أكد إلياس القصري، السفير التونسي السابق في كل من ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، أن “الأزمة الهيكلية التي تهز شمال إفريقيا ومنطقة الساحل لا يمكن اختزالها في مجرد إخلالات أمنية ظرفية، فمن منظور العلوم السياسية تجسد هذه الأزمة الشرخ النهائي بين بنية الدولة-الأمة المركزية، المستوحاة من النموذج الجاكوبيني الأوروبي، والشرائح الاجتماعية العميقة للفضاءات المستعمرة”.
وأضاف القصري، في مقال نشره على صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، أن “التشكيلات الجيوسياسية الحالية لكل من الجزائر وليبيا هي كيانات مصطنعة حديثة، لم يكن لها وجود قط بهذا المسمى وهذه الحدود قبل الاستعمار الفرنسي والإيطالي”، مبرزا أن “محاولة إسقاط دولة مركزية بيروقراطية على فضاءات تتميز بالتضامنات الانقسامية والعصبية القبلية والإقليمية أثبتت فشلها الهيكلي؛ واليوم فإن القوى الطاردة المركزية الناشطة في ليبيا والإنهاك متعدد الأبعاد للجزائر ينذران بتصحيح تاريخي حتمي للموروث الترابي المنبثق عن مؤتمر برلين سيئ الذكر”.
واعتبر الدبلوماسي السابق ذاته أن “الحالة الليبية تقدم دليلاً تجريبياً على استحالة بناء دولة حديثة مستدامة دون عقد اجتماعي حقيقي ووعي وطني مشترك”، مسجلا أن “التوحيد الإداري الذي فرضه المرسوم الفاشي الإيطالي عام 1934 دمج بالقوة ثلاث ولايات عثمانية متمايزة (طرابلس، وبرقة، وفزان)؛ فيما لم يفلح النظام الملكي الفيدرالي السنوسي، ولا نموذج جماهيرية القذافي القائم على الريع والزبونية، في صهر أمة ليبية واحدة”، وزاد: “وبناءً على ذلك فإن المساعي الدبلوماسية الدولية الهادفة إلى إعادة إرساء دولة مركزية في طرابلس محكوم عليها بالفشل بنيوياً”.
وتابع كاتب المقال بأن “المسارات التي ترعاها الأمم المتحدة تصطدم بما يحمل كل سمات الحتمية التاريخية: وهو الارتداد نحو أقطاب الشرعية العضوية لفترة ما قبل الاستعمار، إذ ترفض برقة استحواذ طرابلس على مواردها النفطية، في حين تنفصل فزان لتعيد الاندماج في شبكاتها العابرة للحدود في الصحراء الكبرى؛ وهذا التفتت ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو حالة التوازن الاجتماعي والسياسي الحقيقي لهذا الفضاء”.
وذكر القصري أن “الجزائر المبنية على المنظومة شديدة المركزية نفسها، التي ضخمتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية على حساب جيرانها، تواجه الحتمية التاريخية نفسها، بحيث جعلت الدبلوماسية الجزائرية من مبدأ ‘عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار’ لمنظمة الوحدة الإفريقية (1964) عقيدة مطلقة، وهذا التصلب العقائدي يعكس قلقاً وجودياً عميقاً: فالجزائر تدرك أن الاعتراف الرسمي بالفيدرالية أو التقسيم في ليبيا سيخلق سابقة قانونية لزعزعة استقرار أطرافها (منطقة القبائل، والطوارق في الجنوب، بالإضافة إلى المجموعات والقبائل التي عاشت تاريخياً تحت السيادتين التونسية والمغربية)”.
وأكد السفير السابق أن “هذه الهشاشة البنيوية تدفع النظام العسكري الجزائري نحو سياسة الهروب إلى الأمام وتعجيل طوقه الجيو-استراتيجي، إذ تجد الجزائر نفسها اليوم مكشوفة على ثلاث جبهات متزامنة وشديدة الاضطراب”، وأضاف: “شرقاً، فالمأزق الليبي يفلت تماماً من نفوذها، مجهضاً دورها كـ’شقيق أكبر’ في المنطقة، وجنوباً يذكي إلغاء مالي اتفاق الجزائر وقطع القنوات التقليدية في النيجر طبول الحرب مباشرة على الحدود الليبية الجزائرية النيجرية، حيث يواجه الجيش الجزائري الديناميكيات الهجومية للمجالس العسكرية في الساحل؛ أما غرباً فإن النهاية الفعلية للآلية العازلة الأممية (المينورسو) في الصحراء تعيد شبح حرب استنزاف مكلفة، يرجح جداً أن تؤدي إلى نهاية مختلفة عن تلك التي شهدها عام 1963، حين واجهت المملكة المغربية تحالفاً جزائرياً مصرياً وكوبياً”.
وزاد كاتب المقال: “داخل هذه الحدود الواقعة تحت ضغط الحديد والنار تظهر الإخفاقات الاقتصادية والسياسية للنموذج الجزائري؛ فالخنق الأمني للتطلعات الديمقراطية للحراك والتبعية المطلقة لريع نفطي متقلب يمنعان بروز ازدهار حقيقي، محولين الدولة الموروثة عن الاستعمار إلى قلعة محاصرة”.
أمام هذا التحول الجذري الشامل اعتبر القصري أن “تمسك العقيدة الدبلوماسية التونسية بالوضع القائم لما بعد الاستعمار يبدو كأنه انحراف جيو-سياسي فادح؛ فإذا وجدت تونس نفسها تاريخياً بين فكي كماشة جارتين متضخمتين، تحملان نزعات هيمنة ومحكومتين بالاضطراب، فإنها تستنزف قواها في تأمين خطوط ترسيم مصطنعة لحساب أنظمة في طور تحلل لا مناص منه”.
وبين الدبلوماسي السابق أن “المصلحة الحيوية لتونس تفرض عليها مسايرة الحتمية التاريخية باتخاذ موقف الحياد البراغماتي، إذ إن اللامركزية أو تفتت هاتين الكتلتين الدوليتين المصطنعتين يتيح مزايا إستراتيجية كبرى لتونس”، داعيا إلى “عقلنة علاقات الجوار، إذ إن التعامل المباشر مع أقطاب سلطة محلية مستقرة ومتجانسة يمنح تونس فرصاً لشراكات اقتصادية وأمنية مباشرة، قائمة على تضامنات فعلية ومصالح متوازنة بدلاً من الإكراه العسكري لدول مركزية بعيدة ومتصارعة مع أطرافها وجيرانها”.
وخلص السفير التونسي السابق في برلين وطوكيو وسيول ونيودلهي إلى أنه “من خلال الكف عن دعم منظومة استعمارية متهالكة موروثة عن مؤتمر برلين عفا عنها الزمن، ستتجنب تونس انتقال التناقضات والصراعات الهيكلية إليها، وتتمكن من التموقع كقطب دبلوماسي واجتماعي واقتصادي طبيعي لفضاء مغاربي تعددي، غير مركزي، ومتوازن أخيراً”.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر