تنفست واحات الجنوب الشرقي للمغرب الصعداء هذا العام بعد مواسم متتالية من الجفاف، حيث شكلت التساقطات المطرية الأخيرة التي أنعشت جهة درعة-تافيلالت نقطة تحول أعادت الحياة إلى قطاع التمور، وقد تجلى هذا الانتعاش بوضوح في أروقة الدورة الخامسة عشرة من الملتقى الدولي للتمر بالمغرب بمدينة أرفود، التي تحولت إلى منصة تعكس “دورة الخير والوفرة” وسط تراجع ملحوظ في الأسعار.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إنتاج هذا الموسم فاق التوقعات كما ونوعا. وبحسب تقديرات المهنيين، يتوقع أن يتراوح حجم الإنتاج الوطني ما بين 160 و170 ألف طن، وهو رقم يكفي لتغطية الجزء الأكبر من الطلب الداخلي، ليقتصر حجم الاستيراد المتوقع على 50 ألف طن فقط لتلبية حاجيات السوق حتى حلول شهر رمضان المقبل.
وقد انعكست هذه الطفرة الإنتاجية بشكل مباشر على الأسواق؛ إذ سجلت أسعار الأصناف الأكثر استهلاكا، مثل “المجهول” و”الفقوس” و”الجيهل”، تراجعا بنسبة بلغت نحو 30 بالمائة مقارنة بالعام الماضي. هذا الانخفاض جعل من المعرض وجهة رئيسية للمستهلكين وتجار الجملة القادمين من مختلف جهات المملكة بحثا عن الجودة والسعر التنافسي.
ورغم الأجواء الإيجابية، لم تخل تصريحات المهنيين من رسائل تحذيرية. وفي هذا السياق، أكد آيت شعيب داود، رئيس مجموعة ذات النفع الاقتصادي لمعيدر، أن الموسم الحالي اتسم بإنتاج وفير، لكنه حذر من تداعيات إغراق السوق الوطنية بالتمور الأجنبية.
وناشد داود وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية من أجل تقنين عمليات الاستيراد، ومنح الأولوية لتسويق المنتوج المحلي لحماية المزارع المغربي، على أن يُحصر الاستيراد في حدود سد العجز.
من جهته، اعتبر خفو محمد، ممثل لتعاونية “البور” بتنجداد، أن المعرض يشكل نافذة حيوية للفلاحين لعرض منتجاتهم مباشرة للجمهور، مطمئنا المستهلكين باستمرار وفرة العرض والأسعار المناسبة حتى شهر رمضان.
وفي تفصيل لدينامية الأسعار، كشف مبارك أوبحا، مهني من جماعة سيدي علي، أن أسعار صنف “المجهول” الممتاز استقرت حاليا في حدود 80 درهما للكيلوغرام، بينما تتراوح أسعار الجودة المتوسطة بين 45 و50 درهما. وأشار إلى إقبال تجار الجملة على اقتناء كميات تصل إلى 6 أطنان، مسجلا في الوقت ذاته أن بعض محاصيل “الفقوس” تضررت جزئيا جراء الأمطار المتأخرة، باستثناء تلك التي جنيت وخزنت مبكرا قبل التساقطات.
ولم يقتصر الارتياح على العارضين، بل امتد إلى زوار المعرض؛ فقد عبر يوسف، وهو زائر قادم من العاصمة الرباط، عن إعجابه بجودة التنظيم والمنتجات المعروضة، معتبرا أن الأسعار معقولة جدا مقارنة بالسنوات الماضية بفضل الموسم المطري الجيد، مثمنا الرعاية الملكية التي يحظى بها هذا الحدث.
ولا تقتصر أهمية هذه الوفرة الاستثنائية بجهة درعة-تافيلالت، التي تحتضن النسبة الأكبر من واحات النخيل بالمملكة، على الجانب التجاري اللحظي، بل تمثل متنفسا حقيقيا للمزارعين.
ويجمع الفاعلون الاقتصاديون على أن ملتقى أرفود رسخ مكانته كمنصة استراتيجية لعقد شراكات تجارية مستدامة وتبادل الخبرات، وسط دعوات ملحة لاستثمار هذه الظرفية المناخية المواتية لدعم مشاريع الشباب في الواحات، وتحديث آليات الإنتاج، مع اتخاذ تدابير حازمة لضبط الاستيراد بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر