30 عاما مرت على انطلاق قناة الجزيرة، 30 عاما صنعت خلالها المؤسسة الإعلامية حضورا استثنائيا في المشهد العربي والدولي، وارتبط اسمها بتحولات كبرى في الإعلام، وبأحداث وحروب وقضايا تجاوزت حدود الجغرافيا.

وقد اعتدنا أن نرى الجزيرة من خلال شاشتها، وأن نحكم على تجربتها من محتواها وبرامجها ومراسليها، لكن زيارة المؤسسة من الداخل تمنح المشاهد زاوية مختلفة تماما؛ زاوية تكشف أن ما يظهر على الشاشة تقف خلفه منظومة بشرية وإدارية هائلة، تعمل في صمت وانضباط وتنسيق دقيق.

أخبار مقترحة

  • US Senator Susan Collins (R-ME), Republican candidate for re-election, interacts with supporters at a watch party during the US midterm elections, at the Hilton Garden Inn, in Bangor, Maine, US, November 3, 2026. REUTERS/Taylor Coester
    تأثير سوزان كولينز.. كيف تصنع الصحافة المحلية صورة السياسي المعتدل؟
  • على بعد 15 كيلومترا من روسيا.. صحيفة نرويجية تتحدى رقابة الكرملين

هذه المرة لم أكن مشاهدا من بعيد، فقد أتيحت لي فرصة الوجود داخل الجزيرة، مشاركا ومراقبا لما يجري خلف الكواليس. وكان أكثر ما لفت انتباهي حجم العمل المتواصل، وتكامل حلقاته، وطبيعة العلاقة بين فرق العمل المختلفة.

كنت موجودا داخل المبنى والاستوديوهات في ساعات مختلفة أثناء الحرب، وشاهدت ورشة عمل لا تهدأ، تعمل على مدار 24 ساعة، في إعادة البناء والترتيب والتطوير والإعداد للصورة البصرية. لم يتعطل العمل لحظة، ولم يظهر للمشاهد أن المؤسسة تمر بظروف استثنائية تستدعي كل هذا الجهد، وهنا أدركت أن الشاشة التي نراها ليست سوى الواجهة الظاهرة لعمل مؤسسي بالغ التعقيد.

 

هناك جيش من العاملين، لكل منهم دور محدد، تتداخل مسؤولياتهم وتتصل جهودهم من دون أن تتعارض أو تربك بعضها بعضا.

ولعل أكثر ما أثار دهشتي قدرتهم على مواصلة العمل اليومي بالمستوى نفسه من النشاط والجاهزية، حتى في أصعب الظروف.

كنت موجودا داخل المبنى والاستوديوهات في ساعات مختلفة أثناء الحرب، وشاهدت ورشة عمل لا تهدأ، تعمل على مدار 24 ساعة، في إعادة البناء والترتيب والتطوير والإعداد للصورة البصرية.

لم يتعطل العمل لحظة، ولم يظهر للمشاهد أن المؤسسة تمر بظروف استثنائية تستدعي كل هذا الجهد، وهنا أدركت أن الشاشة التي نراها ليست سوى الواجهة الظاهرة لعمل مؤسسي بالغ التعقيد.

ومن موقعي المتخصص في الإدارة، وتحديدا في السمات الشخصية والقيادية، أجد أن تجربة الجزيرة الحالية تستحق التأمل. فقد تعاقبت على المؤسسة إدارات عديدة، وواجهت كل منها تحديات وضغوطا مختلفة، وحققت نجاحات أسهمت في بناء مكانتها.

أما ما أراه في الإدارة الجديدة فهو قدرتها على الاستفادة من الخبرات المتراكمة، واستقطاب كفاءات جديدة، والمزج بين الخبرات العربية والأجنبية والطاقات القطرية، في صيغة تبدو قائمة على فهم أهمية الإنسان في نجاح المؤسسة.

وقد لفتني الجانب الإنساني في القيادة؛ تلك الطيبة التي لا تتصنع، والتعاطف الذي لا يبدو جزءا من صورة إدارية جاهزة، وإنما سلوك طبيعي في التعامل مع الآخرين.

فالاهتمام برأس المال البشري، والمحافظة على رأس المال النفسي للعاملين، من أهم عناصر استدامة المؤسسات. الموظف الذي يشعر بقيمته وبأن جهده محل تقدير يصبح أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر ارتباطا بالمكان الذي يعمل فيه. وأعتقد أن هذا الجانب يمثل أحد مفاتيح نجاح التجربة الحالية.

ومن اللافت أيضا أن الجزيرة، بعد 30 عاما، أصبحت تتحرك في فضاء يتجاوز حتى شعارها الشهير "الرأي والرأي الآخر". فقد انتقلت من مرحلة ارتبطت فيها هذه الثنائية بهويتها الإعلامية إلى مرحلة أوسع تقوم على العالمية والتنوع وتعدد أشكال المحتوى.

لم تعد التجربة محصورة في البرامج الحوارية التي صنعت شهرتها، ومنها "الاتجاه المعاكس"، وإنما اتجهت إلى مساحات ثقافية ووثائقية ومعرفية، وإلى أشكال جديدة من الإنتاج الإعلامي.

وهذا التوسع يستحق قراءة إدارية وإعلامية مختلفة. ففي لغة الإستراتيجيات العسكرية، عندما يقرر الجيش فتح جبهة جديدة وتوسيع نطاق تحركه، فإنه يدخل في مساحة تحمل قدرا من المخاطرة، وتتطلب استعدادا وموارد وقدرة على إدارة أكثر من مسار في الوقت نفسه.

أمنيتي للجزيرة في أعوامها المقبلة، أن تحافظ على تلك الميزة التي جعلت المشاهد يفتح شاشتها وهو ينتظر شيئا جديدا؛ خبرا من مكان بعيد، أو مراسلا يصل إلى منطقة يصعب الوصول إليها، أو محللا يشرح له ما استعصى عليه فهمه، أو برنامجا يفتح أمامه نافذة لم يكن يعرف بوجودها.

وهذا ما تفعله الجزيرة حين تنفتح على جمهور جديد، لا يقتصر اهتمامه على الأخبار العاجلة والتحليلات السياسية، وإنما يبحث عن الثقافة والوثائقيات والمعرفة والفعاليات المختلفة.

إن إطلاق قنوات ومسارات جديدة، والتوسع في المحتوى الثقافي والوثائقي، يعني أن المؤسسة تراهن على المستقبل، وتسعى إلى منافسة نفسها قبل منافسة الآخرين. وهي بذلك تنتقل من مفهوم القناة الإخبارية الواحدة إلى منظومة إعلامية متعددة الاهتمامات والهويات، تستطيع مخاطبة شرائح أوسع من الجمهور.

لقد أثبتت التجربة أن امتلاك شبكة من المراسلين أو تقديم البرامج الحوارية لا يكفي وحده لصناعة التميز الإعلامي. فكثير من المؤسسات تمتلك الإمكانات ذاتها، لكن الفارق يكمن في نوعية المحتوى، والقدرة على الوصول إلى الزوايا التي يصعب الوصول إليها، وتقديم الأحداث بصورة مختلفة، والبحث عن التفاصيل التي تمنح المشاهد فهما أعمق لما يجري حوله.

وهنا تبرز أهمية التطوير المهني والتحريري الذي تحرص الجزيرة على مواصلته، مع المحافظة على المعايير التي صنعت هويتها. فالتجديد الحقيقي يحتاج إلى ذاكرة مؤسسية تحفظ الخبرات السابقة، وإلى إدارة تملك شجاعة التغيير، وتعرف كيف تجمع بين أصالة التجربة ومتطلبات المرحلة الجديدة.

الإدارة، في نهاية المطاف، ليست تخطيطا وأوراقا وجداول عمل فقط، إنها علم وفن، وقبل ذلك قدرة على القيادة، والقيادة الحقيقية تظهر في طريقة التعامل مع البشر، وفي إدارة الأزمات، وفي اتخاذ القرارات الصعبة، وفي القدرة على تحريك المؤسسة نحو أهدافها حتى عندما تكون الظروف المحيطة شديدة التعقيد.

ولعل ما شاهدته داخل الجزيرة يؤكد أن المؤسسات الكبرى لا تصنعها الشاشات وحدها، وإنما يصنعها أولئك الذين يقفون خلفها، ويؤمنون برسالتها، ويواصلون العمل عندما تنطفئ الأضواء وتغيب الكاميرات.

أما أمنيتي للجزيرة في أعوامها المقبلة، فهي أن تحافظ على تلك الميزة التي جعلت المشاهد يفتح شاشتها وهو ينتظر شيئا جديدا؛ خبرا من مكان بعيد، أو مراسلا يصل إلى منطقة يصعب الوصول إليها، أو محللا يشرح له ما استعصى عليه فهمه، أو برنامجا يفتح أمامه نافذة لم يكن يعرف بوجودها.

30 عاما من الحضور تمنح الجزيرة تاريخا تستحق أن تحتفي به، لكن السنوات الثلاثين المقبلة ستظل مرتبطة بقدرتها على التجدد، والمحافظة على جودة المحتوى، ومفاجأة جمهورها بما يتجاوز توقعاته.

فالمؤسسات الإعلامية الكبرى لا تعيش على رصيد ماضيها وحده، وإنما تجدد أسباب حضورها كل يوم. وهذه، في تقديري، هي المسألة الأهم: أن تظل الجزيرة قادرة على إدهاشنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.