دعا خبراء وباحثون مغاربة وأجانب، خلال مؤتمر دولي احتضنته العاصمة الرباط يومي 28 و29 أكتوبر 2026، إلى إعادة النظر في منظومات التعليم العالي والمدرسي والهندسي، وتطوير آليات ضمان الجودة والتقييم، بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على ضرورة وضع الإنسان والإنصاف والتفكير النقدي في صلب السياسات التعليمية.
وجاءت هذه الدعوة خلال أشغال المؤتمر الدولي للجودة والتقييم، الذي احتضنته المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط (ENSAM)، بتنظيم مشترك بين مؤسسة أماكن لجودة التعليم والمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بوجدة، تحت عنوان «إعادة التفكير في الهندسة والتعليم العالي والمدرسة في عصر التحول التكنولوجي وزمن اللايقين»، بمشاركة خبراء وباحثين ومسؤولين من المغرب وفرنسا وبلجيكا وكندا وسويسرا وأرمينيا.
وافتتحت أشغال المؤتمر بكلمتين للأستاذين حسن أوريد وعبد السلام الصديقي، تناولتا التحولات العميقة التي يشهدها قطاع التعليم، وطرحتا سؤالا محوريا يتعلق بكيفية إعادة بناء أنظمة التعليم والهندسة والتكوين حول الإنسان، في ظل تحول الذكاء الاصطناعي إلى فاعل رئيسي في إنتاج المعرفة والتقييم وسوق الشغل.
وشهد المؤتمر تنظيم 20 محاضرة رئيسية، إلى جانب جلسات للنقاش وورشة تطبيقية وطاولة مستديرة وأربع جلسات موازية لتقديم البحوث العلمية، تناولت قضايا الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والتشغيل، وإدماج الثقافة والأخلاق والتفكير النقدي في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فضلا عن تقييم الكفايات والقيم وتطوير نماذج جديدة لقياس الجودة والأثر في البيئات الرقمية.
كما ناقش المشاركون مستقبل البيداغوجيا الجامعية في ظل التحولات الرقمية، والتقييم الذاتي للمؤسسات التعليمية، وعلاقة الذكاء الاصطناعي باللغة والتعلم، وتكوين أساتذة التعليم العالي لمواجهة التعقيد والأزمات، إلى جانب هندسة التكوين والمسارات التعليمية المرنة والشهادات التكيفية، وإمكانيات توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعزيز الإدماج بالتعليم ما بعد الثانوي.
وحذرت مداخلات المؤتمر من وجود فجوة متزايدة بين سرعة التحول التكنولوجي وبطء أنظمة ضمان الجودة والتقييم المعتمدة في المؤسسات التعليمية، موضحة أن هذه الأنظمة ما تزال تشتغل، في كثير من الحالات، وفق دورات طويلة للمراجعة والاعتماد تعود إلى منطق العصر الصناعي، بينما تتغير المعارف وطرق التدريس وأدوات التقييم بوتيرة متسارعة.
واعتبر المشاركون أن هذه الفجوة تمثل إحدى المشكلات البنيوية التي تواجه المنظومات التربوية، وتفرض الانتقال من مفهوم تقليدي للجودة يقوم على مطابقة معايير ثابتة، إلى مفهوم أكثر مرونة يرتكز على قدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق أهدافها، ومراجعة ممارساتها باستمرار، في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، برزت أربعة مرتكزات أساسية لإعادة بناء منظومات الجودة، تتمثل في تعدد الغايات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية للتعليم، واعتماد تحول تكنولوجي يتمحور حول الإنسان، وترسيخ العدالة المعرفية والإنصاف، وضمان الانسجام بين المدرسة والتعليم العالي والتكوين المهني والمجتمع.
وشددت المداخلات على أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الضوابط الأخلاقية والبيداغوجية، بل يجب أن يخضع لآليات المراقبة البشرية وإمكانية الاعتراض والتبرير، مع حماية المعطيات التعليمية من مخاطر الخوصصة والاستغلال، وتفادي تعميق الفوارق الرقمية والاجتماعية بين المتعلمين.
وعلى مستوى التوصيات، دعا المؤتمر إلى مراجعة شاملة لمفهوم الجودة التعليمية، من خلال الانتقال من جودة المطابقة إلى جودة الاتساق مع الأهداف التربوية، وتقليص دورات المراجعة والتقييم، وإحداث آليات لليقظة المستمرة تسمح للمؤسسات التعليمية بمواكبة التطورات التكنولوجية.
كما أوصى المشاركون بتوخي الحذر من استنساخ النماذج البيداغوجية الدولية الموحدة، وعدم اختزال جودة التعليم في نتائج الاختبارات أو مؤشرات الأداء الكمية، مؤكدين أهمية إخضاع أساليب التدريس والتقييم والاعتماد المؤسسي لمراجعة نقدية تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والغايات الأساسية للتعليم.
ودعت التوصيات أيضا إلى تطوير نماذج جديدة لتقييم الكفايات والقيم والأثر التعليمي، وتكوين المدرسين والباحثين في مجالات الذكاء الاصطناعي والكفايات الرقمية والبيداغوجيا النقدية، بما يمكنهم من التعامل مع التحولات التكنولوجية دون التخلي عن الأبعاد الإنسانية والتربوية للعملية التعليمية.
وفي السياق ذاته، شدد المؤتمر على أهمية الاستثمار في تحليلات التعلم وأنظمة التقييم الذكي، مع إخضاعها لتقييم علمي يقيس أثرها على التحصيل الدراسي والدافعية والقدرات المعرفية، تفاديا للاستخدام غير النقدي للتكنولوجيا داخل المؤسسات التعليمية.
ومن بين التوصيات التي حظيت باهتمام المشاركين، تعزيز الإنصاف والإدماج، ومعالجة الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعي والولوج إلى التكنولوجيا، وضمان استفادة جميع الطلبة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يحول دون تحولها إلى عامل جديد لإنتاج اللامساواة داخل المنظومة التعليمية.
كما دعا المؤتمر إلى تطوير مسارات تعليمية وتكوينية مرنة، تقوم على الشهادات الصغرى والمسارات التكيفية وإحداث جسور بين مختلف التكوينات، بالاستناد إلى تطور المهن والكفايات المطلوبة في سوق الشغل، إلى جانب توسيع الشراكات بين الجامعات والمدارس والمقاولات والمجتمع المدني، ودعم التعليم المقاولاتي وبيئات التعلم المفتوحة.
وأكد المشاركون أن هذه التوصيات يمكن أن تشكل أرضية لإغناء السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين، خصوصا في ظل التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على طبيعة الوظائف والمؤهلات المطلوبة، وعلى العلاقة بين المؤسسات التعليمية والمحيط الاقتصادي والاجتماعي.
وخلصت أشغال المؤتمر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية يمكن إضافتها إلى الوسائل التعليمية التقليدية، بل أصبح تحولا بنيويا يستدعي إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والتكوين والتقييم وسوق الشغل، ووضع أطر واضحة للحكامة والمساءلة والتقويم المستمر.
واعتبر المشاركون أن الرهان الأساسي لا يتمثل فقط في مواكبة التطور التكنولوجي، وإنما في توجيهه نحو بناء تعليم أكثر جودة وإنصافا وإنسانية، بما يمنع تحول «زمن اللايقين» إلى مرحلة تتعمق خلالها الفوارق التعليمية والاجتماعية.
وانتهت النقاشات إلى التأكيد على أن مستقبل جودة التعليم يظل مرتبطا بسؤال جوهري يتجاوز المؤشرات التقنية ونتائج الاختبارات، ويتعلق بتحديد المستفيد الحقيقي من السياسات التعليمية، والجهة التي تضع معايير الجودة، والفئات التي قد تتحمل كلفة التحولات الجارية، وهو ما اختصره المشاركون في سؤال: «جودة لمن، وبحسب من، وعلى حساب من؟».
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر