أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي حاضرة بقوة في المشهد الانتخابي، بعدما لجأ عدد من المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة عبر مختلف الولايات الجزائرية إلى استخدامها في إعداد صورهم الشخصية وتصميم منشوراتهم الدعائية، غير أن هذا التوجه أثار موجة من التفاعل والجدل على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بعدما تجاوزت بعض الصور حدود التحسين والتعديل لتصل إلى تغيير واضح في ملامح أصحابها، وهو الأمر الذي أثار استغراب المواطنين وسخرية بعض المتابعين وفتح النقاش حول حدود استخدام التكنولوجيا في الحملات الانتخابية ومدى تأثيرها على مصداقية المترشحين.
وتداول عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي منشورات هزلية تنتقد مبالغة بعض المترشحين في تعديل صورهم باستعمال الذكاء الاصطناعي، حيث نشرت صفحة تعليقا موجها للمترشحين جاء فيه: "كلمة للمترشحين لي راهم يعدلو في صورهم بالذكاء الاصطناعي، أنت وجهك ما عندكش ثقة فيه حابني نثيق فيك أنا؟"، "لا تغيروا ملامحكم في الصور خليونا نعرفوكم"، قبل أن يختتم منشوره بالتأكيد على أنه يتحدث عن المترشحين متمنيا لهم الدعم والتوفيق.
وفي السياق ذاته، انتقد منشور آخر ما وصفه بالمبالغة في استعمال هذه التقنية، معتبرا أن بعض الإعلانات المنشورة قد تدخل في خانة الدعاية الكاذبة، حيث جاء فيه: "الإخوة المترشحين للمجالس المحلية الكثير من إعلانات الترشح المنشورة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تدخل في خانة الدعاية الكاذبة والله البعض ما عرفتهم يا سيدي وين كان مخبي هذا الجمال كله".
ورغم الطابع المازح لهذه التعليقات، فقد أشار أصحابها إلى مسألة أساسية تتعلق بضرورة تقديم المترشح نفسه للناخبين بصورة حقيقية تعكس ملامحه وشخصيته بعيدا عن التعديلات المبالغ فيها، مع التأكيد على أن الغاية من هذه المنشورات ليست الإساءة إلى المترشحين وإنما التنبيه إلى أهمية المصداقية في العمل السياسي.
الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة
من جهته، اعتبر ندير بن جاب الله، المترشح عن حركة مجتمع السلم، والذي سبق له تولي عهدات في المجالس الولائية بولاية قسنطينة، في تصريح لـ"الخبر"، أن الذكاء الاصطناعي يمثل وسيلة جيدة يمكن الاستفادة منها خلال الحملة الانتخابية، سواء في إنجاز الصور أو إعداد مختلف وسائل الدعاية والتواصل، موضحا أن نجاح الحملة الانتخابية لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على الصور والمنشورات وحدها، بل يتطلب حضورا ميدانيا وتواصلا مباشرا مع المواطنين من خلال التجمعات واللقاءات الفردية والخرجات إلى المقاهي والأسواق والمداشر وغيرها من الفضاءات التي تتيح للمترشح الاحتكاك بالناخبين والاستماع إلى انشغالاتهم.
وأكد ندير بن جاب الله أن الحملة الناجحة هي باختصار تلك التي يتمكن من خلالها المترشح من الوصول إلى الناخب مباشرة وإقناعه ببرنامجه وأفكاره، خاصة في ظل حالة العزوف الانتخابي التي تقف وراءها ظروف وعوامل متعددة، مشيرا إلى إمكانية تصنيف الناخبين إلى مناصرين ومترددين ومعارضين، وهو ما يتطلب من المترشح امتلاك القدرة على الإقناع والتواصل.
وبخصوص استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي على غرار ChatGPT وGemini وغيرهما، أوضح بن جاب الله أنها وسائل مساعدة يمكن توظيفها في إعداد الصور والخطابات وتسهيل إنجاز بعض المواد الدعائية، غير أن الأفكار والبرامج يجب أن تنبع أساسا من قناعة المترشح وخبرته ومعرفته بالواقع المحلي ومشاكل المواطنين.
وفي رده على الانتقادات الموجهة لاستعمال هذه التقنيات في الصور، أشار إلى أنه لا يرى في مجرد استخدام وسيلة متاحة أمرا يستدعي الاستفزاز، معتبرا أن الصور ليست في حد ذاتها حملة انتخابية، وإنما طريقة لتقديم المترشحين لأنفسهم في أحسن هيئة، في حين أن الحملة الحقيقية تقوم على الخطاب والبرنامج والأفكار، مشددا في هذا الإطار على أن جوهر التنافس الانتخابي يجب أن ينصب على مضمون الخطاب السياسي والبرامج المقترحة ومدى واقعيتها وليس فقط على الشكل الخارجي والصور الدعائية، ومتطرقا أيضا إلى التغيرات التي طرأت على طبيعة المنتخبين لأسباب متعددة منها ما يتعلق بمن سبق لهم تولي المسؤولية، ومنها ما قد يرتبط بمحاولات مخطط لها لضرب مصداقية العملية الانتخابية بالأساس.
تغيير ملامح المترشح بالذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى تضليل
من جهته، قدم حمزة بولحليب، مترشح عن جبهة المستقبل بقسنطينة، قراءة أخرى لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية، حيث أشار إلى أن من أبرز إيجابيات هذه التقنية اختصار الجهد والمال والوقت وتسهيل إعداد الصور والمواد الدعائية، غير أنه نبه في المقابل إلى سلبياتها، خاصة ما يتعلق بالتغيير الكبير الذي قد يطرأ على ملامح الوجه، بما يجعل الصورة المنشورة غير مطابقة للحقيقة، وأكد بولحليب أنه يفضل تقديم نفسه للناخبين بصورته الحقيقية، بعيدا عن أي تعديلات قد تؤدي إلى التضليل، معتبرا أن المصداقية تبدأ من أبسط التفاصيل بما فيها الصورة الشخصية والمظهر الخارجي للمترشح. وأضاف في هذا السياق بنبرة ساخرة أن الناخب قد يقول عن المترشح "وجهه ولباسه كذب فيهم كيف يصدق في باقي الأمور؟"، في إشارة إلى أن المبالغة في تحسين الصورة قد تنعكس سلبا على ثقة المواطنين في صاحبها، كما نبه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلو من الأخطاء اللغوية، وهو ما يستوجب الانتباه والمراجعة الدقيقة للمنشورات والملصقات قبل نشرها تفاديا لوقوع المترشح في أخطاء قد تظهره أمام الجمهور بصورة غير مناسبة.
أما بخصوص الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعداد الرؤى والبرامج السياسية، فقد اعتبر بولحليب أن ذلك أمر غير مقبول إذا تحول إلى اعتماد كلي على هذه التقنية، مشددا على ضرورة أن يكون المترشح ملما بمشاكل مدينته وبلديته وولايته، وأن يجتهد في حصر هذه المشاكل وتحليل أسبابها مع إمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي كوسيلة ثانوية للاطلاع على أفكار وحلول ممكنة، بالاستفادة من تجارب سابقة.
وحذر بولحليب من أن الاعتماد الكلي على هذه الأدوات قد يجعلها وسيلة للتضليل الإعلامي، بل وحتى للتأثير على الناخبين بشأن المستوى السياسي والفكري الحقيقي للمترشح، خاصة إذا قدمت لهم صورة أو خطابا لا يعكسان قدراته الفعلية وإمكاناته، مضيفا أن واقع التسيير المحلي وما يفرضه من تحديات ميدانية يحتاج إلى منتخب مؤهل سياسيا يمتلك أفكارا ورؤى واضحة وقادرا على التعامل مع انشغالات المواطنين ومشاكلهم، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى وسيلة مساعدة وثانوية، وليس بديلا عن الكفاءة والخبرة والاجتهاد الشخصي.
أما البروفيسور في علم الاجتماع بجامعة قسنطينة 2 بوبكر جيملي، فقال إن هذا السلوك يدخل ضمن التسويق السياسي وهو ليس عيبا في حد ذاته، لكن ذلك لا يجب أن يغطي على المقاييس الموضوعية التي يبني على أساسها المواطن تفضيلاته وسلوكه الانتخابي، والمثل يقول: "يا المزوق من برا واش حالك من داخل"، لذلك فإن الظهور أمام الجمهور بحلة جميلة من التحضر، من غير أن تتأثر الهوية الحقيقية، لكن التسويق السياسي الحقيقي يرتكز على البرنامج والإمكانات، لأن الحملة الانتخابية ليست حفلة عرض الأزياء أو مسابقة ملكة أو ملك جمال الجزائر.
وفي قراءة سوسيولوجية لظاهرة لجوء بعض الأشخاص إلى الذكاء الاصطناعي من أجل تحسين صورهم الشخصية وتقديم أنفسهم للآخرين بصورة مثالية، يرى الدكتور عبيد مهدي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة باتنة، أن هذا السلوك يمكن فهمه من زاويتين أساسيتين نفسية واجتماعية. فعلى المستوى النفسي، قد يعكس الإفراط في تجميل الصورة الشخصية ومحاولة الظهور بملامح وصفات لا تعكس الواقع حالة من ضعف الثقة بالنفس أو نقص تقدير الذات، حيث يسعى الفرد إلى تعويض ما يعتقد أنه ينقصه في شخصيته الحقيقية من خلال صناعة صورة أكثر جاذبية وقبولا لدى الآخرين.
أما من الناحية السوسيولوجية فيمكن تفسير هذه الظاهرة بالاستناد إلى نظرية المشهد المسرحي لعالم الاجتماع إرفينغ غوفمان، التي تقوم على اعتبار الحياة الاجتماعية شبيهة بالمسرح، حيث يؤدي الفرد أدوارا مختلفة ويسعى باستمرار إلى التحكم في الطريقة التي يراه بها الآخرون.
وفي هذا السياق، يميز غوفمان بين ما يسميه المشهد الأمامي والخلفي، ففي المشهد الأمامي يعمل الفرد على تقديم صورة مثالية عن نفسه، وإبراز الصفات الإيجابية التي يرغب في أن يربطها الآخرون بشخصيته، وهنا تبرز الصور التي ينتجها أو يحسنها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة لتقديم نسخة محسنة من الذات، بينما يمثل المشهد الخلفي الحياة اليومية للفرد بعيدا عن الأضواء والصور المصطنعة، حيث تظهر شخصيته في سياقها الطبيعي بكل ما تحمله من بساطة وتفاصيل إنسانية بعيدة عن الصورة المثالية التي يسعى إلى تسويقها.
ومن هذا المنطلق، تندرج هذه الممارسات ضمن ما يسميه غوفمان إدارة الانطباع، أي سعي الفرد إلى التحكم في الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين، من خلال انتقاء الصور والمظاهر والرموز التي تعزز الصورة التي يريد تقديمها عن نفسه، حتى وإن كانت لا تعكس واقعه بشكل كامل، ومن زاوية أخرى، يقول الدكتور يمكن ربط هذه الظاهرة بالتحولات التي عرفها المجتمع المعاصر، وانتقاله نحو ما يعرف بالمجتمع الشبكي الذي تناوله عالم الاجتماع مانويل كاستلز في أعماله حول مجتمع الشبكات.
وأوضح أنه في ظل هذا التحول، أصبحت العلاقات والتفاعلات الاجتماعية تتشكل بدرجة متزايدة عبر الإنترنت والمنصات الرقمية، وأضحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات أساسية للتعبير عن الذات وبناء المكانة الاجتماعية وصناعة الصورة الشخصية، ويتجلى هذا الأمر بصورة أوضح في المجال السياسي والانتخابي، حيث يلجأ بعض المترشحين إلى توظيف الصور المحسنة بالذكاء الاصطناعي لتقديم أنفسهم بصورة أكثر جاذبية وهيبة وتأثيرا لدى المواطنين. وفي مثل هذه الحالات، قد تتحول الصورة إلى وسيلة للتواصل والتأثير وأحيانا إلى بديل عن الخطاب المباشر والبرامج الانتخابية التي يفترض أن يقدمها المترشح للناخبين، فبدلا من التركيز على عرض الأفكار والتصورات والحلول، يصبح الاهتمام منصبا على صناعة صورة بصرية قادرة على جذب الانتباه واستقطاب الجمهور، وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا يقدم هذا المترشح للمواطن؟ هل يقدم مشروعا وبرنامجا واضحا يعكسان قدراته وتصوراته، أم يقدم صورة مثالية تستهدف التأثير في انطباعات الجمهور.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر