاج المعلومات، عندما تتوفر لها بيئة قانونية آمنة، ومصادر تمويل متنوعة، واتصالات مستمرة بالمصادر داخل البلد الذي تغطيه.
لكن النموذج يظل معرضا لتحديات تتعلق باستدامة المنح والرقابة الرقمية والملاحقات القضائية.
وبالنسبة إلى "بارنتس أوبزرفر"، لا تقتصر المهمة على نشر الأخبار عن روسيا، بل تشمل تمكين صحفيين حرموا من ممارسة مهنتهم داخل بلادهم من مواصلة العمل.
وكما يلخص نيلسن فلسفة المؤسسة، فإنهم لا يستطيعون إنقاذ العالم، لكن بإمكانهم جعله أفضل قليلا.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر