على بُعد خطوات من صفحات التاريخ التي صنعت مجد الحضارة المصرية القديمة، وتحديدًا في أحضان منطقة أبيدوس الأثرية بمركز البلينا جنوب محافظة سوهاج، تقبع منطقة لا يعرف كثيرون حجم أسرارها، ولا يدركون أنها كانت يومًا مثوى لملوك مصر الأوائل وأصحاب العروش في بدايات تكوين الدولة المصرية.

إنها «أم الجعاب»، الجبانة الملكية التي احتضنت مقابر فراعنة الأسرة الأولى وآخر ملوك الأسرة الثانية، وتحولت على مدار آلاف السنين إلى شاهد أثري نادر على طقوس الدفن والمعتقدات الدينية وتطور الحكم في مصر القديمة.

لا تحكي الرمال قصة مقابر فحسب، بل تكشف عن فصول من تاريخ يمتد إلى ما قبل ظهور الأسرات المصرية، وعن ملوك اختاروا هذه البقعة لتكون مستقرهم الأخير، وعن طقوس دينية جعلت المكان مقصدًا للحجاج وتقديم القرابين لقرون طويلة.

لماذا حملت اسم أم الجعاب؟

ارتبط اسم «أم الجعاب» بكثرة الأواني والجرار الفخارية التي تراكمت في محيط المقابر، حتى أصبحت المنطقة أشبه بتلال ضخمة من بقايا الأواني والقرابين التي تركها الزائرون عبر العصور، والاسم يعني «أم القوارير»، في إشارة إلى الكميات الهائلة من الفخار الذي عُثر عليه بالموقع، والذي ارتبط بالطقوس الجنائزية وتقديم النذور والقرابين، خاصة خلال الفترات التي تحولت فيها أبيدوس إلى مركز مهم لعبادة الإله أوزوريس.

ولم تكن المنطقة منذ نشأتها جبانة ملكية، وإنما بدأت مقابر عادية خلال عصر نقادة، قبل أن تتطور تدريجيًا وتصبح مقرًا لدفن الملوك والأمراء والنخب الحاكمة، مع بدايات عصر الأسرات، واستمر استخدامها في هذا الدور حتى الأسرة الثالثة.

من العقرب الأول إلى ملوك الأسرة الأولى

كشفت الدراسات الأثرية أن تاريخ أم الجعاب يعود إلى عصور ما قبل الأسرات، وتحديدًا عصر نقادة، حيث تضم المنطقة مقابر تعود إلى الفترة التي سبقت قيام الدولة المصرية الموحدة، ومن أبرز الاكتشافات المرتبطة بهذه المرحلة مقبرة الملك العقرب الأول، المعروفة أثريًا باسم U-j، والتي تُعد من أهم المقابر الملكية المبكرة، لما احتوته من شواهد وأدلة على تطور الإدارة والكتابة والطقوس الجنائزية قبل ظهور الأسرات.

ومع بداية الأسرة الأولى، تحولت المنطقة إلى جبانة ملكية ضمت مقابر عدد من أبرز ملوك مصر القديمة، من بينهم نارمر، وحور عحا، وجر، وجت، والملكة مريت نيث، ودن، وعنجيب، وسمرخت، وقاع، كما احتضنت مقابر آخر ملكين من الأسرة الثانية، وهما بر إب سن وخع سخموي، لتصبح المنطقة واحدة من أهم المواقع التي توثق بدايات التاريخ الملكي المصري.

تميزت المقابر الملكية في أم الجعاب بتصميمات معمارية تطورت مع مرور الزمن، واعتمدت في معظمها على حجرات ودهاليز تحت الأرض، شُيدت جدرانها باستخدام الطوب اللبن، واستُخدمت الأخشاب في بعض الأجزاء الداخلية.

وكانت بعض المقابر تضم حجرات متعددة لتخزين الأثاث الجنائزي والأواني والأدوات التي اعتقد المصري القديم أنها سترافق المتوفى في العالم الآخر.

كما وُضعت أمام عدد من المقابر لوحات حجرية تحمل أسماء أصحابها، وأحيانًا ألقابهم، مع نقوش تصور تقديم القرابين للآلهة، ولم يتبقَّ من معظم المنشآت العلوية التي كانت تعلو المقابر سوى آثار محدودة، بعدما اختفت البنيات الخارجية بفعل عوامل الزمن، بينما ظلت الحجرات والدهاليز المدفونة تحت الأرض تحمل الكثير من الشواهد التاريخية.

ومن الظواهر التي ارتبطت ببعض المقابر الملكية في الأسرة الأولى وجود مدافن ثانوية حول المقبرة الرئيسية، دُفن فيها أفراد من الحاشية والخدم، في إطار الطقوس الجنائزية التي صاحبت دفن بعض الملوك، قبل أن تتراجع هذه الممارسة لاحقًا.

من الإله خنتي أمنتي إلى أوزوريس.. كيف تحولت الجبانة إلى مقصد للحجاج؟

لم تقتصر أهمية أم الجعاب على كونها مدفنًا للملوك، بل ارتبطت كذلك بالمعتقدات الدينية لدى المصريين القدماء، فقد ارتبطت المنطقة في العصور المبكرة بالإله «خنتي أمنتي»، الذي كان يُنظر إليه باعتباره سيد الغربيين وحامي جبانة الموتى في أبيدوس.

ومع انتشار عبادة أوزوريس وتطور المعتقدات الدينية، ارتبط اسم الإلهين تدريجيًا، وأصبحت أبيدوس أحد أهم مراكز عبادة أوزوريس في مصر القديمة، ووفقًا للأسطورة المصرية القديمة، عُثر في أبيدوس على رأس أوزوريس بعد أن قتله أخوه ست، وأصبحت المدينة مرتبطة بقوة بمعتقدات البعث والحياة الأخرى.

وخلال الدولة الوسطى والدولة الحديثة، اكتسبت المنطقة مكانة دينية كبيرة، وتحولت إلى مقصد للحجاج الذين كانوا يأتون لتقديم القرابين والنذور، ووضع الأواني الفخارية بالقرب من المقابر، وهو ما ساهم في تكوين التلال الضخمة من بقايا الجرار التي منحت المكان اسمه المعروف حتى اليوم.

ومن الاكتشافات اللافتة المرتبطة بالموقع العثور داخل مقبرة الملك جر على تمثال من حجر البازلت عُرف باسم «سرير أوزوريس»، والذي أثار اهتمام الباحثين بسبب ارتباطه بالمعتقدات الدينية الخاصة بالإله أوزوريس.

وأظهرت الدراسات أن التمثال يعود إلى الأسرة الثالثة عشرة، أي أنه أُضيف إلى المقبرة بعد عصر الملك جر بنحو ألف عام، وهو ما يعكس استمرار الأهمية الدينية للموقع وارتباطه بعبادة أوزوريس حتى بعد انتهاء عصر الملوك الذين دُفنوا فيه.

وتُعد مقبرة جر من المقابر التي ارتبطت بالدراسات الخاصة بطقوس أوزوريس، كما تكشف المكتشفات الأثرية عن استمرار استخدام المنطقة في الممارسات الدينية والجنائزية خلال فترات تاريخية متعاقبة.

رحلة اكتشاف استمرت أكثر من قرن

لم يصل علماء الآثار إلى أسرار أم الجعاب بسهولة، فقد شهد الموقع سلسلة من أعمال الحفر والاستكشاف التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، وكان عالم الآثار الفرنسي إميل أميلينو من أوائل الذين أجروا حفريات واسعة بالمنطقة خلال الفترة من 1895 إلى 1899، ثم تولى عالم الآثار البريطاني فلندرز بيتري أعمال الحفر المنظمة بين عامي 1899 و1901، ونجح في اكتشاف عدد من المقابر وتوثيق تفاصيلها.

كما أجرى عالما الآثار إدوارد نافيل وإريك بيت أبحاثًا وحفريات بالموقع خلال الفترة من 1908 إلى 1911، وفي عام 1977، استأنف المعهد الألماني للآثار بالقاهرة أعمال الدراسة والاستكشاف العلمي للمنطقة، تحت إشراف عالم الآثار فيرنر كايزر، ثم تولى غونتر دراير قيادة جانب مهم من الأبحاث، لتتواصل الدراسات الأثرية المصرية والأجنبية حتى اليوم.

وقد أسهمت هذه الأعمال في إعادة قراءة تاريخ الجبانة، والكشف عن تفاصيل جديدة بشأن المقابر الملكية والطقوس الدينية التي شهدتها المنطقة عبر آلاف السنين.

أم الجعاب.. تاريخ لا يزال يبوح بأسراره

وتظل أم الجعاب واحدة من أهم الشواهد الأثرية في محافظة سوهاج ومصر بأكملها، فهي ليست مجرد مقابر ملكية قديمة، وإنما سجل مفتوح يوثق مرحلة تأسيس الدولة المصرية، وتطور الكتابة والعمارة والمعتقدات الدينية لدى المصريين القدماء.

وبين مقابر العقرب الأول وملوك الأسرتين الأولى والثانية، وحكايات أوزوريس والجرار الفخارية، تقف هذه المنطقة شاهدة على تاريخ لم تفقده الرمال رغم مرور آلاف السنين.