لم تعد أسماء المواليد الجدد تشبه كثيرا تلك التي اعتادتها العائلات قبل سنوات، بعدما بدأت أسماء مثل إيلين، كايلا، ليا، دالين، ليان وميرال تفرض حضورها في اختيارات الأولياء، لتتحول إلى أسماء رائجة تتردد في أروقة مصالح الحالة المدنية. في المقابل، تراجعت أسماء ظلت لعقود طويلة حاضرة في بيوتنا، بعدما أصبحت مرتبطة في أذهان البعض بأسماء الأجداد والآباء والأجيال القديمة، ولم يعد ينفض عنها الغبار إلا في حالات نادرة كأن يحمل المواليد الجدد أسماء الأجداد تبركا بهم، أو تخليدا لأسماء أفراد فقدتهم الأسرة وتريد أن يبقى اسمهم حاضرا بين العائلة.

التواجد في مكتب تسجيل المواليد الجدد في البلديات هو مسلسل في حد ذاته، فالوقوف على حركة الآباء وهم يهرولون جيئة وذهابا لتسجيل المواليد الجدد، ومتابعة الحديث بينهم وبين موظفي المكتب فيه من الكوميديا أكثر مما فيه من الجد. وإن اختلفت تفاصيلها، إلا أن قاسمهم المشترك هو أسماء غير مألوفة لا يفك معانيها لا القاموس ولا غوغل.

بين آنية ودانية، جف حلق موظفة مكتب تسجيل المواليد في بلدية سيدي امحمد بالعاصمة، وهي تحاول عبثا إقناع أب بأنه مخطئ في معنى الاسم الذي اختاره لابنته، وهو آنية، فعندما راحت الأخيرة تسأله عن معنى هذا الاسم، قال بأن أمها من اختارته واستلهمته من القرآن الكريم، وهي، حسبه، عين في الجنة.

ولأن الموظفة فهمت أن الأمر يتعلق بالآية الخامسة من سورة الغاشية "تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ"، فراحت تقنعه أن الآية تتحدث عن أهل النار، وبأن العين الآنية موجودة في جهنم، وبأن معناها أنها بلغت غايتها في الحرارة، إلا أن الأب رفض تغيير الأمر جملة وتفصيلا بحجة أن الأم من اختارت الاسم، وستسقط مغشيا عليها إن لم تحمل ابنتها هذا الاسم، وما كان من الموظفة بعد أخذ ورد وإرساله إلا الرضوخ وتسجيل الطفلة. 

لعل الأسماء المستلهمة من القرآن من بين أكثر الأسماء رواجا، والتراث الإسلامي من بين أكثر الأسماء التي يختارها الأولياء، ولو أن بعضه يبدوا غير مألوف، "وهذه هي الموضة حاليا، الآباء لا يبحثون إلا عن غير المألوف، يريدون أن يتميز أبناؤهم بأسماء غريبة وفريدة"، تقول موظفة بمكتب تسجيل المواليد بإحدى بلديات العاصمة.

إسلامية أو ذات معنى

وكثيرا ما يجد هؤلاء الموظفون أنفسهم في إشكال أمام بعض الأسماء رغم أنها مذكورة في القرآن الكريم، وبالتالي يفهم على أنها إسلامية، ومن بين الشروط التي هم ملزمون بأخذها بعين الاعتبار عند تسجيل المواليد، حسب ما أملي عليهم من قبل مسؤوليهم، هو أن يكون الاسم مستمدا من التراث الإسلامي وأن يكون ذا معنى، بعد أن تم التخلي عن السجل القديم للأسماء، ويكفي أن يقنع الأب الموظف بمعنى الإسم حتى يتم تسجيله، وفي الغالب، تقول إحدى الموظفات، يلجأ الآباء إلى عرض معنى الإسم عبر الانترنت.

وحول هذه النقطة، ذكرت محدثتي إشكالا وقعت فيه مع أب اختار لابنه اسمه دانيال، الابن بدا أجنبيا طبعا بالنسبة للموظفة، إلا أن الأب الذي يظهر عليه التدين أصّر على أن يحمل ابنه الاسم، لأنه اسم نبي، ومذكور في القرآن الكريم، "ونحن أحق به من المسيحيين وغيرهم من أتباع الأديان الأخرى"، حسب الأب.

وبالحديث عن الأسماء المسيحية، ذكرت المتحدثة أنها صادفت حالة لجزائري يختار لابنه اسما مسيحيا، وعندما أعلمته الموظفة بأنه غير مقبول إلا في حال كان الشخص أجنبيا، ردّ الأخير بأنه مسيحي، وأحضر وثيقة من الكنسية في مسقط رأسه، ليتم تسجيل ابنه بالاسم الذي اختاره.

أسماء البنات.. المشكلة

وإذا كان هناك إجماع لدى الموظفات اللواتي تحدثنا إليهم بأن الجزائريين أصبحوا يفضلون كل ما هو غريب وغير مألوف بالنسبة إلى أبنائهم، تأتي الإشكالية الأكبر في أسماء البنات، اللواتي تكون أسماؤهن في الغالب غير مألوفة، أو ليست ذات أصول عربية، ومن بين أكثر الأسماء التي يقبل عليها الآباء في الفترة الأخيرة نجد، دالين، سيلين، ليّا ديما، رزان، ميرال، لليان، تاليا، داليا، إلين، آسيل، ميلينا، أريام، وحتى ليزا، الذي يعتبر اسما أعجميا، وهو تصغير لاسم اليزابيت.

أما بالنسبة لأسماء الذكور، نجد ريماس، وهو اسم أمازيغي، يانيس، جاد، جواد، إياد، ميار ومرتضى.

والمضحك، حسب الموظفة، أن أغلب الآباء يختارون الأسماء نزولا عند طلب الأمهات، ولا يناقشون الإسم رغم غرابته، وبعضهم يترجى الموظفة حتى لا ترفض الإسم بحجة أنه من اختيار أصهاره.

استثناء

نادرا ما أصبحنا نسمع بطفل يحمل اسما عربيا قديما من الأسماء التي كان يحملها أجدادنا، وهو ما تكشفه سجلات الأسماء في البلديات، بعد أن أغرتهم الدراما التركية، لكن هناك دائما استثناء يصنعه بعض الآباء، الذي عادوا للتنقيب عن الأسماء القديمة، لكن ليس حبا أو إعجابا به بالطبع، بل نزولا عند طلب كبار العائلة، أو هو خيار أحد الوالدين، والأب في الغالب، لأن يحمل الابن أو الإبنة اسم الأم أو الجدة أو الجد، خاصة ممن خطفهم الموت.

ومن بين هذه الأسماء نذكر، خديجة، عائشة، فاطمة الزهراء، صليحة، زوليخة، بوعلام، مباركة وغيرها من الأسماء.