لطالما كان الصحفيون في غزة معرضين للأخطار المختلفة، غير أن دورهم في السنوات الثلاث الأخيرة اتخذ منحى أكثر بطولية، فلولا جهودهم لما وصلت إلى العالم بهذه الكثافة صور الحرب الإسرائيلية، وتفاصيل الحياة والموت، خصوصا وأنهم جزء أصيل من المأساة التي ينقلونها.

خلف الصور المألوفة في نشرات الأخبار وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، توجد حكايات لهؤلاء الصحفيين، لا تجد عادة مساحة للظهور في التغطيات الإخبارية.

أخبار مقترحة

  • كيانو ريفز Keanu Reeves Actor Keanu Reeves speaks during his hand and footprint ceremony, in the forecourt of TCL Chinese theatre in Los Angeles, California, U.S. May 14, 2019. REUTERS/Mario Anzuoni
    من بيروت إلى هوليوود.. كيانو ريفز يواجه العالم بالرصاص ويكسبه باللطف
  • “ألعاب الجوع” يعود إلى الماضي بمنافسة قاسية

وخلال السنوات الأخيرة اتجهت مجموعة من الأفلام الوثائقية إلى تسليط الضوء على حياة الصحفيين في غزة، ومن بينها "المواطن أسامة" (Citizen Osama) للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، و"ضع روحك على كفك وامش" (Put Your Soul on Your Hand and Walk) للمخرجة الإيرانية سبيده فارسي، و"عيون غزة" (Eyes of Gaza) للمخرج محمود أتاسي.

ورغم اختلاف أساليبها السينمائية، تشترك هذه الأفلام في نقل الصحفي من موقع الشخص الذي يوثق حياة الآخرين، إلى شخصية رئيسية تكشف الكاميرا تفاصيل حياته ومخاوفه وعلاقاته الإنسانية، في محاولة لتقديم صورة تتجاوز الهوية المهنية المجردة.

الإنسان وراء الكاميرا

اعتاد المواطن العادي رؤية الصحفيين الفلسطينيين وهم يرتدون ستراتهم الواقية، ويتحدثون أمام الكاميرات وسط المباني المدمرة وأصوات القصف، حتى أصبحت هذه الصورة جزءا مألوفا من التغطية اليومية للحرب، غير أن الأفلام الوثائقية التي تتناول حياتهم تحاول تجاوز هذه الصورة التي أصبحت أقرب إلى النمطية، وتكشف عن جوانب شخصية لا تسمح طبيعة العمل الإخباري عادة بظهورها.

في فيلم "المواطن أسامة"، يتابع المخرج أحمد حسونة المصور الصحفي أسامة العشي، الذي يحاول التوفيق بين عمله في توثيق الحرب ومسؤولياته تجاه أسرته، خصوصا بعدما أصبح أبا للمرة الأولى، فنراه يبحث عن الطعام والحفاضات والحليب لطفله، ويواجه مخاوف والديه عليه، بينما يحتفظ الفيلم بمساحة للفكاهة والمواقف اليومية التي تكشف شخصيته بعيدا عن جدية العمل الصحفي.

أسامة في هذا الفيلم ليس نموذجا مثاليا للشجاعة والتضحية، وإنما إنسان عادي يحاول الاستمرار في حياته رغم الظروف الاستثنائية المحيطة به.

وتظهر هذه الرغبة في استعادة الحياة الشخصية بصورة مختلفة في فيلم "ضع روحك على كفك وامش"، حيث تتعرف المخرجة سبيده فارسي على المصورة الصحفية فاطمة حسونة من خلال مكالمات الفيديو المتكررة، وتمتد أحاديثهما إلى الشعر والطعام وأحلام السفر والتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، وتمنح ابتسامة فاطمة وروحها المرحة حضورا إنسانيا لا يقل أهمية عن شهادتها على الحرب.

أما "عيون غزة"، فيوسع هذه النظرة لتشمل ثلاثة صحفيين فلسطينيين، يتابعهم الفيلم أثناء العمل وفي لحظات الراحة والبحث عن احتياجاتهم الأساسية، وتكشف هذه التفاصيل أن الصحفي الذي ينقل المعاناة يعيش الظروف نفسها بطبيعة الحال، وهو الأمر الذي قد ينساه الكثير من المتابعين.

عندما تفرض الحرب شكل الفيلم

فرضت الحرب شروطها على طريقة صناعة الأفلام التي نتحدث عنها هنا، والأفلام الأخرى التي تتناول قصص صحفيي غزة، بداية من قدرة المخرج على الوصول إلى الشخصيات، وحتى الوسائل المستخدمة في التصوير.

نجد ذلك بوضوح في "ضع روحك على كفك وامش"، عندما لم تتمكن المخرجة من دخول غزة، فلجأت إلى مكالمات الفيديو مع فاطمة حسونة، والتي أصبحت المادة الأساسية للفيلم، وعلى مدار عام تقريبا، تحولت شاشة الهاتف إلى نافذة تطل منها المخرجة على حياة فاطمة، بينما تكشف الصورة محدودة الجودة وانقطاعات الاتصال عن المسافة التي تفصل بينهما، وعن هشاشة التواصل مع شخص يعيش تحت القصف.

وتكتسب هذه التسجيلات دلالة أكثر مأساوية بعد مقتل فاطمة حسونة مع عدد من أفراد أسرتها في غارة إسرائيلية يوم 16 أبريل/نيسان 2025، بعد يوم واحد من إعلان اختيار الفيلم للعرض في مهرجان كان.

واجه المخرج محمود أتاسي صعوبات مشابهة خلال صناعته "عيون غزة"، ولكنه اختار لها معالجة مختلفة، إذ أدار التصوير عن بعد بالتعاون مع مصور موجود داخل القطاع، مستخدما معدات محدودة وكاميرات قديمة، وسمح هذا الأسلوب بمرافقة الصحفيين خلال عملهم وتحركاتهم اليومية.

الظروف الاستثنائية للحرب جزء أساسي من اللغة السينمائية لهذين الفيلمين، وبالتالي تفاصيل مثل زاوية التصوير أو نوع العدسة أو اختيارات الإضاءة لم تعد هي الأدوات التي يمكن للمخرج أن يتحكم بها، بل إمكانية تسجيل الحياة في لحظة مهددة بالانقطاع هي ما يفرض شكل الفيلم وطريقة سرده.

من نقل الأخبار إلى حفظ الذاكرة

تتمثل أهمية هذه الأفلام الحقيقية في حفظ شهادات وتجارب الصحفيين الفلسطينيين الشخصية، في وقت يتعرض فيه الصحفيون أنفسهم للقتل، وتصبح إمكانية استمرارهم في توثيق ما يحدث مهددة باستمرار.

تتضح هذه الوظيفة بصورة خاصة في "ضع روحك على كفك وامش"، الذي تحول بعد مقتل فاطمة حسونة إلى سجل مصور لعام من حياتها. تحتفظ مكالمات الفيديو بصوتها وضحكاتها وأحاديثها عن المستقبل، وتمنح صورها الفوتوغرافية المتفرج فرصة لرؤية غزة بعينيها، فتترك فاطمة داخل الفيلم جزءا أصيلا من عملها الصحفي ورؤيتها الشخصية للعالم.

وفي "عيون غزة" و"المواطن أسامة" تكتسب متابعة الصحفيين أثناء عملهم أهمية إضافية، لأنها تسجل الظروف التي أنتجت فيها الصور والتقارير الصحفية، وهي تفاصيل لا تصل عادة إلى الجمهور مع الخبر المنشور، فيوثق الفيلمان ما اضطروا إلى مواجهته حتى يتمكنوا من نقل شهاداتهم.

تضيف السينما الوثائقية بهذه الطريقة إلى التغطية الإخبارية بعدا مختلفا، وتصبح جزءا من ذاكرة الحرب، وتحتفظ بحكايات الأشخاص الذين خاطروا بحياتهم كي تصل تلك الصور إلى العالم.