مشهد سياسي مضطرب: إسرائيل أمام سيناريوهات ما بعد الاقتراع

شهدت إسرائيل يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، واحدة من أكثر المحطات الانتخابية إثارة للجدل في تاريخها الحديث، حيث سجلت صناديق الاقتراع نسب مشاركة هي الأعلى منذ عقود طويلة. وبينما لا تزال عمليات فرز الأصوات جارية حتى اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، تبرز ملامح مشهد سياسي بالغ التعقيد، يتسم بمفاجآت غير مسبوقة، من بينها التراجع التاريخي لحزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، مقابل صعود لافت ومؤثر للأحزاب العربية التي نجحت في فرض معادلة جديدة داخل أروقة الكنيست.

نتنياهو في مواجهة "أسوأ أرقام" منذ ربع قرن

تُظهر النتائج الأولية التي تم رصدها أمس الثلاثاء، أن بنيامين نتنياهو، الذي يُعد رئيس الوزراء الأطول بقاءً في سدة الحكم في إسرائيل، قد مني بأسوأ نتيجة انتخابية لحزبه منذ عام 1999. هذا التراجع ليس مجرد رقم عابر، بل يعكس تآكلاً في القاعدة الشعبية التي طالما راهن عليها زعيم اليمين. وعلى الرغم من هذه النكسة الرقمية، لا تزال الحسابات السياسية تشير إلى أن نتنياهو يمتلك "ثغرة" قانونية وسياسية قد تمكنه من التشبث بكرسي السلطة، من خلال تحالفات قد تبدو مستحيلة في الظروف العادية، لكنها تظل خياراً مطروحاً في ظل نظام التعددية الحزبية الإسرائيلي.

ويطرح المحللون تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الانحدار؛ هل تكمن المشكلة في شخص نتنياهو الذي بات يثير انقساماً حاداً في الشارع الإسرائيلي، أم أنها أزمة سياسات وتوجهات يمينية لم تعد تستهوي الناخب الذي يبحث عن استقرار أمني واقتصادي؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح الحكومة القادمة، وما إذا كان نتنياهو قادراً على إعادة تدوير نفسه سياسياً أم أننا نشهد بداية النهاية لحقبة "الملك بيبي".

مستقبل غامض ورهان على التحالفات

مع استمرار عمليات الفرز، تتجه الأنظار نحو تشكيل الائتلاف الحكومي القادم. إن دخول الأحزاب العربية كلاعب أساسي بوزن سياسي لم يعهده النظام الإسرائيلي من قبل، يغير قواعد اللعبة تماماً؛ فالمعسكرات التقليدية (اليمين واليسار والوسط) لم تعد قادرة على تشكيل حكومة دون تفاهمات معقدة. إن خريطة المقاعد الحالية تضع نتنياهو في زاوية ضيقة، لكن التاريخ السياسي لهؤلاء القادة يعلمنا أن "المستحيل" يمكن أن يتحول إلى "اتفاق ائتلافي" في اللحظات الأخيرة.

في الختام، يظل السؤال المعلق ليس فقط حول من سيشكل الحكومة، بل حول مدى قدرة هذه الحكومة -أياً كانت هويتها- على الصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة. إن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت إسرائيل مقبلة على استقرار حكومي هش، أم أنها ستدخل في دوامة جديدة من الانتخابات المبكرة التي قد تزيد من حدة الاستقطاب في مجتمع بات أكثر انقساماً من أي وقت مضى.