أعادت جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، الأربعاء بالرباط، تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للمشاريع المينائية الكبرى في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتوسيع قدراته التصديرية، واستقطاب الاستثمارات؛ وذلك بالتزامن مع اقتراب دخول أولى محطات المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط حيز الاستغلال، إلى جانب مشروع توسيع المركب المينائي طنجة المتوسط من خلال إطلاق أشغال الميناء الجديد “طنجة المتوسط 3”.

وفي هذا السياق، أبرز خبيران اقتصاديان أن تطوير البنيات التحتية المينائية واللوجستية يشكل رافعة أساسية لدعم الصادرات المغربية، وتحسين جاذبية المملكة للاستثمارات المحلية والأجنبية، فضلا عن المساهمة في توزيع النشاط الاقتصادي على مختلف جهات البلاد، بما يحد من تمركز الاستثمارات في المحاور الاقتصادية التقليدية.

بنيات مينائية قوية لتعزيز التنافسية

يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، قال إن تعزيز البنيات التحتية البحرية والملاحية أصبح ضرورة أساسية في ظل التحولات التي تعرفها التجارة العالمية؛ بالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه الموانئ في حركة المبادلات التجارية الدولية.

وأوضح كراوي الفيلالي، ضمن تصريح لهسبريس، أن انفتاح المغرب على الأسواق الآسيوية وتزايد اهتمام المستثمرين الأجانب بالاستقرار في المملكة يفرضان توفير بنية تحتية مينائية ذات جودة عالية، تعتمد تكنولوجيات متطورة وتتوفر على قدرات استيعابية كبيرة، بما يستجيب لمتطلبات الأنشطة الصناعية والتجارية المتنامية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن أهمية هذه البنيات تتجلى بشكل خاص في ارتباطها بمناطق التسريع الصناعي، التي يتجه جزء كبير من إنتاجها نحو الأسواق الخارجية، مشيرا إلى أن أكثر من 75 في المائة من رقم معاملات الأنشطة الصناعية بهذه المناطق قد يكون موجها للتصدير؛ وهو ما يجعل توفر موانئ متطورة شرطا أساسيا لتسهيل نقل المنتجات وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.

وأكد المتحدث أن تطوير البنيات المينائية لا ينبغي أن ينفصل عن تأهيل النسيج المقاولاتي الوطني، موضحا أن الرهان لا يقتصر على استقطاب الشركات الأجنبية؛ بل يشمل أيضا تمكين المقاولات المغربية من الرفع من جودة منتجاتها وإنتاجيتها، حتى تتمكن بدورها من ولوج الأسواق الخارجية والاستفادة من البنيات اللوجستية المتاحة.

وشدد رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير على أن تحسين تنافسية المقاولات الوطنية يظل ضروريا لضمان استفادتها من الدينامية الاستثمارية التي تتيحها المشاريع المينائية، عوض أن يظل استغلال هذه البنيات مرتبطا أساسا بالشركات الأجنبية المستقرة في المناطق الحرة ومناطق التسريع الصناعي.

الصادرات في مواجهة العجز التجاري

وفي حديثه عن الأبعاد الاقتصادية لهذه المشاريع، ربط كراوي الفيلالي تطوير الموانئ بضرورة تقوية الصادرات الوطنية، معتبرا أن تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المغربية في الأسواق الخارجية يمكن أن يسهم تدريجيا في تقليص العجز الهيكلي الذي يعرفه الميزان التجاري.

وأوضح الخبير ذاته أن توسيع القدرات التصديرية للمملكة يقتضي العمل على مستويين متكاملين؛ أولهما تطوير البنيات التحتية البحرية واللوجستية، وثانيهما تحسين أداء المقاولات الوطنية وتمكينها من إنتاج سلع وخدمات تستجيب لمتطلبات الأسواق الدولية.

وأضاف المصرح عينه أن الرهان يتمثل في الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر قدرة على التصدير، بما يسمح بتقليص الفجوة بين قيمة الواردات والصادرات، مشيرا إلى إمكانية استهداف خفض العجز التجاري، وفق تصوره، من مستويات تقارب 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام إلى نحو 10 في المائة على مدى خمس سنوات.

واعتبر يوسف كراوي الفيلالي أن بلوغ هذا الهدف يظل رهينا بتكامل السياسات الصناعية والتجارية واللوجستية، وبقدرة المقاولات المغربية على رفع إنتاجيتها وتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، مؤكدا أن البنيات المينائية، مهما بلغت جودتها، لن تحقق كامل إمكاناتها الاقتصادية دون وجود نسيج مقاولاتي قادر على استغلالها.

رؤية تنموية لتوسيع قاعدة الاستثمار

من جهته، قال محمد جدري، الخبير الاقتصادي، إن المشاريع المينائية الجديدة تندرج ضمن رؤية اقتصادية وتنموية واضحة المعالم، تستهدف تعزيز النمو وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار، في أفق تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد.

وأوضح جدري، ضمن تصريح لهسبريس، أن المغرب يسعى إلى رفع الناتج الداخلي الخام من نحو 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار بحلول سنة 2035؛ وهو هدف يتطلب، حسبه، بناء اقتصاد صاعد قادر على استقطاب استثمارات جديدة، سواء من المستثمرين المغاربة أو الأجانب.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن تحقيق هذه الطموحات لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات التي يمكن للمملكة استقطابها؛ بل أيضا بتوزيعها جغرافيا، مشددا على ضرورة تجاوز تمركز الأنشطة الاقتصادية في محور طنجة والمناطق المحيطة به، والعمل على توجيه الاستثمارات نحو مناطق أخرى تتوفر على مؤهلات اقتصادية واعدة.

وأكد المتحدث عينه أن السياسة المينائية الوطنية تضطلع بدور مهم في هذا التوجه؛ من خلال توفير منافذ بحرية متطورة للمناطق التي تحتاج إلى تعزيز ارتباطها بالأسواق الوطنية والدولية، بما يسمح باستقطاب المستثمرين وتطوير الأنشطة الإنتاجية خارج المحاور الاقتصادية التقليدية.

وفي هذا الإطار، أشار جدري إلى ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره مشروعا يراد له أن يشكل رافعة لجذب الاستثمارات إلى الأقاليم الجنوبية، وتعزيز انفتاح المملكة على دول غرب إفريقيا ومنطقة إفريقيا جنوب الصحراء.

كما أبرز أهمية المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط في تحفيز الاستثمار بجهة الشرق، موضحا أن المشروع يستهدف توفير منصة مينائية ولوجستية تتيح للمستثمرين الاستفادة من منفذ على البحر الأبيض المتوسط، بما يسهل عمليات الاستيراد والتصدير ويحد من الإكراهات المرتبطة بنقل السلع.

الناظور غرب المتوسط.. رافعة لوجستية وطاقية

وقال جدري إن توفير منافذ بحرية فعالة يشكل أحد الشروط الأساسية لاستقطاب الاستثمارات الصناعية، لأن المستثمر يحتاج إلى منظومة لوجستية تتيح له نقل المواد الأولية وتسويق منتجاته في ظروف تنافسية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن غياب بنية تحتية مينائية ملائمة قد يحد من جاذبية بعض المناطق، حتى عندما تتوفر على مؤهلات عقارية أو صناعية مهمة، مبرزا أن الموانئ الجديدة يمكن أن تسهم في معالجة عدد من الإكراهات التي تواجه المستثمرين المغاربة والأجانب، من خلال تقليص الصعوبات المرتبطة بالنقل والتصدير.

ولفت المتحدث إلى أن نجاح التجربة التي راكمها المغرب في ميناء طنجة المتوسط يقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه في تطوير مشاريع مينائية أخرى، مستحضرا الدور الذي أداه هذا المركب في دعم صناعة السيارات المغربية وتعزيز ارتباطها بالأسواق الدولية.

وأوضح أن طنجة المتوسط أصبح مركزا مينائيا مهما في حوض البحر الأبيض المتوسط وعلى المستوى العالمي، معتبرا أن التجربة التي راكمها المغرب في هذا المجال يمكن البناء عليها لتطوير ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، مع مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والقطاعية لكل مشروع.

وأكد جدري أن الناظور غرب المتوسط لا تقتصر أهميته على توفير خدمات الشحن والتصدير والاستيراد، بل يمتد إلى البعد الطاقي، بالنظر إلى ما يرتقب أن يضطلع به من أدوار مرتبطة بالمواد النفطية والغاز، وفق التوجهات المعلنة للمشروع.

وأبرز أن تطوير البنية التحتية المرتبطة بالغاز الطبيعي والغاز المسال يمكن أن يسهم في تعزيز أمن الإمدادات الطاقية للمملكة، وتوفير شروط أفضل لاستقطاب الاستثمارات الصناعية التي تحتاج إلى موارد طاقية موثوقة وتنافسية.

أقطاب مينائية لتحقيق العدالة المجالية

وفي سياق متصل، اعتبر جدري أن تكامل المشاريع المينائية الكبرى يمكن أن يمنح المغرب شبكة من الأقطاب الاقتصادية واللوجستية القادرة على دعم خلق الثروة والقيمة المضافة، وتوسيع فرص الشغل، ولا سيما لفائدة الشباب.

وأوضح أن طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، إلى جانب تطوير البنيات المينائية الكبرى الأخرى، يمكن أن تسهم في بناء منظومة أكثر توازنا لتوزيع النشاط الاقتصادي، شريطة مواكبتها بسياسات استثمارية وصناعية تستجيب لخصوصيات كل جهة.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن العدالة المجالية الاقتصادية تقتضي ألا تظل فرص الاستثمار والتشغيل محصورة في محور اقتصادي واحد، بل ينبغي أن تمتد إلى جهات أخرى؛ من بينها جهة الشرق والأقاليم الجنوبية، بما يسمح للسكان المحليين بالاستفادة من فرص التنمية التي تتيحها المشاريع الكبرى.

وأكد محمد جدري أن نجاح هذه المشاريع سيظل مرتبطا بقدرتها على إحداث آثار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة في محيطها، من خلال خلق مناصب الشغل، وتطوير الخدمات اللوجستية والصناعية، وتحفيز المقاولات المحلية، وتعزيز الاندماج بين الأنشطة المينائية والنسيج الاقتصادي الجهوي.