على خلفية قرار الحكومة تعليق تصدير الطماطم إلى الأسواق الإفريقية، بعد ارتفاع أسعار هذا المنتج في السوق المحلية، دعت جمعيات حماية المستهلك بالمغرب إلى تقييم الأثر الفعلي لمثل هذه القرارات، محذرة في الوقت ذاته من أن تقييد التصدير وحده لا يضمن انخفاض الأسعار ما لم ينعكس ذلك على السعر النهائي؛ الشيء الذي يتطلب إعادة النظر في سياسات الإنتاج وتنظيم مسالك التوزيع وتقليص حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.
وحسب ما أفاد به مصدر حكومي لوكالة “رويترز” في هذا الصدد، فإن “الأمر يتعلق بإجراء مؤقت يهدف إلى تنظيم السوق الداخلية وضمان استقرار الإمدادات”، معتبرا أن “عمليات التصدير نحو الأسواق الإفريقية ستستأنف قريبا، وأن القرار لا يشمل الطماطم مرتفعة الثمن الموجهة إلى الأسواق الأوروبية التي تستحوذ على الحصة الكبرى من صادرات المغرب من هذه المادة”.
ومنذ أيام، أكد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أن الحكومة تتجه لتنظيم صادرات الموارد الغذائية إلى الخارج في إطار جهود مواجهة ارتفاع الأسعار في الأسواق الوطنية؛ فيما سبق أن أفاد بأن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ستعمل على إحداث ست شركات جهوية على مستوى الأحواض الفلاحية الكبرى بالمملكة، بهدف إعادة هيكلة سلاسل التوزيع الفلاحي لمواجهة المضاربات وضبط الأسعار.
تقييم للأثر
قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، إن “التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه يتمحور حول ما إذا كان هذا القرار قد خضع للتقييم والتتبع أثناء تطبيقه في السنوات الماضية لمعرفة أثره الفعلي، وهل ساهم فعلا في خفض أسعار السلع في الأسواق المغربية”، مسجلا أن “الإشكال الحقيقي يكمن في اتخاذ قرارات وإطلاق برامج دون إخضاعها للتقييم الموضوعي؛ في حين يتيح التقييم المستمر تصويب المسار وتطبيق الإجراءات بنجاعة وتحسين آليات العمل”.
وأضاف الخراطي، في تصريح لهسبريس، أن “المنتجين المغاربة مرتبطون مع زبائنهم في السوق الأوروبية بعقود ملزمة يعاقبون في حال الإخلال بها؛ بينما يختلف الوضع تماما في الأسواق الإفريقية التي تفتقر إلى هذا التأطير وتعتمد على مبادرات فردية من أجل تصدير المنتوجات وتحقيق الأرباح”.
وأبرز رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك أنه “كان من الأجدر تنظيم هذه السوق الإفريقية وتأطيرها على غرار ما يجري مع الأسواق الأوروبية؛ وهو ما سيتيح تنويع مصادر العملة الصعبة لتشمل أمريكا وإفريقيا وأوروبا، عوض الاكتفاء بمدخل واحد وبنمط عشوائي يضر بالمصلحة العامة”.
وذكر الفاعل المدني سالف الذكر أن “فصل الخريف يشهد تراجعا طبيعيا في المحاصيل الفلاحية. وكان يفترض إقرار فترات زمنية معلومة لمنع التصدير؛ بالنظر إلى توقف مواسم الجني، حيث ينحصر العرض الداخلي في السلع المخزنة في غرف التبريد أو تلك المزروعة في البيوت المغطاة”، لافتا إلى أن هذه الأخيرة “لا يدخل منها إلى السوق المحلية إلا الفائض عن الحصص التصديرية نحو أوروبا، كحال الطماطم التي توجه للتصدير الإفريقي بدل السوق الوطنية؛ مما يتسبب في التهاب الأسعار”.
وأوضح المصرح ذاته أن “الإجراءات الظرفية قد تحقق نتيجة مؤقتة فقط عبر تثبيت الأسعار المرتفعة دون أن ترتفع أكثر؛ لكنها لا تضمن تأثيرا إيجابيا ومستداما على السوق. والمطلوب اليوم هو إعادة النظر في سياسات الإنتاج لا في قنوات التسويق وحدها؛ من خلال إرساء ملاءمة دقيقة وإلزامية بين ما يوجه للتصدير وبين ما يخصص للسوق الداخلية، وتحديد حصة من إنتاج كل فلاح للسوق الوطنية”، مشددا على أن “هذه الآلية ستضمن توفير الخضر والفواكه الجيدة للمستهلك المغربي بأسعار معقولة”.
وخلص الخراطي إلى أن “هناك خللا عميقا في تدبير السوق الداخلية، مرده إلى غياب مؤسسات تسهر حصريا على تنظيمه، في ظل تعدد المتدخلين؛ وهو ما يكرس منطق الريع المؤدي حتما إلى ارتفاع الأسعار”، معتبرا أن “الشركات الجهوية للتوزيع التي أعلنت عنها الحكومة تطرح مخاوف من استبدال كثرة الوسطاء باحتكار وسيط واحد يتحكم في الأسعار، أضف إلى ذلك عقلية التاجر المغربي الذي يعتبر هامش الربح مكسبا ثابتا لا يقبل التنازل عنه عند انخفاض تكلفة السلع، متجاهلا مرونة السوق الحرة”.
السعر النهائي
قال حسن آيت علي، رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، إن “تقييد تصدير بعض المنتجات الفلاحية يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على الأسعار، إذا ترتب عنه توجيه كميات إضافية إلى السوق الوطنية ووصولها فعليا إلى المستهلك. وندعم كل تدبير مدروس يعطي الأولوية لتموين الأسواق وحماية القدرة الشرائية؛ لأن الخضر والفواكه مكونات أساسية في غذاء الأسر، وأي ارتفاع متواصل في أثمانها يثقل ميزانيتها ويؤثر في جودة تغذيتها”.
وزاد آيت علي: “لكن ينبغي أن نكون واضحين مع المواطنين، فتقييد التصدير وحده لا يضمن انخفاض الأسعار، ولا يسمح بتقديم وعود بانفراج فوري، لأن الأثر يتوقف على حجم الكميات المعنية، ووضعية الإنتاج، وتكاليف النقل والتسويق، والطريقة التي تشتغل بها مسالك التوزيع. وقد تتحسن الوفرة دون أن يستفيد المستهلك بالقدر المنتظر، إذا لم ينتقل انخفاض الأسعار من سوق الجملة إلى بائع التقسيط”.
وطالب المصرح لهسبريس بـ”توضيح رسمي ودقيق للمنتجات المشمولة بالإجراء ومدته ونطاقه، مع نشر معطيات منتظمة عن التموين والأسعار”، مبرزا أن “المواطن والمنتج والمهني يحتاجون جميعا إلى رؤية واضحة، كما أن تقييم القرار يجب أن يستند إلى النتائج التي تظهر في الأسواق”، لافتا إلى أن “المدخل المستعجل الثاني، فهو تتبع مسار المنتوج من الضيعة إلى نقطة البيع، لمعرفة أين تتراكم التكاليف والهوامش، والتدخل لدى ثبوت ممارسات احتكارية أو اتفاقات تضر بالمنافسة أو حجب متعمد للسلع بغرض رفع أثمانها”.
وشدد رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك على “الحاجة إلى تقليص حلقات الوساطة التي لا تقدم خدمة فعلية، وتيسير البيع المباشر والمنظم من المنتجين والتعاونيات، وتحسين اشتغال أسواق الجملة والنقل والتخزين للحد من التلف والكلفة”.
وسجل الفاعل المدني عينه أن “أي دعم عمومي لتخفيف تكاليف الإنتاج أو النقل ينبغي أن يُقاس أثره على السعر النهائي. وفي الوقت نفسه يجب حماية الفلاح، خصوصا الصغير، من انهيار ثمن البيع عند الإنتاج؛ فلا يمكن بناء استقرار الأسعار على خسارته، لأن تضرره اليوم قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وغلاء أكبر غدا”.
وأكد المتحدث ذاته أن “المطلوب هو تنظيم التصدير بمرونة، وفق حاجيات السوق ووضعية كل منتوج، مع مواكبة المنتجين والحفاظ على استمرارية نشاطهم”.
وبيّن حسن آيت علي أن “الحديث عن عودة الأسعار إلى مستواها الطبيعي، فالمقصود به أسعارا عادلة تعكس الكلفة الفعلية وهامشا معقولا، وتراعي قدرة الأسر على الشراء؛ لأن المستهلك سيحكم على نجاح هذه الإجراءات حين يدخل السوق ويستطيع شراء حاجيات أسرته دون أن يضطر كل مرة إلى حذف مادة أساسية من قفته”، خالصا إلى أن “هذا هو الأثر الذي ننتظر أن تلتزم به التدابير الحكومية، وأن تتم متابعته وإعلان نتائجه للعموم”.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر