لم تكن المواجهة بين عبدول السيد وخصمه الجمهوري مايك روجرز وحدها هي التي تشغل المشهد السياسي في ميشيغان مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بل إن المعركة الأكثر حدة تدور داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث عادت الخلافات التي فجّرتها الانتخابات التمهيدية إلى الواجهة، مدفوعة بمواقف المرشح الديمقراطي من إسرائيل والحرب في غزة، وبمخاوف الجناح المعتدل من صعود التيار التقدمي.
وتكشف تقارير نشرتها صحف ومواقع أمريكية عن انقسام يتجاوز الخلاف بين مرشحين متنافسين، ليطال طبيعة التحالف الذي يستند إليه الحزب الديمقراطي، وحدود التباين المقبول داخله بشأن السياسة الخارجية، فضلا عن التوترات بين مكوناته العربية والمسلمة واليهودية والسوداء والطبقة العاملة.
أخبار مقترحة
وتتصدر المواجهة النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز، التي خسرت أمام السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب في أغسطس/آب الماضي، بعدما أصبحت من أشد منتقديه، رغم إعلانها أنها لا تزال تؤيده في مواجهة المرشح الجمهوري. وقد بدا هذا التأييد، وفق تقرير مراسل "نيويورك تايمز" ريد إبستين، أقرب إلى موقف متردد منه إلى دعم انتخابي حقيقي.
وتعود أحدث فصول الخلاف إلى المناظرة الأولى بين السيد وروجرز يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما سُئل المرشح الديمقراطي عما إذا كانت إيران أم إسرائيل تشكل تهديدا أكبر للولايات المتحدة، فرفض المفاضلة بينهما، ووصف السؤال بأنه افتراضي وسخيف.
وأثار هذا الرد غضب ستيفنز، التي اعتبرت أن المرشح لم يقدم إجابة مقنعة في قضية بالغة الحساسية بالنسبة إلى شريحة من ناخبي الولاية.
أولوية خاطئة
وقالت ستيفنز لصحيفة "نيويورك تايمز" إن السيد متحدث بارع وخطيب موهوب، لكنها تساءلت عن سبب عجزه عن التعامل مع سؤال كهذا. ومنذ المناظرة، كثفت ظهورها الإعلامي وانتقاداتها له، في تطور أثار استغراب عدد من الديمقراطيين الذين يرون أن الأولوية ينبغي أن تكون لمساعدة مرشح الحزب على الفوز، لا إعادة فتح معركة الانتخابات التمهيدية.
لكن الخلاف لم يتوقف عند المناظرة، إذ تفجر مجددا بسبب إعلان رقمي أنتجته مجموعة "ريبليون باك"، وهي مجموعة يسارية دعمت حملة السيد، من دون أن يكون هو أو فريقه الانتخابي مسؤولين عن إنتاجه أو الموافقة عليه.
ويصور الإعلان زوجين يتسوقان في متجر للبقالة، ويتحدثان عن إعادة عبوة البيض إلى الرف لأن عليهما توفير 7 دولارات، قبل أن يربط الإنفاق الأمريكي على دعم إسرائيل بارتفاع تكاليف المعيشة، ويشير إلى أن هذه الأموال تذهب لقتل الفلسطينيين.
واعتبرت ستيفنز الإعلان معاديا للسامية، مطالبة السيد بالتبرؤ منه علنا، كما انتقدت ربط المساعدات الأمريكية لإسرائيل بمشكلات الأمريكيين الاقتصادية. وقالت في تفسيرها لمضمون الإعلان إن الحزب لا ينبغي أن يحمّل اليهود أو إسرائيل مسؤولية ارتفاع أسعار الغذاء أو نقص الرعاية الصحية.
السيد نأى بنفسه عن إعلان ضد إسرائيل
ووفق تقرير "نيوزويك" لهولي سيلفرمان، أثار الإعلان انتقادات أيضا من رابطة مكافحة التشهير، التي وصفته بأنه نموذج لمعاداة السامية، كما اتهم متحدث باسم حملة روجرز حلفاء السيد بترويج الكراهية المعادية لإسرائيل. غير أن حملة المرشح الديمقراطي شددت على أنها لم تنتج الإعلان ولم توافق عليه، وأن أحدا لا يتحدث باسم السيد سوى نفسه وحملته.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، ابتعد السيد عن مضمون الإعلان، وقال السبت إن محتواه لا يعبر عنه، معتبرا أن الجدل حوله لا يعكس القضايا التي تشغل غالبية سكان ميشيغان، مثل أسعار الوقود والغذاء وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية.
وأضاف أن الناخبين يريدون معرفة كيف يمكن تحسين أوضاعهم المعيشية، وليس الانشغال بما وصفه بالمناورات السياسية والإعلامية.
لكن هذا التراجع لم يكن كافيا لستيفنز، التي طالبت أيضا باعتذار عن تصريحات السيد بشأن ارتباط الإنفاق الأمريكي على إسرائيل بمشكلات القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، ودعته إلى سحب إعلان آخر لحملته يتضمن ظهور المعلق المحافظ تاكر كارلسون، باعتبار أن ذلك من شأنه مراعاة مشاعر المجتمع الأسود في الولاية.
وتصاعدت الأزمة أكثر مع دخول خطيب ستيفنز، المحامي اليهودي جيسون توركيش، على خط المواجهة. فقد أعلن دعمه للمرشح الجمهوري روجرز، وظهر معه في فعالية انتخابية، كما وجّه اتهامات مباشرة إلى السيد، معتبرا أن خطابه بشأن إسرائيل وغزة يجعل اليهود أقل أمنا.
اتهامات بتعريض اليهود للخطر
وقال توركيش، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، إن أصدقاءه وأفرادا من عائلته ومن المجتمع اليهودي اتصلوا به بكثافة للتعبير عن قلقهم، مضيفا أن تصريحات السيد تضع اليهود في دائرة الخطر. بل وزعم أن في كل مرة يتحدث فيها المرشح عن الإبادة الجماعية في غزة، يتلقى اليهود تهديدات بالقتل.
وفي حديثه إلى "نيويورك تايمز"، قال توركيش إنه كان يتوقع أن يتحرك السيد نحو مواقف أكثر اعتدالا بشأن إسرائيل بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، لكن إجابته خلال المناظرة كانت نقطة التحول بالنسبة إليه. وأضاف أنه يشعر بأن انتخاب السيد قد يجعله أقل أمنا، بسبب ما اعتبره عدم اهتمامه بالمخاوف المشروعة المتعلقة باستهداف اليهود وتحميلهم المسؤولية.
أما ستيفنز، فقالت للصحيفة إنها لا تتبنى مواقف خطيبها، وإنه لم يغير مواقفها بشأن إسرائيل أو السيد، بل إنها تعتقد أنها أثرت في آرائه. وكشفت أنها التقت حاخاما لمناقشة احتمال اعتناق اليهودية قبل زواجها المرتقب الصيف المقبل، مشيرة إلى أنها تشعر بمسؤولية تجاه ناخبيها اليهود الذين يخشون وصول السيد إلى مجلس الشيوخ.
ومع ذلك، بدت تصريحاتها بشأن دعم المرشح الديمقراطي ملتبسة. فقد أكدت أنها ستصوت له، وأنها تريد فوز الديمقراطيين، لكنها لم تقدم إجابة واضحة عندما سئلت عما إذا كانت ترغب بالفعل في فوزه.
كما أعلنت أنها قد تشارك في فعالية انتخابية مشتركة معه في كنيسة بمدينة ديترويت، بوساطة النائبين ديبي دينغل وجيمس كلايبورن، لكنها ربطت مشاركتها بإدانته العلنية للإعلان المثير للجدل.
رد السيد على انتقادات ستيفنز بلهجة حادة، مذكرا بأنها خسرت الانتخابات التمهيدية قبل ثلاثة أشهر، ومتهما إياها بمحاولة إعادة خوض معركة انتهت بالفعل، بدلا من التركيز على هزيمة الجمهوريين.
صراع داخلي على النفوذ
وفي المقابل، رد السيد بلهجة حادة، مذكرا بأن ستيفنز خسرت الانتخابات التمهيدية قبل 3 أشهر، ومتهما إياها بمحاولة إعادة خوض معركة انتهت بالفعل، بدلا من التركيز على هزيمة الجمهوريين.
وأفادت "بوليتيكو" بأن حملته طلبت منها عدم حضور فعالياته الانتخابية المتبقية، خشية أن يؤدي ظهورها إلى تشتيت الانتباه عن المعركة الأساسية.
ويرى موقع "إنترسبت"، في تحليل للكاتب إيوين هيغينز، أن الجدل يكشف مقاومة الجناح المعتدل داخل الحزب لصعود مرشح تقدمي ينتقد إسرائيل بشدة، وأن المسألة لا تتعلق فقط بمضمون الإعلان، بل بالصراع على النفوذ داخل الحزب، وعلاقة قياداته التقليدية بالجهات المانحة وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك".
ويذهب التحليل إلى أن بعض الديمقراطيين المعتدلين يفضلون إضعاف السيد، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض فرص الحزب في استعادة مجلس الشيوخ للخطر، بدلا من السماح لتيار ينتقد السياسة الإسرائيلية باكتساب نفوذ أكبر.
ويشير إلى أن الحملة ضد السيد لم تبدأ مع الإعلان الأخير، بل سبقتها انتقادات متكررة بسبب مواقفه من إسرائيل وعلاقاته بشخصيات تقدمية، من بينها المعلق حسن بيكر.
وفي المقابل، لم يكن كل قادة الحزب على مسافة واحدة من المرشح. فقد شارك الرئيس الأسبق باراك أوباما في حشد انتخابي دعما له، كما ساندته شخصيات ديمقراطية بارزة، بينها النائب جيمس كلايبورن، في محاولة لإظهار وحدة الحزب خلف مرشحه الرسمي.
ودعت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي الديمقراطيين إلى التصويت له، رغم انتقادها بعض المواقف المرتبطة بمعارضة إسرائيل.
متعددة الهويات العرقية والدينية
لكن الانقسام الأعمق، كما تراه "بوليتيكو" في تقريرها من ديترويت، يتصل بمستقبل التحالف الانتخابي الديمقراطي. فميشيغان تضم تجمعات كبيرة من الأمريكيين العرب والمسلمين، إلى جانب مجتمع يهودي مؤثر، فضلا عن ناخبين سود وبيض من الطبقة العاملة، ولكل من هذه المجموعات أولويات ومخاوف مختلفة.
وتقدر مجموعة "إمغيج" المعنية بالدفاع عن حقوق الناخبين المسلمين عدد الناخبين المسلمين المسجلين في الولاية بأكثر من 200 ألف، مقابل نحو 105 آلاف من البالغين اليهود، وفقا لمشروع السكان اليهود الأمريكيين في جامعة برانديز. غير أن الرقم الأول تقدير للمسلمين المسجلين للتصويت، بينما يشير الثاني إلى إجمالي البالغين اليهود، مما يجعل المقارنة المباشرة بينهما غير دقيقة.
كما أن المشاركة الانتخابية المرتفعة تاريخيا بين اليهود، مقارنة بمعدلات المشاركة الأقل بين المسلمين، تجعل حجم التأثير الانتخابي الفعلي أكثر تعقيدا من مجرد مقارنة الأعداد.
وقد كان الناخبون العرب والمسلمون عاملا حاسما في فوز السيد بالانتخابات التمهيدية. ووفقا للأرقام غير الرسمية التي أوردتها "نيوزويك"، تقدم السيد على ستيفنز في ديربورن وديربورن هايتس بفارق تجاوز 16 ألف صوت، وهو ما تجاوز هامش فوزه الرسمي على مستوى الولاية.
وتحذر "بوليتيكو" من أن التوترات لا تقتصر على إسرائيل، بل تشمل أيضا شعور بعض القيادات السوداء بأن الحزب يعتمد على أصوات مجتمعاتهم دون الاستجابة الكافية لاحتياجاتها، فضلا عن استمرار صعوبة استعادة الناخبين البيض من الطبقة العاملة والمناطق الريفية الذين ابتعدوا عن الديمقراطيين في السنوات الأخيرة.
وقال عمدة لانسينغ آندي شور، وهو ديمقراطي يهودي لم يؤيد السيد، إن الحزب يشهد تشرذما بشأن ما يريد أن يحققه في البلاد، وكيف يمكن جمع هذه المصالح المختلفة خلف مرشح واحد بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية. كما حذر مسؤولون ديمقراطيون من أن الحزب لا يستطيع اعتبار أصوات السود أو اليهود أو المسلمين أو العمال مضمونة.
ميشيغان ساحة انتخابية حاسمة
وتكتسب هذه الانقسامات أهمية إضافية لأن ميشيغان تمثل ساحة انتخابية حاسمة في الصراع على مجلس الشيوخ، حيث يحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب صافية بـ4 مقاعد لاستعادة الأغلبية.
ويضع تقرير كوك السياسي الولاية في خانة السباق المتقارب، باعتبارها المقعد الوحيد الذي يشغله الديمقراطيون ويواجه منافسة بهذا المستوى من الخطورة.
ورغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة تمنح السيد تقدما محدودا على روجرز، فإن السباق لا يزال مفتوحا. فقد أظهر استطلاع جامعة ماريست، الذي أجري بين 15 و18 أكتوبر/تشرين الأول، تقدمه بنسبة 50% مقابل 48% لمنافسه، بينما منحه استطلاع مجموعة غلينغاريف، الذي نشرته "ديترويت نيوز" ومحطة "دبليو دي آي في"، تقدما أوسع نسبيا بلغ 51% مقابل 45%.
لكن أهمية ميشيغان لا تتوقف عند انتخابات الثلاثاء، إذ ترى بوليتيكو أن ما يجري فيها قد يقدم مؤشرات مبكرة على طبيعة الصراع الديمقراطي في انتخابات الرئاسة عام 2028، خصوصا أن الولاية أصبحت ضمن الولايات التي يسعى الحزب إلى إشراكها مبكرا في اختيار مرشحه الرئاسي، بسبب تنوعها السكاني والسياسي.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر